حجم الخط:

محتوى الدرس (101)

باب الوقف

[أحكام الوقف]

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس: 12]، في الآية دلالة على مشروعية الوقف؛ لأنه من آثار الإنسان. ومن صور الوقف رباط الخيل؛ قال الله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ [الأنفال: 60].

[الأحاديث]

947- عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالَحٍ يَدْعُو لَهُ»، رواه مسلم.

948- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْه. قَالَ: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا». قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُورَثُ، وَلَا يُوهَبُ، فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ، وَفِي القُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ الله، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْـمَعْرُوفِ، وَيُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالًا، متّفق عليه.

وفي رواية للبخاريّ: «تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ ولا يُورَثُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ».

949- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ..» الحديث، وفيه: «فَأَمَّا خَالِدٌ فَقَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ الله»، متّفق عليه.

سبب ورود حديث أبي هريرة الثاني:

أن رسول الله ﷺ أمر بالصدقة، فقيل منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، وعباس بن عبد المطلب فقال النبي : «ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا، فأغناه الله ورسوله، وأما خالد: فإنكم تظلمون خالدًا، قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله، وأما العباس بن عبد المطلب، فعم رسول الله فهي عليه صدقة ومثلها معها». متفق عليه.

التوضيح:

- خَالِدٌ: هو خالد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي، شهد مع قريش الحروب إلى عمرة الحديبية ثم أسلم سنة سبع بعد خيبر، وشهد غزوة مؤتة، وفتح مكة، ولقبه النبي ﷺ بسيف الله المسلول، قاتل مع أبي بكر الصديق في حروب الردة، وحرب فارس والروم، وعزله عمر بن الخطاب عن الشام، ومات بحمص.

- أدراعه: جمع درع، وهو لبوس من حديد يصد السيف والرمح والسهم، فلا ينفذ منه.

- أعتاده: العتاد: ما يعده الرجل من الدواب والسلاح وآلة الجهاد.

الدلالات الفقهية:

1 - أكثر أهل العلم من السلف ومن بعدهم على القول بصحة الوقف، قال جابر: «لم يكن أحد من أصحاب النبي ﷺ ذو مقدرة إلا وقف». ولم ير شريح الوقف[1].

2 - مناسبة ذكر حديث «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ...»: يذكر العلماء هذا الحديث في باب الوقف؛ لأن الوقف من الصدقة الجارية، وأشار الشافعي إلى أنه من خصائص الإسلام، ولا يعلم في الجاهلية[2].

3 - والحديث دليل على أنه ينقطع أجر كل عمل بعد الموت إلا هذه الثلاثة؛ فإنه يجري أجرها بعد الموت، ويتجدد ثوابها؛ لأن ذلك من كسبه.

4 - وفيه فضيلة الزواج لرجاء ولد صالح، وفيه دليل على أن دعاء الولد لأبويه بعد الموت يلحقهما، وكذلك غير الدعاء من الصدقة، وقضاء الدين، وغيرهما، ولفظ الولد شامل للأنثى والذكر، وشرط صلاحه ليكون الدعاء مجابًا.

5 - أفاد حديث عمر أن الوقف لا يباع ولا يوهب، وهذا شأن الوقف، وهو يدفع قول أبي حنيفة بجواز بيع الوقوف، قال أبو يوسف: (إنه لو بلغ أبا حنيفة هذا الحديث لقال به، ورجع عن بيع الوقف).

6 - وقوله: (أن يأكل منها من وليها بالمعروف): قال القرطبي: (جرت العادة أن العامل يأكل من ثمرة الوقف، حتى لو اشترط الواقف ألا يأكل منه لاستقبح ذلك منه، والمراد بالمعروف: القدر الذي جرت به العادة. وفيه دليل على المسامحة في بعض الشروط، حيث علَّق الأكل على المعروف، وهو غير منضبط).

7 - وقوله: (غير متمول): أي غير متخذ منها مالًا يملكه، والمراد: لا يتملك شيئًا من رقابها، ولا يأخذ من غلتها ما يشتري بدله ملكًا، بل ليس له إلا ما ينفقه[3].

8 - وفي الحديث دليل على جواز الشروط في الوقف ووجوب اتباعها، فالشرع أثبت للواقف حق الاشتراط المعتبر في وقفه، ولهذا قرر الفقهاء: أن شرط الواقف كنص الشارع.

9 - وفيه دليل على أنه يصح وقف العروض، وقال أبو حنيفة: (لا يصح؛ لأن العروض تبدل وتغير، والوقف موضوع على التأبيد)، والحديث حجة عليه.

10 - يشترط في العين الموقوفة: أن تكون العين ينتفع بها دائمًا مع بقائها، قال ابن هبيرة: (اتفقوا على أن كل ما لا يمكن الانتفاع به إلا بإتلاف -كالذهب والفضة والمأكول- أنه لا يصح وقفه)[4].

11 - ذهب جمع من أهل العلم إلى صحة وقف النقود، واختلفوا في كيفية وقفها، فقيل: وقفها بإقراضها، وينزَّل رد بدل القرض منزلة بقاء العين، وقيل: وقفها بإقراضها، وكذا بأن تدفع مضاربة إلى من يعمل بها، ثم يتصدق بالربح في الوجه الذي وقفت عليه، وقيل: وقفها يكون للتحلي، والوزن، دون الإنفاق.

12 - ودل على صحة وقف الحيوان؛ لأن الأعتاد قد فُسِّرت بالخيل[5].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - فضيلة الصدقة الجارية، وتعليم العلم النافع، وتنشئة الأولاد على الصلاح والخير؛ لذا ينبغي للمسلم أن يسعى لأن يكون له شيء يبقى بعد موته، كهذه الثلاث المذكورة في الحديث؛ فإن الموفق من يموت ولا تموت معه حسناته، بل تبقى جارية عليه بعد موته.

2 - فضيلة أصحاب النبي ﷺ ومنهم عمر وخالد رضي الله عنهما، حيث اختار عمر أنفَس ماله وأحبه إلى نفسه ليجعله في سبيل الله ليبلغ درجة البر، وأما خالد فإنه بعد مسيرة جهاد حافلة بالانتصارات والفتوحات لم يكن يسعى لجمع ثروة أو شهرة أو رُتَب أو نياشين من وراء ذلك، بل احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله.

3 - الوقف من أفضل الصدقات التي حثَّ الله عليها، ووعد عليها بالثواب الجزيل؛ لأنه صدقة ثابتة دائمة في وجوه البر والخير؛ ففيه إحسان إلى الموقوف عليهم: إما لحاجتهم؛ كالفقراء والأيتام والأرامل، أو للحاجة إليهم؛ كالمجاهدين والمعلمين والمتعلمين ونحوهم، وفيه إحسان للواقف؛ حيث يجري عليه ثوابُ وقفه بعد انقطاع أعماله ورحيله عن هذه الدار.

4 - وينبغي للواقف أن يستشير من يثق بدينه وعلمه وخبرته واطلاعه، وأن يتحرى في وقفه ما هو أقرب إلى رضا الله تعالى، ونفع عباده[6].

5 - والمقصود من الوقف التقرب إلى الله تعالى، ونفع البلاد والعباد، كالمساجد، وكتب العلم، وإنشاء المستشفيات في البلاد المحتاجة، وتسبيل مياه الشـرب بحفر الآبار، ووضع البرَّادات، وتسبيل أجهزة تبريد الهواء، وبناء دور الرعاية، وجمعيات تحفيظ القرآن، وغير ذلك من جهات البر، ويدخل في ذلك الوقف على القرابة، كولده وأقاربه، ونحو ذلك[7].

طريقة الاستدلال:

1 - لا يشرع لمن بلغه الدليل أو كان يستطيع البحث عنه أن يقلد أي عالم من العلماء -كائنا من كان- ويترك الدليل. ومن ذلك هنا: قول أبي حنيفة بإجازة بيع الوقف، ورجوع الواقف فيه، وهذا القول مخالف لنص الحديث، ولهذا قال صاحبه أبو يوسف: لو بلغ أبا حنيفة حديث عمر لقال به ورجع عن بيع الوقف. وقال أبو يوسف ذلك اتباعًا للدليل، ولم يُعْمِه التقليد والتعصب.

2 - قاعدة: (شرط الواقف كنص الشارع): فشروط الواقف التي لا تخالف مقاصد الشـريعة الإسلامية تعدّ لازمة وقطعية، والواقف هو الذي يحدّد نوع الوقف وغرضه[8].

وهذا التشبيه بنص الشارع إنما هو من ناحيتين:

أ - أنه يتبع في فهم شرط الواقف وتفسيره القواعد الأصولية التي يجب تحكيمها في تفسير نص الشارع.

ب - أنه يجب احترامه وتنفيذه كوجوب العمل بنص الشارع؛ لأنه صادر عن إرادة محترمة، نظير الوصية. وهذا ليس على إطلاقه؛ فإن شروط الواقفين ثلاثة أنواع: نوع باطل لا يعمل به، ونوع صحيح محترم ولكن تجوز مخالفته عند الاقتضاء، ونوع محترم مطلقًا لا تجوز مخالفته بحال؛ وهذا هو الذي تطبق عليه هذه القاعدة [9].

Adobe Systemsباب الهبة والعمرى والرقبى

أحكام الهبة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ [النحل: 90].

في الآية أمر من الله بالعدل وهو يشمل العدل بين الأولاد في العطية، كما أن الهبة تدخل في الإحسان والله أعلم.

[الأحاديث]

950- عن النّعمان بن بشير رضي الله عنهما أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟». فَقَالَ: لَا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «فَارْجِعْهُ». وَفِي لَفْظٍ: فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي. فَقَالَ: «أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «اتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» فَرَجَعَ أَبِي، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ. متّفق عليه.

وفي رواية لمسلم قال: أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ثُمَّ قَالَ: «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي البِرِّ سَوَاءً؟» قَالَ: بَلَى. قَالَ: «فَلَا إِذًا».

951- وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال النّبيّ ﷺ: «العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»، متّفق عليه. وفي رواية للبخاريّ: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ؛ الذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ».

952- وعن ابن عمر، وابن عبّاس رضي الله عنهم عن النّبيّ ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُعْطِيَ العَطِيَّةَ، ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا؛ إِلَّا الوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ»، رواه أحمد والأربعة، وصحَّحه التّرمذيّ وابن حبان والحاكم.

953- وعن عمر رضي الله عنه قال: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ الله، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَألتُ رَسُولَ الله ﷺ عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: «لَا تَشْتَرِهْ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ»، الحديث؛ متّفق عليه.

التوضيح:

- نحلته: أي وهبته.

- الهبة: العطية الخالية عن الأعواض والأغراض. وفي الاصطلاح: تمليك في الحياة بغير عوض[10].

- حملت على فرس في سبيل الله: معناه: تصدقت به، ووهبته لمن يقاتل عليه في سبيل الله.

- فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ: أي قصّر في مؤنته، وحسن القيام به.

الدلالات الفقهية:

1 - الهبة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء: 4]. ومن السنة: الأحاديث التي ذكرها المصنف. والإجماع كذلك منعقد على أن الهبة تصح[11].

2 - الهبة بالنسبة للواهب مستحبة، وأما بالنسبة للموهوب له، فالسُّنة أن يقبل الهبة ولا يردها، إلا إذا اقترن بها محذور شرعي، كما لو جاءت على هيئة رشوة لقاضٍ أو موظف أو معلم، ونحو ذلك، فإنه يحرم دفعها وقبولها، ويجب ردها[12].

3 - في حديث النعمان بن بشير دليل وجوب العدل بين الأولاد في الهبة والعطية، وظاهره يقتضي التسوية بين الذكور والإناث، وهو قول الجمهور [13]. ويرى الإمام أحمد أنه يعطى للذكر مثل حظ الأنثيين، قال ابن القيم: (عطية الأولاد المشروع أن تكون على قدر مواريثهم) [14].

4 - وإذا انفرد أحد الأولاد بالعمل في تجارة أبيه أو زراعته أو صناعته فلا بأس بإعطائه من أجل عمله، إذا كان الابن قد نوى الرجوع على أبيه ولم ينوِ التبرع؛ لأن هذا ليس من باب التخصيص، وإنما هو من باب الإجارة مقابل عمله، وليس في هذا ظلم لبقية الأولاد، لأنهم لم يقوموا بمثل ما قام به مما كان له أثر في تجارة والدهم.

والأحوط في مثل هذه الحال: أن يشترط الابن سهمًا في تجارة أبيه مقابل عمله؛ ليكون هذا من باب الإجارة، ولئلا يرى البقية أنه من باب الهبة، ومن ثُمَّ فلا يترتَّب عليه شيء من المفاسد[15].

5 - وفي حديث ابن عباس دليل ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة والصدقة، وهذا مذهب الجمهور[16].

6 - دلَّ حديث ابن عمر على أن الأب يُستثنى من تحريم الرجوع في الهبة؛ لأن هذا الرجوع لا دناءة فيه؛ وذلك أن مال الابن والأب واحد، فكأنه نقل ماله من مكان إلى مكان آخر[17].

7 - قوله: «لا تشتره» نهي تنزيه لا تحريم، فيكره لمن تصدَّق بشـيء، أو أخرجه في زكاة أو كفارة أو نذر ونحو ذلك من القربات أن يشتريه ممن دفعه هو إليه أو يتهبه أو يتملكه باختياره منه، فأما إذا ورثه منه فلا كراهة فيه، وكذا لو انتقل إلى ثالث ثم اشتراه منه المتصدق فلا كراهة، قال النووي: (هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال جماعة من العلماء: النهي عن شراء صدقته للتحريم)[18].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - استحباب الهبة لما فيها من المصالح العظيمة؛ فهي نوع من أنواع الإحسان والصلة.

2 - أهمية العدل بين الأولاد وحرص النبي ﷺ على هذا المعنى الشـرعي والتربوي الرائع. والحكمة فيه: أن التفضيل يؤدي إلى الإيحاش والتباغض، وعدم البر من الولد لوالده.

3 - انفراد أحد الأولاد بالبر والعطف على والديه لا يعد سببًا لتخصيصه بالعطية من أجل بره؛ لأن المتميز بالبر لا يجوز أن يعطى عوضًا عن بِرِّه؛ لأن أجره على الله، ولأن تمييز البارّ بالعطية قد يؤدي إلى أن يُعجب ببره ويرى أن له فضلًا، وقد يَنْفِرُ الآخر ويستمر في عقوقه.

4 - قوله: «ليس لنا مثل السوء»: أي: لا ينبغي لنا معشـر المؤمنين أن نتصف بصفة ذميمة يشابهنا فيها أخس الحيوانات في أخس أحوالها، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النحل: 60]، ولعل هذا أبلغ في الزجر عن ذلك، وأدل على التحريم مما لو قال مثلًا: (لا تعودوا في الهبة)[19].

طريقة الاستدلال:

1 - من القواعد الفقهية المقررة: (أن ما حَرُمَ على الآخذ أخذه، حَرُمَ على المعطي إعطاؤه)[20]، فالهبة إذا اقترن بها محذور شرعي، كما لو جاءت على هيئة رشوة لقاضٍ أو موظف أو معلم، ونحو ذلك، فإنه يحرم دفعها وقبولها، ويجب ردها، ومن ذلك هبة بعض الأولاد دون بعض، فكما يحرم إعطاؤها، يحرم كذلك أخذها، ويجب ردها[21].

2 - عموم قوله: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَينَ أَولادِكُمْ» يقضي بأن الأم كالأب في ذلك، وأنه يجب عليها التسوية بين أولادها في العطية، كما يدل عليه أيضًا أنه تتحقق فيها العلة؛ حيث إن تخصيص الأم بعض ولدها يورث الحسد والعداوة كالأب.

3 - القول بجواز الرجوع عن الهبة قول مصادم للسُّنة، فهو فاسد؛ وحمل الحديث على الكراهية مردود من وجهين:

الأول: أنه تأويل مستبعد يردُّه سياق حديث ابن عباس.

الثانِي: أنَّ عُرْفَ الشارع في مثل هذا الأسلوب إرادة المبالغة والزجر الشديد[22].

4 - الذم الشديد في حديث ابن عباس عام يشمل رجوع الأب وغيره، إلا أنه جاء النص بتخصيص الأب، ومن القواعد العامة أن العام يحمل على الخاص.

الثواب على الهبة أو الهدية:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ [الروم: 39].

قال ابن كثير: (أي: من أعطى عطية يريد أن يرد الناس عليه أكثر مما أهدى لهم، فهذا لا ثواب له عند الله -بهذا فسره ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وعكرمة، ومحمد بن كعب، والشعبي- وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه إلا أنه قد نُهي عنه رسول الله خاصة، قاله الضحاك، واستدل بقوله: ﴿ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر: 6] أي: لا تعط العطاء تريد أكثر منه).

[الأحاديث]

954- وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: وَهَبَ رَجُلٌ لِرَسُولِ الله ﷺ نَاقَةً، فَأَثَابَهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «رَضِيتَ؟» قَالَ: لَا. فَزَادَهُ، فَقَالَ: «رَضِيتَ؟» قَالَ: لَا. فَزَادَهُ. قَالَ: «رَضِيتَ؟» قَالَ: نَعَمْ. فقال رسول الله ﷺ: «لقد هممت ألا أتَّهب هبة إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي»، رواه أحمد، وصحَّحه ابن حبّان. [أعلَّه بالإرسال: الدارقطني في العلل (5/ 286)، وغيره].

955- وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النّبيّ ﷺ قال: «مَنْ وَهَبَ هِبَةً، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا»، رواه الحاكم وصحَّحه، والمحفوظ من رواية ابن عمر عن عمر قوله. [صرَّح بأن الصواب الوقف: البيهقي في الخلافيات - اختصار ابن فرح (3/ 459)، والدارقطني في العلل (1/ 117)].

956- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا»، رواه البخاريّ.

التوضيح:

- إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي: نسبة إلى قريش والأنصار وثقيف، والمراد: إلا من قوم في طبائعهم الكرم.

- ويثيب عليها: أي يعطي الذي يهدي له بدلها، والمراد بالثواب المجازاة، وأقله ما يساوي قيمة الهدية.

الدلالات الفقهية:

1 - المقصود بالثواب في الهبة: العوض المالي، والأصل في الهبة ألا يكون فيها عوض مادي؛ لأنها تبرع وليست معاوضة، إلا أنه يجوز التعويض فيها وتسمى هبة الثواب.

2 - العوض في الهبة إن اشترط في العقد صح العقد عند الأئمة الأربعة، وإذا صح العقد اعتبر بيعًا أو كالبيع في الجملة. ويكون له أحكام البيع، فيثبت فيه حق الخيار، وحق الرد بالعيب، وحق الشفعة، ويسقط حق الرجوع.

3 - وإن وهب مطلقًا دون تقييد بثواب أو عدمه، فهي لا تقتضي ثوابًا، وعوضًا، وهذا قول الجمهور[23].

4 - استدل بعض المالكية بحديث عائشة على وجوب الثواب على الهدية إذا أطلق الواهب، وكان ممن يطلب مثله الثواب، كالفقير للغني، بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى، ووجه الدلالة منه مواظبته ﷺ على إثابة من يهديه، والجمهور على عدم الوجوب إذا لم يشترط الثواب المعلوم عند العقد [24].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - قال التوربشتي: (كره النبي ﷺ قبول الهدية ممن كان الباعث له عليها طلب الاستكثار، وإنما خصَّ المذكورين فيه بهذه الفضيلة لما عرف فيهم من سخاوة النفس، وعلو الهمة، وقطع النظر عن الأعواض)[25].

2 - قال الشوكاني: (لما كانت المهاداة مبنية على المكارمة واستجلاب المودة، كان من تمام ذلك أن تقع المكافأة عليها كما كان يفعل النبي ﷺ حيث كان يقبل الهدية ويثيب عليها)[26].

طريقة الاستدلال:

قوله: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا»: في صيغة (كان) مع الفعل المضارع دلالة أن عادته ﷺ كانت جارية بقبول الهدية والمكافأة عليها، وفي رواية لابن أبي شيبة: «ويثيب عليها ما هو خير منها»، وقد استدل به على وجوب الإثابة على الهدية؛ إذ كونه عادة له ﷺ مستمرة يقتضي لزومه.

ولا يتم به الاستدلال على الوجوب؛ لأنه قد يقال: إنما فعله ﷺ مستمرًا؛ لما جبل عليه من مكارم الأخلاق، لا لوجوبه[27].

فضل الهدية:

[تمهيد]

قال الله تعالى في قصة نبي الله سليمان u مع ملكة سبأ حكاية عن قولها ورده عليها: ﴿ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ٣٥ فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ ۚ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ [النمل:35- 36].

قال قتادة: (رحمها الله ورضي عنها، ما كان أعقلها في إسلامها وفي شركها! علمتْ أن الهدية تقع موقعًا من الناس). اهـ

وإنما رد نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام هذه الهدية لأنها خرجت هنا مخرج الرشوة حينما أرادت الملكة أن تكون الهدية مقابل سكوته عن دعوته لها ولقومها بالإسلام.

[الأحاديث]

957- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ ﷺ قال: «تَهَادُوْا تَحَابُّوا»، رواه البخـاريّ في الأدب المفرد، وأبو يعلى بإسناد حسن. [أعلَّه ابن عدي في الكامل (6/ 319)].

958- وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «تَهَادَوْا، فَإِنَّ الهَدِيَّةَ تَسُلُّ السَّخِيمَةَ»، رواه البزّار بإسناد ضعيف.

959- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يَا نِسَاءَ الْـمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ»، متّفق عليه.

التوضيح:

- السخيمة: الحقد.

- فرسن شاة: الفرسن هو الظلف.

الدلالات الفقهية:

1 - الأحاديث الثلاثة تفيد الحث على التهادي واستحبابه.

2 - حديث أبي هريرة الثاني دل على النهي عن احتقار عطايا المسلمين بعضهم لبعض مهما صغرت الهدية.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - الهدية تورث المحبة والود، وحديث أنس يبين أنها كذلك تزيل الضغينة والحسد، والأحاديث وإن لم تخل عن مقال، إلا أن للهدية في القلوب موقعًا لا يخفى[28].

2 - قال الحافظ ابن حجر عن حديث أبي هريرة: (وفي الحديث الحض على التهادي ولو باليسير؛ لأن الكثير قد لا يتيسـر كل وقت، وإذا تواصل اليسير صار كثيرًا، وفيه استحباب المودة وإسقاط التكليف)[29].

طريقة الاستدلال:

تعليل الأمر بالتهادي بكونه يورث المحبة بين المتهادين يفيد أن الأمر هنا للندب، وقد سبق بيان أن الإجماع منعقد على مشروعية الهبة.

حكم العمرى والرقبى:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 35].

قال القرطبي: (في قوله تعالى: ﴿ اسْكُنْ تنبيه على الخروج، لأن السكنى لا تكون ملكًا، ولهذا قال بعض العارفين: السكنى تكون إلى مدة ثم تنقطع، فدخولهما في الجنة كان دخول سكنى لا دخول إقامة. قلت: وإذا كان هذا فيكون فيه دلالة على ما يقوله الجمهور من العلماء: إن من أسكن رجلا مسكنًا له إنه لا يملكه بالسكنى، وأن له أن يخرجه إذا انقضت مدة الإسكان). اهـ

وقال الله تعالى: ﴿ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود: 61].

قال القرطبي: (أي جعلكم عُمَّارها وسكانها. قال مجاهد: ومعنى «استعمركم» أعمركم من قوله: أعمر فلان فلانًا داره، فهي له عمرى...ويكون فيها دليل على الإسكان والعمرى).

[الأحاديث]

960- عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «العُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ»، متّفق عليه. ولمسلم: «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًا وَمَيِّتًا، وَلِعَقِبِهِ»، وفي لفظ: «إِنَّمَا العُمْرَى التِي أَجَازَ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا».

ولأبي داود والنّسائيّ: «لَا تُرْقِبُوا، وَلَا تُعْمِرُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا أَوْ أُعْمِرَ شَيْئًا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ».

التوضيح:

- العُمرى: لفظ مشتق من العمر، وهي تمليك المنافع أو إباحتها مدة العمر، وسُمِّيت بذلك لأنهم كانوا في الجاهلية يعطي الرجلُ الرجلَ الدارَ أو غيرها ويقول: أعمرتك إياها أي: أبحتها لك مدة عمرك، وحياتك.

- الرقبى: كانوا يرقبون موت الموهوب له ليرجعوا في هبتهم، وهذا معنى تسميتها: الرُّقبى، وقيل: إن الرقبى هو أن يهبه شيئًا ويقول: هي لك حياتك، على أنك إن مت قبلي عادت إلي، وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك، فكأنه يقول: هي لآخرنا موتًا. وبذلك سميت رقبي؛ لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه.

الدلالات الفقهية:

1 - جاءت الشريعة بتقرير ما كانت عليه العمرى قبل الإسلام، ففي الحديث دلالة على شرعيتها، وأنها ملك لمن وهبت له، وإليه ذهب العلماء كافة إلا رواية عن داود الظاهري[30].

2 - العُمْرى نوع من الهبة، إلا أنها مؤقتة.

3 - للعمرى ثلاثة أحوال:

أحدها: أن يقول: «هي لك ولعقبك»، فهذا صريح في أنها للموهوب له ولعقبه، وهي هبة محققة، يأخذها الورثة بعد موته.

ثانيها: أن يقول: «هي لك ما عشت، فإذا مت رجعت إلي» فهذه عارية مؤقتة، وهي صحيحة، لما جاء في رواية مسلم: «فَأَمَّا إذَا قَال: هِيَ لَكَ مَا عِشتَ، فَإِنَّهَا تَرجِعُ إلَى صَاحِبِهَا»، فإذا مات رجعت إلى الذي أعطى، وبه قال أكثر العلماء ورجَّحه جماعة من الشافعية، وهي رواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام.

ثالثها: أن يقول: «أعمرتكها» ويطلق، فحكمها حكم الأول، ولا ترجع إلى الواهب، وهو قول الجمهور والشافعي في الجديد، وقال في القديم: العقد باطل من أصله[31].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - النهي عن الرقبى والعمرى جاء إرشادًا لهم إلى حفظ أموالهم؛ ولبيان أنّ من أعمر شيئًا بإطلاق فهي ملك للموهوب له ولذريته من بعده لا يحق للواهب أن يرجع فيها.

2 - حرص الإسلام على حفظ أموال الناس وتدبيرها بما يصلحهم.

طريقة الاستدلال:

قوله: «لَا تُرْقِبُوا، وَلَا تُعْمِرُوا»: محمول على الكراهة والإرشاد لهم إلى حفظ أموالهم، بدليل تصحيح العقد، وذكر ضوابطه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة