باب ال
صلح
قال الله تعالى: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 114] في الآية أن من الخير الإصلاح بين الناس، وهذا ترغيب فيه.
وقال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 129].
في الآية تنبيه بأن الصلح يكون بما لا يخالف التقوى.
896- عن عمرو بن عوف المزني رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْـمُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أوَ أَحَلَّ حَرَامًا، وَالْـمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أوَ أَحَلَّ حَرَامًا»، رواه الترمذي وصحَّحه، وأنكروا عليه؛ لأن راويه كثير بن عبد الله بن عمرو ابن عوف ضعيف، وكأنه اعتبره بكثرة طرقه، وقد صحَّحه ابن حبان من حديث أبي هريرة.
897- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لَا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟! وَالله لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ»، متفق عليه.
898- وعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ»، رواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما. [حسَّنه البزارفي البحر الزخار (3717)، وصحَّحه الألباني في غاية المرام (456)].
عمرو بن عوف بن زيد المزني، كان قديم الإسلام، شهد مع النبي ﷺ المشاهد، وسكن المدينة، أحد البكائين، مات بالمدينة آخر أيام معاوية.
- الصلح: في اللغة اسم من المصالحة، وهي المسالمة بعد المنازعة، وفي الشريعة: عقد يرفع النزاع[1].
- عنها معرضين: أي: عن هذه السنة.
- لأَرْمِيَنَّ بها: إما أن يكون مقصوده: كلمة، أو خشبة، فيكون المراد: لأصرخن بها بينكم، أو لأوجعنكم بالتقريع بها.
1 - في حديث عمرو بن عوف دليل على مشروعية الصلح، وهو مجمع عليه[2].
2 - وفي حديث أبي هريرة دليل على أنه ليس للجار أن يمنع جاره من وضع خشبة على جداره، وأنه إذا امتنع عن ذلك أجبر-يشـرط عدم الإضرار بالجدار، وبشـرط الحاجة إليه- لأنه حق ثابت لجاره، وإلى هذا ذهب الحنفية وأحمد في رواية وإسحاق وغيرهما؛ عملا بالحديث، وذهب إليه الشافعي في القديم [3].
3 - وذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز أن يضع خشبة إلا بإذن جاره، فإن لم يأذن لم يجز، قالوا: لأن أدلة أنه لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيبة من نفسه تمنع هذا الحكم، فهو للتنزيه، فيندب فقط لصاحب الجدار تمكين جاره من الانتفاع به[4]. أما إن كان وضع الخشبة يضر بالحائط لضعَّفه عن حمله، فلا يجوز بغير خلاف.
4 - في حديث أبي حميد تأكيد حرمة مال المعصوم، فإن التعدي عليه من الكبائر، وقد اتفق العلماء على أن من أخذ ما وقع عليه اسم مال قل أو كثر أنه يفسق بذلك، وأنه محرم عليه [5].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - الصلح المنضبط بالقواعد الشـرعية محمود العواقب، وكله خير؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ [النساء: 128]، وهو بلا شك أولى من التمادي في الخلاف والشحناء والبغضاء التي هي قواعد الشر، وتورد المرء موارد الهلاك؛ قال الله تبارك تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ﴾ [آل عمران: 103].
2 - قال ابن تيمية: (إن المجاورة توجب من الحق ما لا يجب لأجنبي، وتحرم عليه ما لا يحرم على الأجنبي، فيبيح الجوار الانتفاع بملك الجار الخالي من ضرر الجار، ويحرم الانتفاع بملك الجار إذا كان فيه إضرار)[6].
3 - حقوق العباد عظيمة، فالذنوب التي بين العبد وربه تكفرها التوبة النصوح، أما حقوق العباد، فلا يكفرها مع التوبة إلا البراءة منها بأدائها، أو استحلال أهلها، والتخلص من تبعاتها[7].
1 - (ال) التعريف في قوله ﷺ: «الصلح جائز» تفيد العموم، وعليه فكل صلح بين المسلمين جائز إلا ما استثناه النص؛ وهو ما حرم حلالًا أو أحل حرامًا.
2 - كل ما يخالف الشرع فهو باطل ولا أثر له؛ كالصلح الذي يحرم حلالًا أو يحل حرامًا فهو باطل ولا يصح.
3 - جواز اشتراط الشروط في العقود ما لم تحرم حلالًا أو تحل حرامًا. ![]()
قال الله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ﴾ [يوسف: 72]، وقال الله تعـالى: ﴿ سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ ﴾ [القلم: 40] زعيم أي: ضامن.
الحوالة والضمان بمعنى واحد من جهة أنهما التزام في الذمة وفي الآيتين إقرار من الله تعالى للناس بجواز هذه الصور من المعاملات.
899- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعُ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ»، متّفق عليه. وفي رواية لأحمد: «ومن أحيل فليحتل»
900- وعن جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ أُتي برجل ليصلي عليه، فقال: «أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟» قُلْنَا: دِينَارَانِ، فَانْصَرَفَ، فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ، فَأَتَيْنَاهُ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: الدِّينَارَانِ عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «حَقُّ الغَرِيمُ وَبَرِئَ مِنْهُمَا الـمَيِّتُ؟» قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ. رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصحَّحه ابن حبّان والحاكم.
901- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْـمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأل: «هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاءٍ؟» فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِلَّا قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» فَلَمَّا فَتَحَ الله عَلَيْهِ الفُتُوحَ قَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِالْـمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، ومَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ»، متّفق عليه. وفي رواية للبخاريّ: «فَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً».
902- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا كَفَالَةَ فِي حَدٍّ»، رواه البيهقيّ بإسناد ضعيف. [ضعَّفه ابن عدي في الكامل (7/ 334)، والبيهقي في الكبير (11/ 565)، وغيرهما].
- مَطْلُ الغَنِيِّ: المطل: التسويف بوعد الوفاء مرة بعد أخرى، وعرَّفه الفقهاء بأنه تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر.
- وإِذَا أُتْبِعُ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ: أي: وإذا أحيل أحدكم بالدين الذي له على شخص موسر، فليحتل عليه.
- حقُّ الْغَرِيمُ: قال البيهقي: (عَنَى به -والله أعلم-: للغريم مطالبتُك بالدينارين وحدَك إن شاء، كما لو كان له عليك حق من وجه آخر، والميت منه بريء)[8].
1 - دلَّ حديث أبي هريرة على مشروعية الحوالة، وقد انعقد الإجماع على ذلك[9].
2 - وفيه دليل على تحريم المطل بالدين، ولا خلاف بين العلماء في تحريمه إذا حصل الطلب مع القدرة على القضاء.
3 - وظاهر الحديث يدل على أنه يجب على المحال أن يقبل الحوالة إذا أحيل على مليء، حيث أمر النبي ﷺ المحال بالاتباع والأمر يقتضي الوجوب، وهو مذهب الحنابلة[10].
4 - دلَّ حديثا جابر وأبي هريرة على أن الضمانة تصح عن الميت، وأنه يلزم الضمين ما ضمن به، وأنه لا يبرأ المضمون عنه إلا بأداء الضامن؛ لما ورد في بعض روايات حديث جابر: ثم قال: بعد ذلك بيوم «ما فعل الديناران؟» قال: إنما مات أمس. قال: فعاد إليه من الغد، فقال: قد قضيتها، فقال النبي ﷺ: «الآن بردت عليه جلده».
5 - ودلَّ حديث عمرو بن شعيب على أنه لا تجوز الكفالة في الحدود والقصاص؛ لأن النيابة لا تجري في العقوبات، فلا فائدة فيها، كما أن الحدود مبناها على الدرء والإسقاط بالشبهات، فلا يلائمها الاستيثاق، وهو قول الجمهور[11].
6 - الحديث الوارد في ذلك ضعيف، ولهذا كان الراجح ما قرره الشافعية من التفصيل، حيث قالوا بعدم جواز الكفالة بالنفس في الحدود الخالصة لله تعالى، كحد الخمر والزنا والسـرقة؛ لأنه يسعى في دفعها ما أمكن، وتجوز كفالة تسليم النفس في الحدود الخالصة للآدمي كقصاص وحد قذف وتعزير؛ لأنها حق لآدمي، فصحَّت الكفالة، كسائر حقوق الآدميين المالية[12].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - عند القدرة على القضاء يحرم تأخير الدين عن موعد سداده مطلقًا؛ لأن تأخير أداء الدين بعد حلوله من غير عذر نوع من أكل المال بالباطل -ولو آل الأمر إلى قضائه- إذ فيه حرمان الدائن من الانتفاع بماله [13].
2 - قال الشوكاني: (والحكمة في ترك النبي ﷺ الصلاة على من عليه دين تحريض الناس على قضاء الديون في حياتهم والتوصل إلى البراءة؛ لئلا تفوتهم صلاة النبي ﷺ) [14].
3 - وقال: (فيه دليل على أن خلوص الميت من ورطة الدين، وبراءة ذمته على الحقيقة، ورفع العذاب عنه؛ إنما يكون بالقضاء عنه، لا بمجرد التحمل بالدين بلفظ الضمانة، ولهذا سارع النبي ﷺ إلى سؤال أبي قتادة في اليوم التالي عن القضاء)[15].
4 - وفي الحديثين دليل على أن الميت لا يزال مشغولًا بدينه بعد موته، وإذا كان هذا في الدين المأخوذ برضا صاحبه، فكيف بما أخذ غصبًا ونهبًا وسلبًا؟![16].
5 - وفيها الحث للورثة على قضاء دين الميت، وأنه أهم الحقوق، وقد جاء الإخبار بأن نفسه معلقة بدينه حتى يقضى عنه، وهذا مقيد بمن له مال يقضى منه دينه، وأما من لا مال له ومات عازمًا على القضاء، فقد ورد في الأحاديث ما يدل على أن الله تعالى يقضي عنه.
6 - وفيها عظم خطر الدين وأنه من أهم الواجبات على الميت؛ فإن الشهادة في سبيل الله تكفر جميع الذنوب كبيرها وصغيرها إلا الدين، كما جاء في صحيح مسلم عن أبي قتادة أن رجلًا سأل النبي ﷺ فقال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله، أتكفر عني خطاياي؟ فقال: «نعم، إلا الدين، فإن جبريل قال لي ذلك».
7 - وفيها: أن النبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأشفق عليهم من أنفسهم، وكان من تمام رأفته بهم وشفقته عليهم: أنه يتحمل عن موتاهم ديونهم التي لا يوجد لها وفاء بعدهم، ويوفيها من بيت مال المسلمين[17].
1 - دلَّ على ما ذهب إليه الحنابلة من القول بوجوب قبول الحوالة: الأمر بها في الحديث، والأمر يقتضي الوجوب، ما لم يصرفه عن ذلك صارف. وقال الجمهور: بل هو مندوب فقط، قد وجد الصارف، فكيف نلزم الدائن الذي أدان كرامة وفضلًا بقبول متابعة شخص آخر غير المدين؟! ولا يحل مال امرئٍ مسلم إلا بطيب نفس منه إعطاء، فكذلك أخذًا. والحوالة إن كانت على وجه المعروف فهي كالكفالة والقرض، فتكون مثلها مندوبة. كما أن في إلزامه إبطال للعمل بالحديث الذي أخرجه الشيخان: «إن لصاحب الحق مقالًا».
2 - القياس الصحيح مقدم على الحديث الضعيف، ولهذا ذهبنا إلى ترجيح قول الشافعية في مسألة الكفالة في الحد.