ميراث ذوي الأرحام:
قال الله تعالى: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ [الأحزاب: 6].
قال ابن رجب: (والتحقيقُ في ذلك: أنَّ كلَّ ما دلَّ عليه القرآن، ولو بالتَّنبيه، فليس هو ممَّا أبقته الفرائض، بل هو من إلحاق الفرائض المذكورة في القرآن بأهلها....وأمَّا مَنْ لم يذكر باسمه مِنَ العصبات في القرآن، كابن الأخ والعم وابنه، إنَّما دخل في عمومات مثل قوله تعالى: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ )[1].
973- وعن المقدام بن معديكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الـخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ»، أخرجه أحمد والأربعة سوى الترمذي، وحسَّنه أبو زرعة الرازي، وصحَّحه ابن حبان والحاكم. [ضعَّفه ابن معين، والبيهقي؛ ينظر: معرفة السنن (9/ 164)، والبدر المنير (7/197)].
974- وعن أبي أمامة بن سهل رضي الله عنه قال: كَتَبَ مَعِي عُمَرُ رضي الله عنه إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «الله وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ، وَالخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ»، رواه أحمد والأربعة سوى أبي داود، وحسَّنه الترمذي، وصحَّحه ابن حبان. [أشار البيهقي في معرفة السنن (9/ 164) إلى ضعَّفه].
أبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري الأوسي المدني، ولد في حياة النبي ﷺ، ورآه ولم يسمع منه، كان من علية الأنصار وعلمائهم، ومن أبناء الذين شهدوا بدرًا، توفي سنة (100).
- ذوو الأرحام: هم الأقارب الذين لا فرض لهم ولا تعصيب.
- مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ: أي حافظ ونصير من لا حافظ له ولا نصير.
1 - دلَّ الحديثان على توريث الخال، والمراد عند غياب أصحاب الفروض والتعصيب، كما نص عليه الحديث: «الخال وارث من لا وارث له».
2 - ليس الخال فقط هو من يرث، بل ذكره مثال لذوي الأرحام، ومن ذوي الأرحام: بنات الإخوة، والعمات، والخالات، وبنات الأعمام، وكل جدة أدلت بأبٍ بين أمين، أو بأب أعلى من الجد.
3 - في توريث ذوي الأرحام اختلاف بين الصحابة والتابعين والفقهاء بعدهم، فممن قال بتوريثهم من الصحابة: عليٌّ وابن مسعود وابن عباس في أشهر الروايات عنه، ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء وأبو عبيدة بن الجراح، ومن التابعين شريح والحسن وابن سيرين وعطاء ومجاهد. وممن قال بعدم توريثهم: زيد بن ثابت، وابن عباس في رواية عنه، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، أما الفقهاء فممن قال بتوريثهم: الحنفية والإمام أحمد، ومتأخرو المالكية والشافعية وعيسى بن أبان، وأهل التنزيل رحمهم الله. وممن قال بأنهم لا يرثون: سفيان الثوري ومتقدمو المالكية والشافعية[2].
4- العلماء يقدمون الردّ في حال وجود أصحاب فروض لم يستغرقوا التركة على توريث ذوي الأرحام، فإذا خلّف الميت ذا فرض من أقاربه ولم يستوعب المال، فإن الباقي يرد على صاحب الفرض، ولا شيء لذوي الأرحام، فإن لم يكن هناك صاحب فرض؛ ورث ذوو الأرحام.
عدم ذكر ميراث ذوي الأرحام في القرآن لا يعني عدم مشروعيته، وقد أجمع أهل العلم على وجوب العمل بخبر الواحد من حيث الجملة، والصحيح أنه لا فرق في ذلك بين ما عمت به البلوى وما لم تعم البلوى به، وبين ما يسقط بالشبهات وما لا يسقط بها، وبين ما زاد على القرآن وما كان مبينًا له أو موافقًا، وبين ما يقال: إنه مخالف للقياس أو موافق له، فالمقصود أن أهل السنة يأخذون بالحديث إذا صح ولم يوجد حديث صحيح ناسخ له.
والدليل على ذلك: عموم الأدلة الدالة على وجوب الأخذ بخبر الواحد؛ فإنها لم تقيد ذلك بمسألة أو بشرط، بل إن الثابت عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة المهتدين العملُ بأحاديث الآحاد الصحيحة وقبولها دون شرط أو تفريق بين مسألة وأخرى[3].
975- عن جابر عن النّبيّ ﷺ قال: «إِذَا اسْتَهَلَّ الصَبِيُّ صُلّـيَ عَليْهِ ووُرِّثَ»، رواه ابن ماجه، وصحَّحه ابن حبّان. [وصحَّح وقفه النسائي في الكبرى (6533)، والدارقطني في العلل (7/381)].
976- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنَ الْـمِيرَاثِ شَيْءٌ»، رواه النسائي والدارقطني، وقواه ابن عبد البر، وأعلَّه النسائي، والصواب وقفه على عُمر.
977- وعن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَا أَحْرَزَ الوَالِدُ أَوْ الوَلَدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ»، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وصحَّحه ابن المديني وابن عبد البر.
978- وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «الوَلَاءُ لُحمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ، وَلَا يُوهَبُ»، رواه الحاكم من طريق الشافعي عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف، وصحَّحه وابن حبان، وأعلَّه البيهقي. [وأبو زرعة في العلل (1130)، وغيره].
979- وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَفْرَضُكُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ»، أخرجه أحمد والأربعة سوى أبي داود، وصحَّحه الترمذي وابن حبان والحاكم، وأعلَّ بالإرسال. [أعلَّه بالإرسال: الدارقطني في العلل (6/248)، والبيهقي في الكبير (12/427)، والخطيب في الوصل المدرج في النقل (2/676)، وغيرهم].
- إذَا اسْتَهَلَّ المَوْلُود: يقال: استهل المولود؛ إذا بكى عند ولادته، وهو كناية عن ولادته حيًا -وإن لم يستهل- فيكفي أن توجد منه أيّ أمارة تدل على حياته، ومن ذلك الحركة الإرادية، والتنفس.
1 - في حديث جابر دليل على أنه إذا استهل الصبي؛ ثبت له حكم غيره من جملة الورثة في أنه يرث، ويقاس عليه كذلك سائر الأحكام من الغسل، والتكفين، والصلاة عليه، ويلزم من قتله القود أو الدية[4].
2 - إذا مات الإنسان عن حمل يرثه؛ فإنهم يوقفون الأمر حتى تتبين حياته عند ولادته، فإن طالب الورثة بالقسمة لم يعطوا كل المال، ولكن يدفع إلى من لا ينقصه الحمل كل ميراثه، ويدفع إلى من ينقصه الحمل نصيبه الأقل، ولا يدفع إلى من يسقطه الحمل شيء، فإذا خرج الحمل حيًا أمضينا ما سبق، وإن خرج ميتًا؛ دُفع إلى من أنقصهم أو حجبهم حقهم.
3 - وفي حديث عمرو بن شعيب دليل على أن القتل يمنع القاتل البالغ العاقل من الميراث بالإجماع [5].
4 - من قتل مورثه قصاصًا أو حدًا أو دفعًا عن نفسه لا يحرم من الميراث عند الجمهور خلافًا للشافعية[6].
5 - في حديث عمر دليل على أن الولاء لا يورث، وفيه خلاف، وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا أعتق رجل عبدًا، ثم مات ذلك الرجل وترك أخوين أو ابنين، ثم مات أحد الابنين وترك ابنًا، أو أحد الأخوين وترك ابنًا، فعلى القول بالتوريث: ميراثه بين الابن وابن الابن، أو الأخ وابن الأخ، وعلى القول بعدمه؛ يكون الميراث للابن وحده[7].
6 - قال ابن حزم: (واتفقوا أن من أعتق عبدًا عتقًا صحيحًا من رجل وامرأة فقد استحق الولاء، واتفقوا أن الولاء لا يستحق بغير العتق أو الإسلام على اليدين أو الموالاة)[8].
7 - ودلَّ حديث عبد الله بن عمر على أن الولاء لا يكتسب ببيع، ولا هبة، ويقاس عليهما سائر التمليكات من النذر والوصية؛ لأنه قد جعله كالنسب، والنسب لا ينتقل بعوض ولا بغير عوض.
8 - قال ابن قدامة: (لا ينتقل الولاء عن المعتق بموته، ولا يرثه ورثته، وإنما يرثون المال به مع بقائه للمعتق، وهذا قول الجماهير، وشذ شريح وقال: الولاء كالمال يورث عن المعتق فمن ملك شيئًا حياته فهو لورثته)[9].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - الحكمة في حرمان القاتل من الميراث؛ لأن مما يتكرر حدوثه: أن يقتل الوارث مورثه ليحرز ماله، لا سيما في أبناء العم ونحوهم، فيجب أن تكون السنّة بينهم تيئيس من فعل ذلك عما أراده؛ لتقطع عنهم تلك المفسدة[10].
2 - حديث أنس اختصره المصنف، وذكر منه ما له تعلق بباب الفرائض؛ وهو شهادة لزيد بن ثابت بأنه أعلم المخاطبين بالمواريث، فيؤخذ منه أنه يرجع إليه عند الاختلاف، ولهذا اعتمده الشافعي في الفرائض، ورجَّحه على غيره.
3 - قوله: «أفرضكم: زيد بن ثابت»: أي: أكثرهم علمًا بمسائل قسمة المواريث، وهو علم الفرائض؛ أي أنه يصير كذلك، ومن ثمّ كان الحبر ابن عباس يتوسد عتبة بابه[11].
1 - أفاد مفهوم حديث جابر أن الطفل إذا لم يستهل لا يحكم بحياته، فلا يثبت له شيء من الأحكام المذكورة في دلالات الحديث.
2 - قوله: «لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنَ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ»: استدل بعمومه الشافعية، فقالوا بأنه لا يرث بأي مشاركة في القتل، وقيّده الجمهور بما إذا قتله بدون إذن شرعي؛ لأن هذا هو المراد من الحديث، فلو قتله قصاصًا أو حدًّا أو دفعًا عن نفسه، فإنه يرث. وما ترتب على المأذون فهو غير مضمون، فما دام أذن له الشرع في ذلك النوع من القتل المخصوص؛ لم يكن ليعاقبه أو يضمّنه بشيء.