حجم الخط:

محتوى الدرس (110)

Adobe Systemsباب الكفاءة والخيار

الكفاءة في النكاح:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: 13].

قال ابن كثير: (وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ... مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْكَفَاءَةَ فِي النِّكَاحِ لَا تُشْتَرَطُ، وَلَا يُشْتَرَطُ سِوَى الدِّينِ).

وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ٢٨ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: 28، 29].

هذه الآية أصل في التخيير وخاصة في مسائل النكاح.

[الأحاديث]

1021- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «العَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ، وَالْـمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ، إِلَّا حَائِكًا أَوْ حَجَّامًا»، رواه الحاكم، وفي إسناده راوٍ لم يسمَّ، واستنكره أبو حاتم. [قال في العلل (1236): هذا كذب لا أصل له]. وله شاهد عند البزار عن معاذ بن جبل بسند منقطع.

1022- وعن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «انْكِحِي أُسَامَةَ»، رواه مسلم.

1023- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ ﷺ قال: «يَا بَنِي بَيَاضَةَ، أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ، وَانْكِحُوا إِلَيْهِ»، وكان حجامًا. رواه أبو داود والحاكم بسند جيد. [أعلَّه أحمد فيما نقله ابن قدامة في المغني (9/ 389)، والدارقطني في العلل (4/ 473)، وغيرهما].

1024- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «خُيِّرَتْ بَرِيرَةُ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ»، متّفق عليه في حديث طويل، ولمسلم عنها: «أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا»، وفي رواية عنها: «كَانَ حُرًّا». وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ. وصحّ عن ابن عبّاس عند البخاري: «أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا».

1025- وعن الضّحاك بن فيروز الدّيلميّ عن أبيه رضي الله عنه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي أُخْتَانِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ»، رواه أحمد والأربعة إلا النسائي، وصحَّحه ابن حبّان والدّارقطنيّ والبيهقي، وأعلَّه البخاريّ.

1026- وعن ابن عمر رضي الله عنهما: «أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَخَيَّرَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا»، رواه أحمد والتّرمذيّ، وصحَّحه ابن حبّان والحاكم، وأعلَّه البخاريّ وأبو زرعة وأبو حاتم. [وأحمد فيما نقله الخلال في أحكام أهل الملل والردة (489: 492))، ومسلم في التمييز (7)، وغيرهما].

أسباب ورود الأحاديث:

1 - حديث فاطمة بنت قيس: روى مسلم عن فاطمة أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك له، فقال: «ليس لك عليه نفقة»، فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: «تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حللت فآذنيني»، قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية ابن أبي سفيان، وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله ﷺ: «أما أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد» فكرهته، ثم قال: «انكحي أسامة»، فنكحته، فجعل الله فيه خيرًا، واغتبطت به.

2 - وأما حديث أبي هريرة فأخرج أبو داود عنه، أن أبا هند، حجم النبي ﷺ في اليافوخ، فقال النبي ﷺ: «يا بني بياضة أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه».

3 - وأما حديث عائشة فأخرج البخاري عنها، أنها اشترت بريرة من أناس من الأنصار واشترطوا الولاء، فقال: رسول الله ﷺ: «الولاء لمن ولي النعمة»، وخيَّرها رسول الله ﷺ وكان زوجها عبدًا، وأهدت لعائشة لحمًا، فقال رسول الله ﷺ: «لو صنعتم لنا من هذا اللحم»، قالت عائشة: تُصُدِّق به على بريرة، فقال: «هو لها صدقة ولنا هدية».

ترجمة الرواة:

1 - فاطمة بنت قيس القرشية الفهرية، كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة ففارقها، فأنكحها النبي ﷺ أسامة بن زيد، كانت من المهاجرات الأول، وكانت ذات جمال وعقل وكمال، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى عند قتل عمر بن الخطاب، توفيت في خلافة معاوية.

2 - أبو الضحاك: فيروز الديلمي، يماني كناني، من أبناء الأساورة من فارس، الذي كان كسرى بعثهم إلى قتال الحبشة، أعان على قتل الأسود العنسـي، مات في خلافة عثمان، وقيل سنة (53) باليمن.

التوضيح:

- الكفء: هو النظير والمساوي. ومنه الكفاءة في النكاح، والمراد منها: أن يكون الزوج مساويًا للمرأة في حسبها ودينها ونسبها وبيتها وغير ذلك[1].

الدلالات الفقهية:

1 - دلَّ حديثا ابن عمر وعائشة على اعتبار الكفاءة في النكاح.

2 - وتعتبر الكفاءة عند الجمهور في جانب الرجال للنساء، ولا تعتبر في جانب النساء للرجال.

3 - والحق في الكفاءة للمرأة أو للأولياء أو لهما. على تفصيل في ذلك.

4 - اختلف الفقهاء في خصال الكفاءة التي ينبغي أن يكافئ الزوج فيها الزوجة، ومذهب جمهورهم اعتبار الكفاءة في: النسب، والدين، والصنعة، والحرية، ولأن العرب يعدون الكفاءة في النسب، ويأنفون من نكاح الموالي، ويرون ذلك نقصًا وعارًا، فإذا أطلقت وجب حملها على المتعارف؛ ولأن فقد ذلك يعد عارًا أو نقصًا، فوجب أن يعتبر في الكفاءة كالدين[2]، وكذلك الشأن في الحرفة والحرية.

5 - اتفق الفقهاء على أن الدين معتبر في الكفاءة إلا ما روي عن محمد بن الحسن من إسقاط اعتبار الدين، ومرادهم: المماثلة والمقاربة بين الزوجين في التدين بشرائع الإسلام، لا في أصل الإسلام، ولهم فيما وراء ذلك تفصيل[3].

6 - وفي حديثي فاطمة بنت قيس وأبي هريرة دليل على ما ذهب إليه المالكية من عدم اعتبار الكفاءة في النسب والحرفة[4]، واعتبارها في الدين والخلق فقط، وهو الراجح، وإن كانت تستحب الكفاءة في تلك الأمور أيضًا؛ لما فيه من مزيد انسجام وتوافق بين الزوجين، ولما سبق من الكلام في الفقرة الأولى.

7 - دلَّ حديث فاطمة بنت قيس على أنّ الكفاءة ليست شرطًا لصحة عقد الزواج؛ ففاطمة حرة قرشية، وأسامة بن زيد مولى وكان أسود، ومع ذلك أمرها النبي بالزواج منه، فيصح الزواج مع فقدها، فلو زوجت المرأة بغير كفء فالعقد صحيح، وقصارى ما تفيده الكفاءة بناء على حديثي ابن عمر وعائشة أنها شرط لزوم؛ فللمرأة أو لوليها عند فقد الكفاءة حق الاعتراض لدى القاضي، فإما الفسخ وإمّا الإمضاء، وأما لو سكت الولي، فالعقد صحيح، وهذا هو قول الجمهور[5].

8 - شروط اللزوم: هي التي يتوقف عليها استمرار العقد وبقاؤه، فإذا تخلف شرط منها كان العقد جائزًا أو غير لازم، وعند تخلف شرط اللزوم يحق لأحد العاقدين أو لغيرهما فسخه، وأمّا شروط الصحة: فهي التي إذا تخلف شرط منها كان العقد باطلًا ابتداء.

9 - دلَّ حديث عائشة على اعتبار الحرية في الكفاءة، وهو مذهب جمهور الفقهاء، فلا يكون القن أو المبعَّض أو المدبَّر أو المكاتب كفؤًا للحرة ولو عتيقة؛ لأنها تتعير به؛ إذ النقص والشين بالرق فوق النقص والشين بدناءة النسب، لكنه لا يعني أن الرق يمنع من صحة النكاح؛ لأن النبيقال لبريرة: «لو راجعتيه»، قالت: يا رسول الله، أتأمرني؟ قال: «إنما أنا شفيع»، قالت: لا حاجة لي فيه. ومراجعتها له ابتداء النكاح؛ فإنه قد انفسخ نكاحها باختيارها، ولا يشفع إليها النبي ﷺ في أن تنكح عبدًا إلا والنكاح صحيح.

10 - في حديث الضحاك دليل على أن من كان كافرًا وأسلم، وكان متزوجًا بمن يحرم الجمع بينهما، كأختين، وأسلمتا معه، فيجب عليه أن يختار واحدة ويفارق الأخرى، وسواء أكان تزوجهما بعقد واحد أو بعقدين، وسواء أكان دخل بهما أو دخل بإحداهما، وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة ومحمد بن الحسن، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف يجب مفارقتهما جميعًا[6].

11- وكذلك إذا جمع المسلم بين من يحرم عليه الجمع بينهن كما إذا عقد على أختين أو جمع بين امرأة وعمتها أو امرأة وخالتها، فإن كان في عقد واحد بطل نكاحهما، وإن كانا في عقدين بطل نكاح الثانية[7].

12- وفي حديث ابن عمر الأخير دليل على حرمة نكاح أكثر من أربع نساء، وهو مجمع عليه [8].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - عقد الزواج كغيره من العقود؛ أساسه الرضا من الجانبين، ولكنه يمتاز بأنه عقد الحياة كلها؛ يربط الأسر برباط المصاهرة، وفيه استفراش الرجل للمرأة الحرة؛ فكان من العدل والإنصاف الحكم بالكفاءة في الزواج، وجعلها حقًا للزوجة وأوليائها، مما يجعل الحياة الزوجية تثمر أطيب الثمرات في هدوء واستقرار، وبدونها لا يستقر لها قرار، إلا إذا كانوا قد رضوا به زوجًا مع ذلك النقص.

2 - مراعاة الكفاءة يولد احترام كل طرف للآخر؛ ومن ثم تنظر المرأة إلى زوجها نظرة تقدير واحترام كما ينظر هو إليها بهذه النظرة، وهذا كله يساعد على الألفة ودوام العشرة بينهما، وتماسك الأسرة، وإيجاد النسل وتربيته التربية الصالحة.

وهذا بخلاف ما لو كان الزوج غير كفؤ لها، فإنها ستنظر إليه نظرة استعلاء وتكبر لا تنسجم وما يجب أن تكون عليه الزوجة نحو زوجها؛ مما سيؤدي بالتأكيد إلى الجفاء بينهما، ثم الهجر وخراب البيت وانقطاع الحياة الزوجية وضياع الأطفال. فمن الخير إذن اعتبار الكفاءة للنكاح[9]، ومرادنا هنا استحبابًا -كما سبق ترجيحه- حتى يمكن تدارك الأمر قبل التوغل فيه؛ وذلك بفسخ النكاح إذا تبين فوات شرط الكفاءة، وأعطي هذا الحق للمرأة ولأوليائها لأنهم يتضررون أيضًا بفقدها؛ هذا بالنسبة للزوجة.

3 - أما بالنسبة لعائلتي الزوجين: فمن المعلوم أن من مقاصد الزواج التقارب بين عائلة الزوج وعائلة الزوجة عن طريق المصاهرة؛ وما يترتب على هذه المصاهرة من تعاون وتعاضد بين العائلتين وأقاربهما. ولا يتحقق شيء من هذا إذا وجد أولياء المرأة أن هذا الرجل ليس كفؤًا لامرأتهم ولا يناسب أن يكون زوجًا لها ولا صهرًا لهم، وأما إذا رضي أولياء المرأة ورضيت المرأة بالزواج من غير الكفؤ مع علمهم بعدم كفاءته وبدون تغرير منه، فلا شأن للآخرين بذلك، ويكون عقد الزواج صحيحًا؛ لأنه في هذه الحالة يُرَجَّحُ أن المرأة وأولياءها رأوا أن من مصلحتهم الرضا بهذا الزوج وإن لم يكن كفؤًا لها ولهم؛ وهم أعرف بمصلحتهم؛ وأحرص عليها من غيرهم[10].

4 - مزية الإسلام الجوهرية هي الدعوة إلى المساواة، ومحاربة التمييز العرقي أو العنصـري، ودعوات الجاهلية القبلية والنسبية، ولأن انتشار الإسلام بين الناس من غير العرب إنما كان أساسًا لهذه المزية، وإعلان حجة الوداع واضح؛ وهو أن الناس جميعًا أبناء آدم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى[11].

5 - الإسلام يقيم الوزن الأرجح للكفاءة في الدين، ولا يحول -إذا أمكن- دون ابتغاء ما دونها من كفاءات أخرى معنوية كانت أم مادية، أما إذا فقدت الكفاءة في الدين، فلن تعوضها أية كفاءة أخرى، في حين أن الدين عوض عن كل ما عداه، ومن ثمّ فإنه يجوز للفقير أن يتزوج الغنية، وللمولى أن يتزوج الشريفة القرشية إذا رضيت به، ولكن لا يجوز للفاسق ومفقود العدالة أن يتزوج الصالحة التقية، مهما توفرت له مقومات الكفاءة في الحسب والنسب والجاه والمال؛ لأنه يؤثر عليها في دينها وخلقها[12].

6 - المتعين على القاضي والمفتي تبيين الحكم الذي يجهله الخصم أو المستفتي، إذا كان يترتب على إخباره حكم شرعي يستفيد من معرفته[13].

طريقة الاستدلال:

1 - وجه كون الكفاءة شرط لزوم لا صحة: أنّه ﷺ أمر فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة بن زيد وهو مولى فنكحته، ولو كان شرط صحة لما صحّ العقد، ولأفسد النبي ﷺ العقد من أساسه، ولما خيّرها.

2 - رأي الجمهور فيمن جمع بين أختين قبل إسلامه -بناء على حديث الضحاك- أنه يختار إحدى الأختين: لأن الأخت المبقاة يجوز له ابتداء نكاحها، فجاز له استدامته كغيرها، ولأن أنكحة الكفار صحيحة، وإنما حرم الجمع، وقد أزاله.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة