حجم الخط:

محتوى الدرس (108)

من يحرم نكاحها:

[تمهيد]

قال تعالى: الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: 23]. وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أوخالتها من باب أولى.

قال القرطبي: (وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا مُتَلَقًّى مِنَ الْآيَةِ نَفْسِهَا، لِأَنَّ الله تَعَالَى حَرَّمَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا فِي مَعْنَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، أَوْ لِأَنَّ الْخَالَةَ فِي مَعْنَى الْوَالِدَةِ وَالْعَمَّةُ فِي مَعْنَى الْوَالِدِ).

وقال الله تعالى: ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: 197].

في قوله تعالى: ﴿ فَلَا رَفَثَ ... نفي يراد به المبالغة في نهي الحاج عن الجماع ودواعيه والحديث عنه عند النساء، ومنه عقد النكاح.

وقال الله تعالى: ﴿ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور: 3] فحرم الزواج بالزانية أو الزاني.

[الأحاديث]

1009- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الـمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الـمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا»، متفق عليه.

1010- وعن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَنْكِحُ الْـمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ »، رواه مسلم، وفي رواية له: «وَلَا يَخْطُبُ»، وزاد ابن حبان: «وَلَا يُخْطَبُ عَلَيْهِ». [في إسناده ضعف].

1011- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ»، متفق عليه.

1012- وعن ميمونة نفسها رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ»، رواه مسلم.

1013- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَنْكِحُ الزَّانِي الـمَجْلُودُ إِلَّا مِثْلَهُ»، رواه أحمد وأبو داود، ورجاله ثقات.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث أبي هريرة دليل لمذهب العلماء كافة، أنه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، سواء كانت عمة وخالة حقيقية، وهما: أخت الأب، وأخت الأم. أو مجازية، وهما: أخت أبي الأب، وأبي الجد وإن علا، أو أخت أم الأم وأم الجدة، من جهتي الأم والأب وإن علت، فكلهن بإجماع العلماء يحرم الجمع بينهما[1].

2 - خالفت الشيعة الإمامية جميع الأمة، فأجازوا الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، وقد قال الشوكاني: (وقد أبعد من رام دفع هذا الحكم الثابت بهذه السنة الصحيحة بمجرد الخيالات المختلة، والعلل المعتلة، وقد حكى بعض أهل العلم الإجماع على التحريم، ومثل الروافض والخوارج من فرق الضلال ليسوا ممن ينبغي أن يشتغل بشأنهم، ولا بتدوين مقالاتهم الباطلة، ولا يقدح خلافهم في إجماع الأمة الاسلامية)[2].

3 - ودلَّ حديث عثمان على أن من محظورات الإحرام: عقد النكاح حال الإحرام، وظاهر الحديث يدُلُّ على أن عقد النكاح لا يصح لو وقع حال الإحرام، سواء أكان المحرم الزوج، أو الزوجة، أو الولي، فإذا كان الزوج والزوجة مُحرِمين أو أحدهما لم يصح النكاح، وكذلك إذا كان الولي مُحرِمًا لم يصح النكاح عند الجمهور[3].

4 - ذهب الحنفية إلى أن الإحرام ليس مانعًا من عقد النكاح، سواء أكان المحرم أحد الزوجين، أو الولي، واستدلوا بحديث ابن عباس رضي الله عنه: (أن رسول الله ﷺ تزوّج ميمونة وهو محرم)، والراجح مذهب الجمهور، واستدلوا بحديث ميمونة، وحديثها أرجح من حديث ابن عباس؛ لأن ميمونة هي صاحبة القصة، وصاحب القصة أدرى بحاله من غيره.

5 - دلَّ حديث أبي هريرة الأخير على تحريم زواج الرجل العفيف من المرأة الزانية حتى تتوب، وتحريم زواج المرأة العفيفة من الرجل الزاني حتى يتوب هو مذهب الحنابلة، ويدل على ذلك أيضًا الآية المذكورة ؛ ففي آخرها: وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور: 3] [4].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - الحكمة في تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها هي نفس الحكمة من تحريم الجمع بين الأختين؛ وذلك لما يحصل من العداوة والغيرة بين الضرائر، والتي تتسبب بالبغض بين الأقارب وتُفضي إلى قطيعة الرحم.

2 - قال ابن القيم في الحكمة من تحريم الزواج بالزانية: (الحكمة أن هذه الجناية من المرأة تعود بفساد فراش الزوج، وفساد النسب الذي جعله الله بين الناس لتمام مصالحهم، فالزنا يفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب، فمن محاسن هذه الشـريعة تحريم نكاح الزانية حتى تتوب وتستبرئ)[5].

طريقة الاستدلال:

1 - ضابط: العمة هنا هي: كل أنثى هي أخت لذكر له عليك ولادة؛ إما بنفسه، وإما بواسطة ذكر آخر. والخالة هي: كل أنثى هي أخت لكل أنثى لها عليك ولادة؛ إما بنفسها، وإما بتوسط أنثى غيرها، وهن الحرات من قبل الأم[6].

2 - ذكرنا ترجيح حديث ميمونة على حديث ابن عباس في أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال؛ لأن ميمونة هي صاحبة القصة، وصاحب القصة أدرى بما جرى له في نفسه من غيره، وقد تقرر في الأصول أن خبر صاحب الواقعة المروية مقدم على خبر غيره، لأنه أعرف بالحال من غيره، ومما يرجح ذلك أيضًا أن أبا رافع هو رسوله إليها يخطبها عليه، فهو مباشر للواقعة وأعلم من غيره بها، وقد أخبر أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال[7].

3 - قوله: «لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله»: لا يشترط في تحريم نكاح الزاني أن يكون مجلودًا من قبل في حد، وإنما هو وصف خرج مخرج الغالب؛ باعتبار من ظهر منه الزنا[8]، وعليه فمن اشتهر بالزنا والفجور لا يجوز نكاحه ولو لم يجلد.

الشروط في النكاح:

[تمهيد]

قال الله تعالى عن موسى عليه السلام والرجل الصالح في مدين: ﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ٢٧ قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ۖ وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [القصص: 27، 28].

وقع هنا عقد نكاح وشرط لم ينكره القرآن، وفي هذا دليل على أن الأصل جواز الشرط مع العقود ما لم يخالف الشرع أو يخالف مقتضى العقد.

[الأحاديث]

1014- عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ، مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ» متفق عليه.

الدلالات الفقهية:

1 - الشروط المتعلقة بالنكاح أشد اقتضاء للوفاء بها من غيرها لتعلقها بحرمة الأبضاع [9].

2 - الشروط الصحيحة في الزواج: هى التي لا تخالف الشرع، وتلائم مقتضـى العقد ولا تنافيه، والشرط الذي يلائم العقد: هو الذي يكون فيه مصلحة تعود على المشترط له، ومن الشروط التي فيها مصلحة لهما أو لأحدهما: أن تشترط المرأة إكمال دراستها، أو أن تستمر في بعض الأعمال الخيرية، أو التدريس، أو نحو ذلك.

3 - قال ابن القيم: ( تضمن هذا الحكم وجوب الوفاء بالشروط التي شرطت في العقد، إذا لم تتضمن تغييرا لحكم الله ورسوله ﷺ، وقد اتفقوا على وجوب الوفاء بشـرط تعجيل المهر أو تأجيله، واتفقوا على عدم الوفاء باشتراط ترك الوطء والإنفاق والخلو من المهر ونحو ذلك، واختلفوا في شرط الإقامة في بلد الزوجة، وألا يتزوج عليها)[10].

4 - الراجح ما ذهب إليه الحنابلة من جواز الشـروط التي لا تنافي مقتضـى العقد، وأن تلك الشروط لا ضير فيها، ما دام لا تحرم حلالًا، ولا تحل حرامًا؛ لحديث عقبة[11]، ومع هذا فلا ينبغي للمرأة أن تشترط على زوجها عدم الزواج عليها، فقد يكون هذا الشرط سببًا للشر على الزوج أو على الزوجة نفسها، فقد يحتاج للزواج فتعترض عليه بما اشترطته عليه فيطلقها.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

يؤخذ من الحديث أن الرابط بين الزوجين رابط وثيق وميثاق غليظ كما سماه الله في كتابه، وهذا يجعل المسلم يعطي هذا الأمر حقه من الاهتمام، ويقوم به حق قيام، ويؤهل نفسه أو أولاده لهذه المسؤولية بما تستلزمه من أخلاق وآداب وكفاءة ورعاية، وما يكفل دوام المودة بين الزوجين وتجاوز العقبات والمشكلات وعدم تضخيمها بما يُفضي إلى الانفصال والطلاق.

طريقة الاستدلال:

1 - دلَّ عموم حديث عقبة على جواز الشروط الملائمة للعقد، وإنما يمنع منها ما ينافي العقد وما نص الشارع على منعه؛ لكونه مخالفًا للشرع.

2 - ويرى البعض أن المرأة إذا اشترطت طلاق ضرتها جاز شرطها وصح العقد؛ أخذًا بعموم حديث عقبة، ولأنه شرط لا ينافي العقد ولها فيه فائدة، فأشبه ما لو اشترطت عليه أن لا يتزوج عليها[12].

والصواب بطلان ذلك؛ فإنه قياس في مقابلة النص؛ يخالف قوله ﷺ: «لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح؛ فإن لها ما قدر لها»[13]؛ وقوله ﷺ: «لتستفرغ صحفتها» تعليل لذلك المنع؛ أي: لقطع رزقها من هذا الزوج الذي ينفق عليها؛ وهذا منه تنبيه بالأدنى على الأعلى، وإلا ففيه فراق للعشرة، وإن كان بينهما أولاد ففيه فراق للأولاد وتشتيت لهم. فهذا الشرط يدخل في الشروط الفاسدة لا الصحيحة؛ لمخالفته للنص الصحيح. وقولهم: (إن لها في ذلك الشرط غرضًا مقصودًا) قول صحيح لكن فيه اعتداء على غيرها ممن هي أمكن منها بزوجها؛ فالقول بجواز هذا الشـرط قياس فاسد يقابله نص صريح وقياس آخر صحيح[14].

3 - أما اشتراط عدم النكاح عليها فقيل يصح؛ إذ ليس فيه تعدٍّ على حقٍّ؛ لأنه لم توجد زوجة أخرى بعد ليقال: إن فيه تعدٍّ على حقها. وقيل: إن هذا الشرط لا يجوز لأنه حجر على الزوج فيما أباح الله له؛ فهو مخالف لقوله تعالى: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ [النساء: 3] وجواب ذلك: أن لها غرضًا صحيحًا في عدم زواجه، ولم تعتد على أحد، والزوج هو الذي أسقط حقه[15].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة