حجم الخط:

محتوى الدرس (98)

Adobe Systemsباب الغصب

[أحكام الغصب]

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ٢٩ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء: 29، 30]، والغصب هو ما أُخذ بظلم وعدوان، وقد توعد الله فاعلَّه بالنار، وهو باطل وكذلك كل ما ترتب عليه.

[الأحاديث]

916- عن سعيد بن زيد رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنْ الأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ الله إِيَّاهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»، متّفق عليه.

917- وعن أنس رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْـمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ لَهَا بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَكَسَرَتِ القَصْعَةَ، فَضَمَّهَا، وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ. وَقَالَ: «كُلُوا» ثَّمَ أُتِي بِصَحْفَة مِنْ عِنْدَ التِّي هُوَ فِي بَيْتَهَا، وَدَفَعَ القَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ لِلرَّسُولِ، وَحَبَسَ الـمَكْسُورَةَ. رواه البخاريّ والتّرمذيّ، وسمّى الضّاربة عائشة رضي الله عنها، وزاد: فقال النّبيّ ﷺ: «طَعَامٌ بِطَعَامٍ، وَإِنَاءٌ بِإِنَاءٍ»، وصحَّحه.

918- وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ»، رواه أحمد، والأربعة إلا النسائي، وحسًّنه الترمذي، ويقال: إن البخاري ضعَّفه. [ضعَّفه الخطابي في معالم السنن (3/ 96)، والبيهقي في الكبير (12/ 181)].

919- وعن عروة بن الزّبير قال: قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله: إِنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فِي أَرْضٍ، غَرَسَ أَحَدُهُمَا فِيهَا نَخْلًا، وَالْأَرْضُ لِلْآخَرِ، فَقَضـى رَسُولُ الله ﷺ بِالْأَرْضِ لِصَاحِبِهَا، وَأَمَرَ صَاحِبَ النَّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ. وَقَالَ: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ»، رواه أبو داود، وإسناده حسن. [أعلَّه بالإرسال: الدارقطني في العلل (2/ 665)، وغيره]. وآخره عند أصحاب السّنن من رواية عروة عن سعيد بن زيد، واختلف في وصله وإرساله، وفي تعيين صحابيّه.

920- وعن أبي بكرة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا»، متّفق عليه.

سبب ورود الحديث:

جاء في البخاري عن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي قعد على بعيره، وأمسك إنسان بخطامه أو بزمامه، قال: «أي يوم هذا؟» فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس يوم النحر؟» فقلنا: بلى، قال: «فأي شهر هذا؟» فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: «أليس بذي الحجة؟» قلنا: بلى، قال: «فأي بلد هذا؟» فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس بمكة؟» قلنا: بلى، قال: «إن دماءكم...» فذكره.

ترجمة الراوي:

عروة بن الزبير: أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد القرشي المدني، أحد فقهاء المدينة السبعة، مولده سنة (23 هـ)، لازم خالته عائشة رضي الله عنها وتفقَّه بها، مات سنة (94).

التوضيح:

- طَوَّقَهُ الله إِيَّاهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ: يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين، فتكون كل أرض في تلك الحالة طوقًا عليه.

- ليس لعرق ظالم حق: روى بالإضافة: (لِعِرْقِ ظَالِمٍ)، وبالصفة: (لِعِرْقٍ ظَالمٍ)، والمعنى: أن من غرس أرض غيره أو زرعها بغير إذنه، فليس لزرعه وغرسه حق إبقاء، بل لمالك الأرض قلعه مجانًا.

الدلالات الفقهية:

1 - دلَّ حديث سعيد بن زيد على تحريم الظلم والغصب، وشدة عقوبته، وأنه من الكبائر.

2 - ودلَّ على أن من ملك أرضًا ملك أسفلها إلى تخوم الأرض بما فيه من حجارة، أو أبنية، أو معادن، وله منع من أراد أن يحفر سربًا أو نفقًا تحتها.

3 - ودل حديث أنس على أن من استهلك على غيره شيئًا؛ كان مضمونا بمثله[1].

4 - في حديث رافع بن خديج بيان لحكم غاصب الأرض إذا زرع الأرض، فإن كان قد حصد الزرع؛ فالزرع له، وعليه أجرة الأرض، وهذا قول الأئمة الأربعة.

وأما إن كان الزرع لم يحصد، فالجمهور أنه يجب القلع، وأما الحنابلة فقالوا: ما حصل من الزرع يكون لصاحب الأرض، لقوله عن الغاصب: «فليس له من الزرع شيء»، وللغاصب ما أنفقه على الزرع من المؤنة في الحرث والسقي وقيمة البذر، ونحو ذلك، لقوله: «وله نفقته»[2]، وقول الحنابلة أظهر دليلًا.

5 - حديث أنس لا علاقة له بباب الغصب حسب ما اصطلح على تعريفه الفقهاء، وإنما كان هذا من باب الإتلاف؛ لأنه ليس استيلاء؛ لذا فحقه أن يورد في باب ضمان المتلفات، ويحتمل أن تكون مناسبته لباب الغصب: أن عين المغصوب إذا تلف ضمن بمثلها، والله أعلم[3].

6 - ودلَّ حديث عروة بن الزبير على ما اتفق عليه الفقهاء من أنه يلزم الغاصب رد المغصوب إلى صاحبه كما أخذه، كما يلزم بإزالة ما أحدث فيه من بناء، أو زرع أو غرس[4].

7 - وفي حديث أبي بكرة دليل على ما سبق تقريره من أن الدماء والأموال مصونة في الشرع، وأن الأصل فيها الحظر، وأنه لا يحل دم المسلم، ولا ماله إلا بحق، وهذا مجمع عليه[5].

8 - وفي الحديث: أن ما كان داخل حدود الحرم، فحكمه حكم مكة في مضاعفة الثواب، وعظم العقاب، ومن حيث التعظيم والاحترام، فإن النبي ﷺ خطب في منى فقال: «أليست البلدة؟»[6].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - خطورة ظلم الناس وأخذ أموالهم بغير حق، وأنه لا تبرأ الذمة إلا بردّ العين أو العوض أو المسامحة، وإلا فبالحسنات والسيئات يوم القيامة؛ فإن الله يغفر للعبد ما بينه وبينه من الذنوب، لكن مظالم العباد حقوق لهم.

2 - بيان الغيرة الشديدة بين النساء ولو كن من ذوات الفضل العظيم والشـرف الكبير كزوجات النبي ﷺ، وشدة الغيرة من الزوجة دليل على المحبة الزائدة للزوج.

3 - وفي حدبث أنس حسن خلقه ﷺ من العفو، والصفح، والسماح، حيث لم يعاقب كاسرة القصعة اعتداءً، وهذا راجع إلى صفحه، وكرم خلقه، وإلى تقديره لحال النساء، وما جُبلن عليه.

4 - وفيه احترام نعم الله تعالى وإكرامها بأكلها ولو سقطت في الأرض مادام أنها لم تتلوث، وهذا خلاف ما عليه كثير من الناس من إلقاء نعم الله تعالى النظيفة الكثيرة في الأماكن القذرة، فذلك من كفران النعم.

5 - الحسنات تضاعف بحسب الزمان، كشهر رمضان، وعشر ذي الحجة، والأشهر الحرم. وبحسب المكان، كالمساجد الثلاثة، والمشاعر المقدسة، كما أن المعاصي والآثام يعظم جرمها، وإثمها حسب مكانها.

طريقة الاستدلال:

1 - القياس يكون بإلحاق حكم بآخر لعلة جامعة بينهما، وقد قال الجمهور بضمان الأرض المغصوبة قياسًا على ضمان المنقول -والحكم هنا هو الضمان- والعلة الجامعة بينهما: هي الاستيلاء، وثبوت اليد على المغصوب.

2 - قوله: «مَنْ اقْتَطَعَ شِبْرًا»: وكذا ما فوقه بالأولى، وما دونه داخل في التحريم إذا كان له قيمة، وإنما لم يذكر لأنه قد لا يقع إلا نادرًا، وقد وقع في بعض ألفاظه عند البخاري: «شيئًا» عوضًا عن شبر، فعمَّ[7].

3 - زاد الدارقطني في روايته لحديث أنس: (فصارت قضية)، أي من النبي ﷺ، أي حكمًا عاما لكل من وقع له مثل ذلك، فاندفع قول من قال: إنها قضية عين لا عموم فيها، ولو كانت كذلك؛ لكان قوله ﷺ: «طعام بطعام وإناء بإناء» كافيًا في الدليل، على أن ذكره للطعام واضح في التشريع العام؛ لأنه لا غرامة هنا للطعام، بل الغرامة للإناء، وأما الطعام، فهو هدية له ﷺ.

5 - ضابط: القاعدة في الضمان: أنه يجب ضمان المثل باتفاق العلماء إذا كان المال مثليًّا، وهو ما يوجد له في الأسواق مثيل لا يتفاوت عنه. فإذا تعذر رد المثل، فيجب رد القيمة بدلًا من المغصوب.

Adobe Systemsباب الشفعة

[أحكام الشفعة]

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ ... [النساء: 36]

في الآية الأمر بالإحسان للجار، قال القرطبي: (واحتجوا بهذا على إيجاب الشفعة للجار).

[الأحاديث]

921- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قـال: «قَضَى رَسُولُ الله ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْـحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ»، متّفق عليه، واللّفظ للبخاريّ. وفي رواية مسـلم: «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ: أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ -وفي لفظ: لا يحلُّ- أن يبيع حتّى يعرض على شريكه». وفي رواية للطّحاويّ: «قضى النّبيّ ﷺ بالشّفعة في كلّ شيء»، ورجاله ثقات. [لا يصح ولعله مُصَحَّف عن: «كل شرك»].

922- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ»، رواه النسائي وصحَّحه ابن حبان، وله علة. [أعلَّه البخاري فيما نقله الترمذي في العلل الكبير (ص214)، وأبو حاتم وأبو زرعة في العلل (1430)، وغيرهم].

923- وعن أبي رافع رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الـجارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ»، أخرجه البخاريّ، وفيه قصّة.

924- وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الـجارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا»، رواه أحمد والأربعة، ورجاله ثقات. [أنكره شعبة فيما نقله أبو داود في مسائل أحمد (1943)، وأحمد في العلل رواية عبد الله (2256)، وابن معين فيما نقله أبو زرعة في التاريخ (1169) وغيرهم].

925- وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النّبيّ ﷺ قال: «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ العِقَالِ»، رواه ابن ماجه والبزّار، وزاد: «وَلَا شُفْعَةَ لِغَائِبٍ»، وإسناده ضعيف. [قال أبو زرعة في العلل (1434): حديث منكر، وقال ابن حبان في المجروحين (2/222): لا أصل له، وقال البيهقي في الخلافيات - اختصار ابن فرح (3/ 434): ليس بثابت، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (4/ 1919): إسناده ضعيف جدًا].

التوضيح:

- الشفعة: من الشفع؛ وهو الزوج ضد الفرد، فإذا ضممت فردًا إلى فرد فقد شفعته، فالشفعة هي كون الشريك أولى بحصة شريكه ممن اشتراها منه، فيضمها هو إلى حصته بثمنها إذا رغب فيها.

- رَبْعٍ: هو المنزل الذي يربع فيه الإنسان ويتوطنه.

- أو حائط: أي بستان.

- أحق بصقبه: أي: أحق بما يقربه ويليه، والصقب: الجانب القريب.

الدلالات الفقهية:

1 - في الأحاديث دليل على ما أجمع عليه العلماء من القول بمشروعية الشفعة[8].

2 - دل حديث أنس، وحديث أبي رافع، على أن الشفعة تثبت للجار الملاصق، وهو ما ذهب إليه الحنفية لهذه الأحاديث[9]، وذهب جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة إلى القول بعدم الشفعة بسبب الجوار؛ لحديث جابر: «الشفعة في كل شرك في أرض أو ربع أو حائط»، قالوا: فالشفعة لا تثبت إلا للشريك غير المقاسم[10].

3 - ودل حديث جابر أيضًا على مشروعية شفعة الجار، إلا أنه قيده بقوله: «إذا كان طريقهما واحدًا»، وقد ذهب إلى اشتراط هذا بعض العلماء قائلًا: تثبت الشفعة للجار إذا كان بينهما حق مشترك، قال ابن القيم: (والصواب: القول الوسط الجامع بين الأدلة الذي لا يحتمل سواه: أنه إن كان بين الجارين حق مشترك من حقوق الأملاك من طريق أو ماء أو نحو ذلك ثبتت الشفعة، وإن لم يكن بينهما حق مشترك البتة، بل كان كل واحد منهما متميزًا ملكه وحقوق ملكه، فلا شفعة، والقياس الصحيح يقتضي هذا القول؛ فإن الاشتراك في حقوق الملك شقيق الاشتراك في الملك، والضرر الحاصل بالشركة فيها كالضرر الحاصل بالشركة في الملك أو أقرب إليه)[11].

4 - ودل حديث ابن عمر على أن التراخي في طلب الشفعة يبطلها، وقد قرر الجمهور أن طلب الشفعة بعد العلم بها يكون على الفور، وأجاز المالكية طلبها إلى سنة وما قاربها، وتسقط بعدها[12].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

قال ابن القيم: (من محاسن الشريعة وعدلها وقيامها بمصالح العباد ورودها بالشفعة، ولا يليق بها غير ذلك؛ فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين ما أمكن، فإن لم يمكن رفعه إلا بضرر أعظم منه بقّاه على حاله، وإن أمكن رفعه بالتزام ضرر دونه رفعه به.

ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب فإن الخلطاء يكثر فيهم بغي بعضهم على بعض: شرع الله سبحانه رفع هذا الضرر بالقسمة تارة وانفراد كل من الشريكين بنصيبه، وبالشفعة تارة وانفراد أحد الشريكين بالجملة إذا لم يكن على الآخر ضرر في ذلك، فإن أراد بيع نصيبه وأخذ عوضه كان شريكه أحق به من الأجنبي وهو يصل إلى غرضه من العوض من أيهما كان، فكان الشـريك أحق بدفع العوض من الأجنبي، ويزول عنه ضرر الشركة، ولا يتضـرر البائع؛ لأنه يصل إلى حقه من الثمن، وكان هذا من أعظم العدل، وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفِطَر ومصالح العباد)[13].

طريقة الاستدلال:

1 - الأصل في الكلام الحقيقة، ولا يحمل على المجاز إلا بدليل سالم من المعارضة، فقول الجمهور بأن المراد بالجار في الأحاديث: الشـريك إنما كان لوجود القرينة؛ وهي قضاؤه ﷺ في الحديث: «بالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْـحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» كما في حديث جابر المتفق عليه.

2 - قوله: «إذا كان طريقهما واحدًا»، يدل بدلالة الالتزام على ثبوت الشفعة للجار إذا كان بينهما شيء مشترك من حقوق الملك كماء أو طريق.

باب القِراض

[أحكام المضاربة]

[الأحاديث]

926- عن صهيب رضي الله عنه أنّ النّبيّ ﷺ قال: «ثَلَاثٌ فِيهِنَّ البَرَكَةُ: البَيْعُ إِلَى أَجَلٍ، وَالْـمُقَارَضَةُ، وَخَلْطُ البُرِّ بِالشَّعِيرِ لِلْبَيْتِ، لَا لِلْبَيْعِ»، رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف. [ضعَّفه العقيلي في الضعفاء (4/231)، وغيره].

927- وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِطُ عَلَى الرَّجُلِ إِذَا أَعْطَاهُ مَالًا مُقَارَضَةً يَضْرِبُ لَه بِهِ: أَنْ لَا تَجْعَلَ مَالِي فِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ، وَلَا تَحْمِلَهُ فِي بَحْرٍ، وَلَا تَنْزِلَ بِهِ فِي بَطْنِ مَسِيلٍ، فَإِنْ فَعَلْتَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدَ ضَمِنْتَ مَالِي. رواه الدّارقطنيّ، ورجاله ثقات. [قوَّاه ابن حجر في التلخيص الحبير (4/ 1928)، وصحَّحه الألباني في إرواء الغليل (1472)].

928- وقال مالك في الموطّأ: عن العلاء بن عبد الرّحمن بن يعقوب، عن أبيه عن جدّه: «أنَّ عُثْمَانَ أَعْطَاهُ مَالًا قَرَاضًا عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا»، وهو موقوف صحيح.

ترجمة الراوي:

صهيب: هو أبو يحي صهيب بن سنان بن مالك، من السابقين الأولين، افتدى نفسه ودينه من المشركين بماله، كان يطعم الطعام الكثير، وكان مع فضله وورعه حسن الخلق مداعبًا، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ [البقرة:207]، توفي سنة (38).

التوضيح:

- القراض: هو معاملة العامل بنصيب من الربح، وهذه تسميته في لغة أهل الحجاز، وتسمى مضاربة، وهي مأخوذة من الضرب في المال، أي التصرف فيه.

الدلالات الفقهية:

1 - جاء في حديث صهيب بيان بركة القراض، وإنما كانت البركة في تلك الثلاث لما في البيع إلى أجل من المسامحة والمساهلة والإعانة للغريم بالتأجيل، وفي المقارضة لما في ذلك من انتفاع الناس بعضهم ببعض، وخلط البر بالشعير قوتًا لا للبيع لأنه قد يكون فيه غرر وغش[14].

2 - ودلَّ أثر حكيم على أنه يجوز لمالك المال أن يحجر العامل عمَّا شاء، فإن خالف ضمن إذا تلف المال، وإن سلم المال فالمضاربة باقية، وهذا فيما إذا كان الاشتراط يرجع إلى الحفظ.

وأما إذا كان الاشتراط لا يرجع إلى الحفظ، بل كان يرجع إلى التجارة، وذلك بأن ينهاه أن يشتري نوعًا معينًا، أو يبيع من فلان، فإنه يصير فضوليًّا إذا خالف، فإن أجاز المالك نفذ البيع، وإن لم يجز لم ينفذ[15].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

حكمة مشروعية المضاربة: تمكين الناس من تنمية الأموال وتحقيق التعاون بينهم، وضم الخبرات والمهارات إلى رؤوس الأموال لتحقيق أطيب الثمرات.

فالمضاربة مشروعة لحاجة الناس إليها؛ لأن الناس بين غني وفقير، والإنسان قد يكون له مال، ولكنه لا يهتدي إلى أوجه التصرف والتجارة به، وهناك من لا مال له، لكنه مهتد في التصرفات، فكان في تشريع هذا العقد تحقيق للحاجتين، والله تعالى ما شرع العقود إلا لمصالح العباد وإشباع حوائجهم.

طريقة الاستدلال:

1 - إذا ورد الشيء في مقام المدح دل ذلك على الجواز في أدنى الأحوال، والمقارضة مما جاء في ذاك السياق لولا أن الحديث ضعيف.

2 - تواطؤ الصحابة رضي الله عنهم على العمل بالشيء من غير نكير بينهم دليل على جوازه، قال شيخ الإسلام: (قد ينص النبي ﷺ نصًّا يوجب قاعدة، ويخفى النصُّ على بعض العلماء حتى يوافقوا غيرهم على بعض أحكام تلك القاعدة، وينازعوا فيما لم يبلغهم فيه النصُّ، مثل اتفاقهم على المضاربة، ومنازعتهم في المساقاة والمزارعة وهما ثابتان بالنصِّ، والمضاربة ليس فيها نصٌّ وإنما فيها عمل الصحابة رضي الله عنه)[16].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة