حجم الخط:

محتوى الدرس (102)

باب اAdobe Systemsللقطة

[أحكام اللقطة]

[الأحاديث]

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [النساء: 29]، وقال الله تعالى: ﴿ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [المائدة: 88] من مجموع الآيتين يتضح أن اللُّقطة إما أن يَعْرفها مالكها فتعود إليه، ولا يجوز لغيره أخذها؛ لأنها من أكل أموال الناس بالباطل، وإما ألا نَعرف لها مالكًا بعد التعريف بها فتكون رزقًا حلالًا لمن وجدها، مال الله يؤتيه من يشاء إلا لقطة الحاج فلا تحل.

[الأحاديث]

961- عن زيد بن خالد الجهنيّ رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَألهُ عَنِ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُكَ بِهَا»، فَقَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: «هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ». قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا؟! مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الـمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا»، متّفق عليه.

962- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا»، رواه مسلم.

963- وعن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ، وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ لَا يَكْتُمْ، وَلَا يُغَيِّبْ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ»، رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي، وصحَّحه ابن خزيمة وابن الجارود وابن حبّان.

964- وعن أنس رضي الله عنه قال: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ: «لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا»، متّفق عليه.

965- وعن عبد الرّحمن بن عثمان التّيميّ رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْـحَاجِّ»، رواه مسلم.

966- وعن المقدام بن معديكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا لَا يَحِلُّ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلَا الحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَلَا اللُّقَطَةُ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ، إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا»، رواه أبو داود.

ترجمة الرواة:

1 - زيد بن خالد الجهني، صحابي مشهور، نزل الكوفة بعد المدينة، توفي سنة (78)، وله (85) سنة.

2 - عياض بن حمار المجاشعي التميمي، له صحبة، ونزل البصرة، كان صديقًا لرسول الله ﷺ قديمًا، عاش إلى حدود الخمسين.

3 - عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله القرشي، كان من مسلمة الفتح، وكان يؤدب أهل بيته على التحديث عن رسول الله ﷺ، وقتل مع ابن الزبير رضي الله عنه في مكة سنة (73).

4 - المقدام بن معديكرب بن عمرو الكندي، صاحب رسول الله ﷺ، نزل الشام، وسكن حمص، ومات بالشام سنة (87) وهو ابن (91) سنة.

التوضيح:

- عفاصها: العِفاص هو الوعاء الذي تكون فيه النفقة، جلدًا كان أو غيره.

- وكاءها: الوكاء: الخيط الذي يشد به رأس الكيس ونحوه.

- معها سقاؤها: أي: أنها تقوى على ورود المياه.

- حذاؤها: أخفافها، أي أنها تقوى بها على السير، وقطع المفاوز.

- آوَى ضَالَّةً: اسم الضالة لا يقع إلا على الحيوان، يقال: ضل الإنسان والبعير وغيرهما من الحيوان، وهي الضوال، وأما الأمتعة وما سوى الحيوان، فيقال لها: لقطة ولا يقال: ضالة.

- فهو ضال: المراد بالضال: المفارق للصواب.

الدلالات الفقهية:

1 - دلَّ حديث زيد بن خالد على أن الحيوان الممتنع بنفسه من صغار السِّباع -كالذئب والثعلب وولد الأسد ونحوها- لا يُملك بالتقاطه؛ لأنه يحرم أخذه، ولو عَرَّفَهُ لم يملكه، لأنه متعدٍّ بأخذه.

2 - مَنْ أخذ الحيوان الممتنع بنفسه من صغار السباع لم يبرأ بأخذه، وعليه ضمانه؛ لأنه أخذ ملك غيره بغير إذنه، ولا إذن الشارع، فهو كالغاصب إلا أن يدفعها إلى الإمام، فيزول عنه الضمان؛ لأن الإمام له نظر في ضوال الناس، فكان نائبًا عن أصحابها، وعُلم منه أن للإمام ونائبه أخذها للحفظ.

3 - يستثنى من ذلك ما إذا وجد الضالة في مهلكة لا ماء فيها ولا مرعى، أو أرضٍ مسبعةٍ، أو قريبًا من دار الحرب يخاف عليها من أهلها، فإنه يردها أو يأخذها بقصد الإنقاذ، لا الالتقاط، ولا ضمان عليه؛ لأن فيه إنقاذها من الهلاك، فأشبه تخليصها من حريق ونحوه.

4 - ودل الحديث على أنه يجوز أخذ ما يهتم به الناس؛ كالدراهم والأمتعة، ويدخل فيه ما لا يمتنع من صغار السباع، مثل الغنم.

5 - يجوز أخذ مثل هذه اللقطه بشرط أن يأمن على نفسه من الخيانة، وأن يقوى على تعريفها.

6 - ودل الحديث على أنه يجب تعريف ما التقطه سنة كاملة، والتعريف هو أن ينادي في الموضع الذي وجدها فيه، وفي مجامع الناس؛ كالأسواق وأبواب المساجد بعد الصلوات، ولاسيما صلاة الجمعة، ويقول: مَنْ ضاع له شيء فليطلبه عندي أو نحو ذلك [1].

7 - أجمع المسلمون على وجوب التعريف سنة إذا كانت اللقطة ليست تافهة [2]. وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجب على الملتقط أن يستغرق جميع الحول بالتعريف كل يوم، بل يعرف في أول السنة كل يوم مرتين، ثم مرة كل أسبوع، ثم مرة أو مرتين في كل شهر، وإنما جعل التعريف في أول السنة أكثر، لأن طلب المالك فيها أكثر، وكلما طالت المدة على فقد اللقطة قل طلب المالك لها.

8 - إن عُرِفَ صاحبُ هذا الشيء الملتقط خلال السنة دُفع إليه، لأنه ماله، وإن لم يعرف، فيكون بعد السنة داخلًا في ملك ملتقطه غنيًا كان أو فقيرًا.

9 - ويشترط في ملك ما التقطه أن يَعرِفَ صفته من الوعاء الذي هو فيه، وهو عفاصها، ويعرف جنسها ولونها ونحو ذلك مما يحتاج لمعرفته؛ لئلا يختلط بماله ويشتبه، وليعلم صدق واصفها من كذبه.

10 - قوله: «مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا» قال فيه النووي: (هذا دليل للمذهب المختار أنه يلزمه تعريف اللقطة مطلقًا، سواء أراد تملكها أو حفظها على صاحبها، والمراد بالضال: المفارق للصواب)[3].

11 - في جميع أحاديث الباب دليل على أن التقاط اللقطة وتملكها لا يفتقر إلى حكم حاكم، ولا إلى إذن السلطان، وهذا مجمع عليه[4].

12 - وفي حديث عياض بن حمار دليل على أنه يشهد على وجدانها، لا على صفتها؛ لئلا تشيع أوصافها، والجمهور على أن الإشهاد مستحب، وليس واجبًا، خلافًا لأبي حنيفة[5].

13 - جاء في حديث أنس بيان لنوع من أنواع اللقطة، وهو أن ما كانت قيمتها قليلة، ولا يهتم بها أوساط الناس إذا فقدت، وهم من بين الغني والفقر، والكرم والبُخل، وذلك مثل: القلم إذا كان رخيصًا والسوط والرغيف ونحو ذلك[6]؛ فهذا النوع يملكه واجده بمجرد التقاطه، ويباح له الانتفاع به، ولا يحتاج إلى تعريف.

14 - وفي حديث عبد الرحمن بن عثمان النهي عن التقاط لقطة الحاج للتملك، وأما التقاطها للحفظ فقط، فلا منع منه، كما ينتج عن الجمع بين هذا الحديث والحديث الذي سبق معنا في الحج من أنه لا تحل ساقطتها إلا لمنشد[7].

15 - وفي حديث المقدام بن معديكرب دليل على أن اللقطة من مال المعاهد كاللقطة من مال المسلم، وهذا محمول على التقاطها من محل غالب أهله أو كلهم ذميون، وإلا فاللقطة لا تعرف من مال أي إنسان هي بمجرد التقاطها.

16 - قوله: «إلا أن يستغني عنها»: أي: يتركها لمن أخذها استغناء عنها، ويعرف ذلك بعدم معرفة صاحبها بعد التعريف؛ لأنه سبب عدم المعرفة في الأغلب، فإنه لو لم يستغن عنها لبالغ في طلبها أو نحو ذلك[8].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - الدين الإسلامي يربي المسلم على الأمانة والتعفُّف والحرص على أموال الناس، ومن ذلك التعريف باللقطة وحفظها وردّها إلى أصحابها.

2 - الإشهاد فيه مصالح عديدة، منها:

أ - صيانة نفسه عن الطمع فيها؛ لأنه يُخاف من تسويل الشيطان وانبعاث الرغبة في هذه اللقطة، فيدعوه ذلك إلى الخيانة بعد الأمانة، فيجحدها.

ب - حفظها من ورثته إذا مات؛ لأنه لا يأمن من حدوث المنية به، فيدَّعيها ورثته ويحوزونها في تركته، أو يستولي عليها غرماؤه إن أفلس، وقد استحب العلماء كتابتها خوف النسيان[9].

3 - إنما اختصت لقطة الحاج بالمبالغة في التعريف؛ لأن الحاج يرجع إلى بلده، فاحتاج الملتقط إلى المبالغة في التعريف بها[10].

طريقة الاستدلال:

1 - في قوله ﷺ عن ضالة الغنم: «إنما هِيَ لَكَ أَو لأَخِيكَ أَو لِلذِّئْب» دليل على إباحة التقاط مثل هذا النوع من الضوال، ولو كان يجب الترك لأمر به ﷺ كما في ضالة الإبل.

2 - في عموم الأحاديث دليل على أنه لا فرق بين الغني والفقير في تملك اللقطة بعد القيام بالواجب تجاهها - كما سبق تفصيله - وهذا مذهب الجمهور[11].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة