حجم الخط:

محتوى الدرس (107)

ما يصح أن يكون مهرًا:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء: 4] النحلة هي الفريضة والواجب، قال ابن كثير بعد إيراده لأقوال السلف في تفسير الآية: (وَمَضْمُونُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ الرَّجُلَ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الصَّدَاقِ إِلَى المَرْأَةِ حَتمًا، وَأَنْ يَكُونَ طَيِّبَ النَّفْسِ بِذَلِكَ، كَمَا يَمْنَحُ المَنِيحَةَ وَيُعْطِي النِّحْلَةَ طَيِّبًا بِهَا، كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُعْطِيَ المَرْأَةَ صَدَاقَهَا طَيِّبًا بِذَلِكَ).

وقال الله تعالى عن موسى عليه السلام والرجل الصالح في مدين: ﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ٢٧ قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ۖ وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [القصص: 27، 28]، فجعل المهر منفعة.

[الأحاديث]

997- وعن سهل بن سعد السّاعديّ رضي الله عنه قال: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ الله ﷺ فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا، وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ الله ﷺ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الـمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا.قَالَ: «فَهَلْ عِنْدكَ مِنْ شَيْءٍ؟».فَقَالَ: لَا، وَالله يَا رَسُولَ الله. فَقَالَ: «اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ، فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟» فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا، وَالله يَا رَسُولَ الله، مَا وَجَدْتُ شَيْئًا! فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَالله، يَا رَسُولَ الله، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ! وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي - قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ !!- فَلَهَا نِصْفُهُ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ!» فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ؛ فَرَآهُ رَسُولُ الله ﷺ مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ، فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: «مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟». قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا. فَقَالَ: «تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟». قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «اذْهَبْ، فَقَدَ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ»، متفق عليه واللفظ لمسـلم. وفي رواية له قال: «انْطَلِقْ، فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ»، وفي رواية للبخاري: «أَمْكَنَّاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ».

998- ولأبي داود عن أبي هريرة قال: «مَا تَحْفَظُ؟». قَالَ: سُورَةَ البَقَرَةِ، وَالتِي تَلِيهَا. قَالَ: «قُمْ، فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً». [وهي رواية منكرة كما بينه الألباني في ضعيف أبي داود (2 / 213)].

التوضيح:

- فصعَّد النظر فيها: صعّد: أي رفع.

- وصوَّبه: أي: خفضه.

- ملَّكْتُكَها: أي: زوجتك إياها.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث سهل دليل على أن كل ما جاز أن يُتملّك؛ جاز أن يكون صداقًا، وليس لأكثره حدٌ اتفاقًا، ولا لأقله، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وكثير من أهل العلم.

2 - قوله: «ولو خاتما من حديد» مبالغة في تقليله، فيصح بكل ما تراضى عليه الزوجان مما فيه منفعة، ونقل القاضي عياض الإجماع على أنه لا يصح أن يكون مما لا قيمة له، ولا يحل به النكاح [1].

3 - وفيه دليل على جواز أن يُجعلَ تحفيظ القرآن صداقًا للمرأة، ولأن تعليم القرآن يصح أخذ الأجرة عليه، فجاز أن يكون صداقًا [2].

4 - وفيه دليل على جواز النظر لمن أراد أن يتزوج امرأة، وعلى جواز التأمل بقدر الحاجة.

5 - فيه استحباب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح ليتزوجها.

6 - في قوله: (لا والله يا رسول الله، ولا خاتمًا من حديد): جواز الحلف من غير استحلاف ولا ضرورة، ولكن ينبغي أن يكون ذلك لحاجة بدون إكثار.

7 - وفيه جواز لبس الرجل ثوب امرأته إذا رضيت أو غلب على ظنه رضاها[3]، والمراد: ما لم يكن مختصًّا بأحد الجنسين، وإلا فلا يجوز لما فيه من التشبه المنهي عنه.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - يتضح ما اتّصفَت به هذه المرأة من طلب الحلال والرغبة في الزوج الصالح، وما تحلَّت به من الحياء؛ حيث جلست حين لم يقض فيها النبي ﷺ شيئًا.

2 - ما كان عليه النبي وأصحابه من ضيق العيش؛ حيث لم يجد الصحابي ولا خاتمًا من حديد.

3 - بركة القرآن الكريم على الفرد والأسرة والمجتمع، وأنه وسيلة ورفعة لصاحبه في الدنيا والآخرة، لمن أحسن تعلّمه والقيام بحقه.

طريقة الاستدلال:

1 - قوله ﷺ: «هل تجد شيئًا؟» المراد مما له قيمة، خلافًا لابن حزم الذي أجازه بكل ما سمي شيئا ولو كان حبة من شعير، ودلَّ على اشتراط القيمة قوله ﷺ في الحديث: «من استطاع منكم الباءة» فدل على أنه شيء لا يستطيعه كل واحد، وحبة الشعير مستطاعة لكل أحد، وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا [النساء: 25]، وقوله تعالى: ﴿ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ [النساء: 24] دال على اعتبار المالية في الصداق[4].

2 - ضابط: (كل ما يصلح أن يكون قيمة أو ثمنًا لشيء يصح أن يكون مهرًا) [5].

شروط النكاح:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَلَٰكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا [البقرة: 235] كلمة سرًّا نكرة في سياق النهي تفيد العموم فدلت على الإعلان والآية في سياق خطبة النكاح.

وقال تعالى: ﴿ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا أَيْ: لَا تُزَوّجوا الرِّجَالَ المُشْرِكِينَ النِّسَاءَ المُؤْمِنَاتِ، قال القرطبي: (فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ بِالنَّصِّ عَلَى أَنْ لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ).

وقال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة: 237] الذي بيده عقدة النكاح هو الولي في قول طائفة من السلف، لأن من بذل المهر هو الزوج فهو طرف والمرغب في العفو طرف آخر مقابل الزوج. والله أعلم.

[الأحاديث]

999- عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ»، رواه أحمد وصحَّحه الحاكم. [إسناده ضعيف].

1000- وعن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ»، رواه الخمسة، وصحَّحه ابن المديني والترمذي وابن حبان، وأُعِلَّ بالإرسال، [وقال الألباني في صحيح أبي داود (6/321): (حديث صحيح، وقد صحَّحه الأئمة: أحمد، وابن المديني، والبخاري، والذُّهْلِيُّ، وابن الجارود، وغيرهم)].

1001- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الـمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ»، أخرجه الأربعة إلا النسائي، وصحَّحه أبو عوانة وابن حبان والحاكم.

1002- وعن الحسن عن سمرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ، فَهِيَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا»، رواه أحمد والأربعة، وحسَّنه الترمذي. [ضعَّفه الألباني في ضعيف أبي داود (2/ 206)].

1003- وعن عمران بن حصين رضي الله عنه مرفوعًا: «لا نكاح إلا بولي وشاهدين»، رواه أحمد. [ضعيف جدًا فيه عبد الله بن محرر متروك الحديث، ضعَّفه ابن حبان في المجروحين (2/ 23)، وقال الإمام أحمد فيما نقله ابن الجوزي في التحقيق (9/ 8): لم يثبت عن النبي ﷺفي الإشهاد على النكاح شيء].

1004- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تُزَوِّجُ الـمَرْأَةُ الـمَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجُ الـمَرْأَةُ نَفْسَهَا»، رواه ابن ماجه والدارقطني، ورجاله ثقات. [أعلَّه بالوقف الدارقطني في العلل (5/ 10)، وغيره].

1005- وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ أَوْ أَهْلِهِ، فَهُوَ عَاهِرٌ»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصحَّحه، وكذلك ابن حبان. [إسناده ضعيف].

التوضيح:

- أَعْلِنُوا: الإعلان ضد الإسرار، والمراد به: المبالغة في إظهار النكاح.

- إِلَّا بِوَلِيٍّ: الولاية: نفاذ تصرف الولي في حق الغير شاء أم أبى.

- فإن اشتجروا: والمراد بالاشتجار: منع الأولياء من العقد عليها، وهذا هو العضل، وبه تنتقل الولاية إلى السلطان.

- فالسلطان: يعني من له السلطان على التزويج، فيشمل القاضي.

- وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ: أي: من ليس له وليٌّ خاص.

- عَاهِرٌ: أي: زانٍ.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث عبد الله بن الزبير دليل على مشروعية إعلان النكاح، والمراد بالإعلان: المبالغة في الإظهار؛ لأن إظهاره يكون بالإشهاد عليه، أما إعلانه فإعلام الملأ به، حتى يشتهر ويعرف، ويبعد الزوجين عن تهمة الزنا.

2 - يرى جمهور العلماء أن إعلان النكاح مستحب، والمذهب عند المالكية: أن إعلان النكاح يقوم مقام الشهود، فلا يشترط عندهم الإشهاد على العقد، ولكن يشترط الإشهاد عند الدخول، ويتحقق ذلك بالإعلان[6].

3 - وفي حديثي أبي موسى وعائشة رضي الله عنهما دليل على اشتراط الولاية لصحة النكاح، والمراد الولاية على المرأة، وأما الرجل فلا ولاية على زواجه ما دام بالغًا عاقلًا.

4 - المرأة لا ولاية لها في عقد الزواج على نفسها ولا على غيرها، ورُوي إجماعًا للصحابة، وهو قول الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وأبي يوسف من الحنفية[7].

5 - وفي حديث سمرة دليل على أنه إن كان للمرأة وليان، فأذنت لكل واحد منهما في تزويجها جاز.

6 - وفيه أنه إذا زوج المرأة وليان مستويان في الدرجة شخصين مختلفين، وعلم السابق منهما، فالنكاح على ما عقده السابق، وعقد الثاني باطل، وهو قول عامة الفقهاء.

والجمهور على ذلك، ولو دخل بها الثاني، بينما يرى مالك أنه إن دخل بها الثاني صار أولى بها؛ لأن الثاني اتصل بعقده القبض، فكان أحق[8].

7 - ودلَّ حديث عمران بن حصين على أن الشهادة كذلك شرط من شروط صحة عقد النكاح[9].

8 - وفي حديث أبي هريرة دليل على ما سبق من اشتراط الذكورة في الولاية على النكاح، وهو قول الجمهور خلافًا للحنفية[10].

9 - وفي حديث جابر دليل على أن نكاح العبد بغير إذن مالكه باطل، وأن حكمه حكم الزنا عند الجمهور، إلا أنه يسقط عنه الحد إذا كان جاهلا للتحريم، ويلحق به النسب[11].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - عقد النكاح أهم العقود، وأعظمها خطرًا، وقد أظهر الشرع خطره بتلك الشـروط، فلا تجعل مباشرته مفوضة إلا إلى أولي الرأي الكامل من الرجال، والمرأة سريعة الاغترار، قوية العاطفة، وقد يجرها ذلك إلى الانخداع والوقوع في حبائل الماكرين وأهل السوء والمكر، ومغبة ذلك لا ترجع عليها وحدها، بل على أسرتها وأوليائها أيضًا، ولذلك احتاطت الشريعة للمرأة، وتواردت النصوص بمنعها عن النكاح بغير إذن وليها، وذلك من أجل مصلحتها ومنفعتها[12].

2 - حث الشرع على إعلان عقد النكاح على رؤوس الأشهاد حتى لا يختلط بالسفاح، وليعلم كل فرد من أفراد الجماعة أن هذه المرأة صارت مقصورة على هذا الرجل، وأنه أصبح زوجا لها، ومسؤول عنها، ومتحمل لجميع تبعات هذا العقد وآثاره، فالإسرار بالنكاح يقربه من الزنا، والإسرار به يحول بين الناس وبين الذب عنه واحترامه، أو يعرض النسل إلى اشتباه أمره، وينقص من معنى حصانة المرأة[13].

طريقة الاستدلال:

1 - قوله: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا»، وقوله: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ»: كلمة: «أيُّما» في الحديثين كلمة استيعاب وعموم، فتشمل البكر والثيب، والشريفة والوضيعة.

2 - قوله: «لا نكاح إلا بولي وشاهدين»: المراد من نفي النكاح هنا نفي الصحة، كما هو الأصل فيما وقع نفيه شرعًا، وقد سبق معنا مرارًا.

3 - يرجح مراعاة الأصل قول الجمهور في اشتراط العدالة في شهود النكاح، وذلك أن الأصل في الشهود العدالة في سائر الأمور، والفسق نقص يمنع من أداء الشهادة؛ لذا وجب أن يمنع انعقاد النكاح.

4 - قاعدة: (الأصل في الأبضاع التحريم): فإذا تقابل في المرأة حل وحرمة: غُلِّبت الحرمة.

ولأن الأصل في الأبضاع التحريم؛ وجب أن تتأكد العدالة في شهادة النكاح أكثر من غيره؛ لأن الشهادة عليه يترتب عليها صحة العقد وإباحة الفرج، ويلزم منها الشهادة على رضا الزوجة كذلك.

اشتراط رضا المرأة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: 232].

قال ابن كثير: (روى الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ الله، فِي كِتَابِهِ الصَّحِيحِ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَخَطَبَهَا، فأبى معقل، فَنَزَلَتْ: فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ) اهـ. فظهر أن رضا المرأة التي يراد لها الزواج لا بد منه؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

[الأحاديث]

1006- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: «أَنْ تَسْكُتَ»، متفق عليه.

1007- وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا»، رواه مسلم.

وفي لفظ: «لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ، وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ»، رواه أبو داود وصحَّحه ابن حبان. [أعلَّه أبو حاتم في العلل (1249)، والدارقطني في السنن (4/ 348)].

1008- وعنه: «أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ»، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وأُعِلَّ بالإرسال. [أعلَّه أبو داود في السنن (2086)، وأبو زرعة وأبو حاتم في العلل (1255)، والبيهقي في الكبير (14/ 116)].

التوضيح:

- الأَيِّمُ: من لا زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا، والمراد بها هنا: الثيب، بدليل أنه جاء مفسـرًا في الرواية الأخرى بالثيب كما في حديث ابن عباس.

- حَتَّى تُسْتَأْمَرَ: حتى يطلب الأمر منها والإذن بالزواج.

- أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا: أي: في اختيار الزوج لا في العقد.

الدلالات الفقهية:

1 - في الأحاديث دليل على أن إذن الزوجة الثيب معتبر في النكاح، فلا يصح العقد عليها حتى تقبل، وأنه لا يؤخذ بسكوتها، بل لا بد لها من التصريح، وهو مجمع عليه، وكذلك استئذان البكر البالغة مجمع عليه أيضًا[14]، واختلفوا في الثيب الصغيرة.

2 - وفي حديث أبي هريرة دليل على أن البكر تستأذن، وإذنها سكوتها، ويصح أن يكون بالكلام والتصريح، وإنما جعل السكوت إذنًا في حقها؛ لأنها قد تستحي أن تفصح [15].

3 - يشترط رضا البكر البالغة، ولا يجوز لأبيها إجبارها على النكاح، وهو مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد، ورجَّحه شيخ الإسلام، وابن القيم[16]؛ إذ لا معنى لاستئذان من لا تدري ما الإذن، ومن يستوي سكوتها وسخطها.

وأما البكر الصغيرة، فقد أجمع العلماء على جواز إجبارها إذا زوجها من كفء[17].

4 - وفي حديث ابن عباس تأكيد على ما سبق من أنه لا يجوز للولي إجبار ابنته على النكاح، والجارية في الحديث محمول على البكر البالغة؛ جمعًا بين هذا الحديث، وبين ما أجمع عليه العلماء من عدم اعتبار إذن البكر الصغيرة.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

رفق الإسلام بالمرأة ومراعاته لمصلحتها، واعتبار رأيها؛ حيث لم يُجز إجبار الصغيرة إلا إن كان في ذلك مصلحتها، وهذا دليل على أن القوامة التي شرعها الله للرجال إنما هي لما جُبلوا عليه من القوة التي تكمل ضعف المرأة، ولما يقومون به مما تحتاج إليه في سائر شؤونها، لا لمحض التسلط الذي يدّعيه اليوم من لا خلاق لهم تحت ذريعة حقوق المرأة وحريتها.

طريقة الاستدلال:

1 - المنطوق مقدم على المفهوم، قال بعض العلماء: حديث الثيب أحق بنفسها من وليّها دلّ بمفهومه على أن ولي البكر أحق بها من نفسها، ويردّ عليهم: بأن هذا المفهوم في مقابل المنطوق الوارد في استئذان البكر.

2 - القول بتخيير البكر البالغة هو محض القياس والمصلحة، ومقصود النكاح من الود والرحمة وحسن المعاشرة. وقد تناقض المخالفون فقالوا: لو أراد أن يبيع لها عود أراك من مالها لم يصح إلا برضاها، ومع هذا قالوا بأن له أن يرميها مدة العمر عند من هي أكره شيء فيه بغير رضاها!! وكما خرجوا عن محض القياس، خرجوا كذلك عن صريح السنة؛ فإن رسول الله ﷺ خيّر جارية بكرا زوجها أبوها وهي كارهة، وخير أخرى ثيبًا. فاتفق على ذلك أمره ونهيه وخبره، وهو كذلك محض القياس والميزان[18].

3 - قيل عن حديث الجارية بأنه واقعة عين، فلا يخرج عن كونه بيانًا وتفسيرًا لعموم أحاديث الإستئذان، وعليه؛ فلا دليل فيه. وقد أجاب الصنعاني فقال: (قول ابن حجر: إنها واقعة عين غير صحيح، بل هو حكم عام لعموم علته، فأينما وجدت كراهة المرأة ثبت الحكم)[19].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة