كتاب النكاح
قال الله تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ٣٢ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ [النور: 32، 33]. قال ابن كثير: (هَذَا أَمْرٌ بِالتَّزْوِيجِ). وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى وُجُوبِهِ عَلَى كُلِّ مَنْ قَدَر عَلَيْهِ.
987- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قَالَ لَنَا رَسُولُ الله ﷺ: «يَا مَعْشَـرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَـرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»، متّفق عليه.
988- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: «لَكِنِّي أَنَا أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»، متّفق عليه.
989- وعنه قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ»، رواه أحمد، وصحَّحه ابن حبّان. [في إسناده ضعف]. وله شاهد: عند أبي داود، والنسائي، وابن حبان أيضًا من حديث معقل بن يسار.
990- وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ ﷺ: «تُنْكَحُ الـمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ»، متّفق عليه.
سبب ورود حديثي أنس وأبي هريرة:
1 - قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادته، فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: أين نحن من رسول الله ﷺ، فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج. فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟! لَكِنِّي أَنَا أُصَلِّي وَأَنَامُ... الحديث».
2 - وأما حديث أبي هريرة: فأخرج أحمد ومسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: تزوجت امرأة على عهد رسول الله ﷺ فقال: «يا جابر تزوجت؟» قلت: نعم، قال: «بكر أم ثيب؟» قال: قلت: ثيب، قال: «فهلَّا بكرا تلاعبها؟» قال: قلت: يا رسول الله! إن لي أخوات فخشيت أن تدخل بيني وبينهن، قال: «فذاك إذن؛ إن المرأة تنكح على دينها ومالها وجمالها، فعليك بذات الدين تربت يداك».
- البَاءَةَ: قيل: مؤن النكاح، وقيل: الجماع، وهذا أصح. وعلى أي القولين فالاستطاعة المنفية بقوله ﷺ: «ومن لم يستطع فعليه بالصوم» مقصود بها عدم القدرة على مؤن النكاح باتفاق أصحاب القولين[1].
- فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ: الوجاء: رض الخصيتين، والمراد: أن الصوم يقطع الشهوة، كما يفعله الوجاء.
- الوَدُودَ: المحبوبة لحسن خلقها، وتحبُّبها إلى زوجها.
- الوَلُودَ: كثيرة الولادة، ويعرف ذلك في البكر بحال أمها وأخواتها وقراباتها.
- مُكَاثِرٌ بِكُمُ: أي: مفاخر بكم.
- تنكح المرأة لأربع: أي: لأجل أربع.
- ولحسبها: أي: ولشرفها.
- تربت يداك: أي: لصقتا بالتراب، وهو كناية عن الفقر، والمعنى: إن تركت ذات الدين خسرت.
1 - في الأحاديث الترغيب في النكاح، وفيها دليل على مشـروعيته، وحكم الزواج يختلف باختلاف حال الشخص، فهو واجب على من يخاف العنت والوقوع في الحرام -وهو قادر على مؤنة النكاح- ويحرم على من علم أنه سيظلم المرأة، أو سيضرها إن تزوج بها، ويكره في حالة ما إذا ظن ولم يتيقن أنه قد يقع في ظلم أو يضر بالمرأة، أو كان يعلم عجزه عن الإنفاق، ويندب النكاح إذا احتاج إليه الإنسان، وتاقت نفسه إليه، وهو قادر على مؤنته من مهر ونفقة، ولكنه لا يخاف الوقوع في العنت.
2 - ظاهر الأمر في حديث ابن مسعود يدل على أن النكاح واجب، وهو ما ذهب إليه الظاهرية؛ إذ قالوا بوجوب النكاح على كل قادر على الوطء إن وجد أهبة الزواج، فإن عجز فليكثر من الصوم، كما استدلوا عليه أيضًا بنهي النبي ﷺ عن التبتل، والجمهور على أن الأصل في حكم الزواج أنه سنة[2].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - دعت السنة إلى النكاح ورغَّبت فيه، وكان الخطاب في الحديث للشباب؛ لأنهم مظنة قوة الشهوة، والصوم يسكن الشهوة ولا يقطعها؛ لأنه قد يقدر على النكاح بعد[3].
2- وفي حديث أنس دليل على أن المشروع هو الاقتصاد في العبادات دون الاستغراق فيها، والإضرار بالنفس، وهجر المألوفات كلها، وأن هذه الملة المحمدية شريعتها مبنية على الاقتصاد، والتسهيل، والتيسير، وعدم التعسير[4].
3 - وفيه أيضًا الزجر الشديد عن إلزام النفس المداومة على ما لم يلزمها به الشرع، وأن ذلك خروج عن سنة النبي ﷺ وابتداع في الدين.
4- الزواج سكنٌ للنفس والعصب، وراحةٌ للجسم والقلب، واستقرارٌ للحياة والمعاش، وأنسٌ للأرواح والضمائر، واطمئنانٌ للرجل والمرأة على السواء.
فالزواج سنة ماضية وخلق من خلق الأنبياء، وفيه فوائد كثيرة حث عليها الإسلام كفائدة: الولد، وكسر الشهوة، وتدبير المنزل، وكثرة العشيرة، وبقاء الجنس البشـري، ومجاهدة النفس بالقيام بهذه التكاليف[5].
5- في حديث أنس الثاني بيان لأهم مقاصد النكاح، وهو كثرة النسل؛ إذ فيه تكثير عدد المسلمين، وفي ذلك قوة لهم، وتمكين للأمة من النهوض بواجباتها، والتعاون على ما شرعه الله لها، والقيام بمسؤولياتها تجاه دينها ودنياها.
6 - وفي الحديث دليل على جواز المفاخرة يوم القيامة، ووجه مفاخرة الأنبياء بذلك: أنّ من كانت أمته أكثر، كان ثوابه أكثر؛ لأن له مثل أجر من تبعه[6].
7- وعن حديث أبي هريرة يقول النووي: (الصحيح في معنى هذا الحديث: أن النبي ﷺ أخبر بما يفعله الناس في العادة، فإنهم يقصدون هذه الخصال الأربع، وآخرها عندهم ذات الدين، فاظفر أنت أيها المسترشد بذات الدين) [7].
8- وفي هذا الحديث الحث على مصاحبة أهل الدين في كل شيء؛ لأن صاحبهم يستفيد من أخلاقهم وبركتهم وحسن طرائقهم، ويأمن المفسدة من جهتهم[8].
9- حَرِصَ الإسلام على ديمومة الزواج بالاعتماد على حسن الاختيار، وقوة الأساس الذي يحقق الصفاء والوئام، والسعادة والاطمئنان، وذلك بالدين والخلق؛ فالدين يقوى مع مضي العمر، والخلق يستقيم بمرور الزمن وتجارب الحياة، أما الغايات الأخرى التي يتأثر بها الناس من مال وجمال وحسب، فهي وقتية الأثر، ولا تحقق دوام الارتباط، وتكون غالبًا مدعاة للتفاخر والتعالي، واجتذاب أو لفت أنظار الآخرين[9].
1 - الأصل في النكاح أنه مستحب ومندوب إليه عند الجمهور في حالة الاعتدال، قالوا: لما جاء في الحديث من قرينة تدل على عدم الوجوب، وهي قوله: «فإنه أغض»، فإن «أغض» على وزن أفعل التفضيل، وأفعل التفضيل لا يدل على الوجوب؛ فتبين أن المطلوب أن يغض بصره، فالواجب هو غض البصر، وهو يحصل في حالة الاعتدال بما دون النكاح.
وقد قرر العلماء أن النكاح تعتريه الأحكام الخمسة من حيث التفصيل كما سبق بيانه.
ومما يدل على عدم وجوب النكاح في الأصل، وأن الأمر به للندب أنه خيَّر فيه بين النكاح وملك اليمين فقال: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ [النساء: 3]. وملك اليمين ليس بواجب بإجماع، ولا يصح التخيير بين واجب وما ليس بواجب[10]. ويدل عليه قوله عز وجل ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ [النساء: 3]؛ حبث أناط الحكم باختيارنا واستطابتنا والواجب ليس كذلك.
2 - إنما كان الابتداع في الدين مذمومًا لأنه بمثابة استدراك على الشرع؛ فلسان حال المبتدع زعم أن الشرع ناقص وأنه ببدعته يكمله ويأتي بما هو أفضل منه؛ ولذا قال أنس في حديثه عن الرهط الذين سألوا عن عبادة رسول الله ﷺ: «كأنهم تقالوها»، ولهذا كان جواب النبي ﷺ لهم: «من رغب عن سنتي فليس مني». فجعل الرغبة عن السنة مذمومة، والقاعدة في الأصول: أن الذم لا يُستحق إلا على ترك واجب أو فعل محرم.
قال الله تعالى: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ [البقرة: 235].
وقال الله تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [النور: 30]. قال ابن سعدي: (أتى بأداة ﱡ مِنْ ﴾ الدالة على التبعيض، فإنه يجوز النظر في بعض الأحوال لحاجة، كنظر الشاهد.. والخاطب).
991- عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي ﷺ كَانَ إِذَا رَفَّأَ إِنْسَانًا إِذَا تَزَوَّجَ قَالَ: «بَارَكَ الله لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ»، رواه أحمد والأربعة، وصحَّحه التّرمذيّ وابن خزيمة وابن حبان.
992- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: عَلَّمَنَا رَسُولُ الله ﷺ التَّشَهُّدَ فِي الْـحَاجَةِ: «إِنَّ الْـحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِالله مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِ الله فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَاديَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»، ويقرأ ثلاث آيات. رواه الخمسة، وحسَّنه التّرمذيّ والحاكم.
993- وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْـمَرْأَةَ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا، فَلْيَفْعَلْ»، رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات، وصحَّحه الحاكم. [حسَّنه ابن حجر في فتح الباري (9/ 181)].
994- وله شاهد عند الترمذي والنسائي عن المغيرة: «فإِنَّهُ أَحْرَى أن يُؤْدَم بَيْنَكُمَا»، [حسَّنه الترمذي في السنن (1087)، وصحَّحه الألباني (صحيح الجامع): 859]، وعند ابن ماجه وابن حبان من حديث محمد بن مسلمة. [إسناده ضعيف].
995- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً: «أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا»، رواه مسلم.
996- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَخْطِب الرَجلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ الـخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ»، متّفق عليه، واللّفظ للبخاريّ.
- كَانَ إِذَا رَفَّأَ إِنْسَانًا: أي: هنّأه ودعا له. وأصلها قولهم للمتزوج: بالرِّفاء والبنين، أي بالالتئام والاجتماع، فعبر الراوي بما كانت عليه العادة قبل مجئ الإسلام.
- قوله: «وَيَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ»: الآيات الثلاث هي قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ٧٠ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70 - 71].
- فإنه أحرى: أي النظر إليها أجدر وأولى.
- أن يؤدم بينكما: أي بأن يؤلف ويوفق بينكما.
1 - دلَّ حديث أبي هريرة الأول على مشروعية واستحباب التهنئة بالزواج، وقد وضع النبي ﷺ الدعاء بالبركة موضع ترفئة الجاهلية المنهي عنها؛ وهي قولهم: (بالرفاء والبنين). واختلف في علة النهي عن ذلك، فقيل: لأنه لا حمد فيه ولا ثناء ولا ذكر لله، وقيل: لما فيه من الإشارة إلى بغض البنات؛ لتخصيص البنين بالذكر، وقيل غير ذلك.
2 - وفي حديث ابن مسعود دليل على مشروعية تلك الخطبة في النكاح، وذهبت الظاهرية إلى أنها واجبة، ووافقهم أبو عوانة، والجمهور على أنها سنة، وهو الراجح[11].
3 - قوله: «التشهد في الحاجة»: الظاهر عموم الحاجة؛ للنكاح وغيره، ويؤيده بعض الروايات، قال الشافعي: (الخطبة سنة في أول العقود كلها مثل: البيع والنكاح وغيرهما، والحاجة إشارة إليها) [12].
4 - عن حديث جابر قال النووي: (وفيه استحباب النظر إلى وجه من يريد تزوجها، وهو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد وجماهير العلماء، وحكى القاضي عن قوم كراهته، وهذا خطأ مخالف لصريح هذا الحديث) [13].
5 - ويندب كذلك نظر المرأة إلى الرجل قبل إقدامه على الزواج منها، فتنظر إلى خاطبها، فإنه يعجبها منه ما يعجبه منها.
6 - الجمهور أنه لا يشترط في جواز النظر إليها رضاها، بل له ذلك في غفلتها، ومن غير تقدم إعلام؛ لأن النبي ﷺ قد أذن في ذلك مطلقًا، ولم يشترط استئذانها؛ لأنها تستحي غالبًا من الإذن، ولأن في ذلك تغريرًا، فلربما رآها فلم تعجبه، فيتركها فتنكسر وتتأذى[14].
7 - ظاهر الأحاديث يدل على أنه يجوز للرجل أن ينظر إلى ما يظهر من المرأة غالبًا كالوجه والرقبة والكفين والقدمين، وهو مذهب الحنابلة. وذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية وهو رواية للحنابلة إلى أنه ينظر إلى الوجه والكفين ظاهرهما وباطنهما إلى كوعيهما[15].
8 - وفي حديث ابن عمر دليل على تحريم خطبة الرجل للمرأة وقد خطبها غيره، وحصل الركون إلى الخاطب الأول، والتحريم مجمع عليه[16].
9 - وفيه دليل على أن التحريم يزول إذا ترك الخاطب الأول الخطوبة، أو أذن للخاطب الثاني.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - استحباب تهنئة العروس والدعاء له، ذكرًا كان أو أنثى؛ لما فيه من إدخال السـرور عليه بذلك الدعاء القيِّم.
2 - أتى النبي ﷺ بهذا الدعاء بدلًا عما كانت عليه الجاهلية من تهنئة المتزوج، والدعاء له بقولهم: (بالرفاء والبنين)؛ لما في قولهم من التنفير عن البنات، ولهذا كان الراجح من كلام الفقهاء أنه يُكره أن يقال في الترفئة: بالرفاء والبنين[17].
3 - النظر أجدر وأقوى في تمكين الألفة والمحبة والاتفاق بين الزوجين؛ حيث يطلع الخاطب بالنظر إليها على ما يدله على جمالها أو قبحها، ومناسبة قوامها، فلا يحصل له الغرر.
1 - خطبة الحاجة ليست واجبة، ودل على عدم الوجوب قول النبي ﷺ للرجل: «زوجناكها بما معك من القرآن»، ولم يذكر خطبة، قالوا: ومن حيث المعنى: أن النكاح عقد معاوضة فلم تجب فيه خطبة كالبيع.
2 - يثبت حكم نظر المرأة إلى خاطبها؛ قياسًا على الرجل بجامع أن العلة واحدة، وهي أنها يعجبها منه ما يعجبه منها.
3 - يلزم من إذن النبي ﷺ في النظر إلى المرأة من غير علمها: أنه أذن في النظر إلى ما يظهر عادة، وهذا هو ظاهر الأحاديث، وأيَّده فعل الصحابة، قال الصنعاني: (والحديث مطلق، فينظر إلى ما يحصل له المقصود بالنظر إليه)[18].