حجم الخط:

محتوى الدرس (111)

حكم النكاح إذا أسلم أحد الزوجين قبل الآخر:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۚ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ۚ ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ [الممتحنة: 10].

إنما نفى الله حل الاستمتاع ولم ينف استمرار عقد النكاح، ولأنه لما نزلت: وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ طلق عمر بن الخطاب امرأتين كما في صحيح البخاري فلو كان الكفر منفردًا يفسخ النكاح لما طُلب منه ومن الصحابة الطلاق. والله أعلم.

[الأحاديث]

1027- عن ابن عبّاس قال: «رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ بِالنِّكَاحِ الأَوَّلِ، وَلَمْ يُحْدِثْ نِكَاحًا»، رواه أحمد والأربعة إلا النسائي، وصحَّحه أحمد والحاكم.

1028- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ»، رواه التّرمذيّ وقال: (حديث ابن عبّاس أجود إسنادًا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب). [ضعَّفه أحمد في العلل - رواية عبد الله (539)، وغيره].

1029- وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: «أَسْلَمَتْ امْرَأَةٌ، فَتَزَوَّجَتْ، فَجَاءَ زَوْجُهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي كُنْتُ أَسْلَمْتُ، وَعَلِمَتْ بِإِسْلَامِي، فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ الله ﷺ مِنْ زَوْجِهَا الآخَرِ، وَرَدَّهَا إِلَى زَوْجِهَا الأَوَّلِ»، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصحَّحه ابن حبان والحاكم. [ضعَّفه الألباني في ضعيف أبي داود (2/244)].

الدلالات الفقهية:

1 - في الأحاديث بيان حكم النكاح بعد أن يسلم أحد الزوجين قبل الآخر، فيبقى النكاح في حالة ما إذا أسلم الزوج وهي كتابية.

- فإن أسلم الزوج وهي غير كتابية، فيوقف الأمر إلى أن تنقضي العدة؛ فلا تنقطع عُلَقُ النكاح حتى تعتد، فإن أسلمت هي فالنكاح بحاله، وإن بقيت على كفرها تبين أن النكاح منفسخ منذ إسلام الزوج.

- وأما إذا أسلمت هي وزوجها كافر، فالجمهور أن الأمر متوقف إلى انقضاء العدة، فإن أسلم الزوج بقي النكاح، وإن لم يسلم تبين فسخه منذ أسلمت المرأة[1]، وسيأتي الترجيح في هذا كله.

2 - في حديث ابن عباس دليل أن النكاح يدوم ما لم تنكح المرأة، سواء انتهت عدتها أو لا، فما دامت هذه المرأة لم تنكح وأسلم قبل أن تنكح، فإن النكاح ثابت، فإذا نكحت انفسخ النكاح، وهو رواية عن الإمام أحمد، وقول ابن المنذر، واختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، وفي هذا مصلحة، وترغيب لمن لم يسلم منهما في الإسلام[2].

3 - قال ابن القيم: (لا نعرف اعتبار العدة في شيء من الأحاديث، ولا كان النبي ﷺ يسأل المرأة هل انقضت عدتها أم لا؟ ولا ريب أن الإسلام لو كان بمجرده فُرقة؛ لكانت فُرقة بائنة لا رجعية، فلا أثر للعدة في بقاء النكاح، وإنما أثرها في منع نكاحها للغير، فلو كان الإسلام قد نجّز الفرقة بينهما لم يكن أحق بها في العدة. ولكن الذي دل عليه حكمه ﷺ أن النكاح موقوف، فإن أسلم قبل انقضاء عدتها فهي زوجته، وإن انقضت عدتها فلها أن تنكح من شاءت، وإن أحبت انتظرته، فإن أسلم كانت زوجته من غير حاجة إلى تجديد نكاح، ولا يُعلم أحدٌ جدد بعد الإسلام نكاحه البتة مع كثرة من أسلم في عهده ﷺ). اهـ، قال الصنعاني: (وهو أقرب الأقوال في المسألة)[3].

4 - وفي حديث عمرو بن شعيب دليل على ما ذهب إليه الجمهور من أنه إذا أسلم أحد الزوجين بعد الدخول؛ وقف الأمر على انقضاء العدة، وإن أسلم الآخر بالعدة دام النكاح، وإلا بان فسخه منذ أسلم الأول، فإذا انقضت عدتها ولم يسلم فلا تحل لزوجها الكافر إلا بعقد جديد[4]، لكن الحديث ضعيف.

5 - وفي حديث ابن عباس الأخير دليل على أنه إذا أسلم الزوج وعلمت امرأته بإسلامه، فهي في عقد نكاحه، وإن تزوجت فهو تزوج باطل، فتنتزع من الزوج الآخر. واستظهر الصنعاني أنه أسلم وهي في العدة، وإذا أسلم وهي فيها فالنكاح باقٍ بينهما، فتزوجها بعد إسلامه باطل؛ لأنها باقية في عقد نكاحها، وإلا فزوجها الثاني أحق بها[5].

طريقة الاستدلال:

نصَّ حديث ابن عباس على أحقية الزوج بزوجته بعد العدة - ما لم تنكح أحدًا غيره- لما جاء أن رجعة أبي العاص وقعت بعد ست سنين، وهو حديث صحيح في مقابل الحديث الضعيف عن عمرو بن شعيب، والصحيح مقدم على الضعيف.

العيوب في النكاح:

[الأحاديث]

1030- عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: تَزَوَّجَ رَسُولُ الله ﷺ العَالِيَةَ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ وَوَضَعَتْ ثِيَابَهَا، رَأَى بِكَشْحِهَا بَيَاضًا فَقَالَ: «الْبَسِـي ثِيَابَكِ، وَالْـحَقِي بِأَهْلِكِ»، وَأَمَرَ لَهَا بِالصَّدَاقِ. رواه الحاكم، وفي إسناده جميل بن زيد، وهو مجهول، واختلف عليه في شيخه اختلافًا كثيرًا. [ضعَّفه البخاري في التاريخ الأوسط (3/462)، وغيره].

1031- وعن سعيد بن المسيب: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الـخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: «أيُّما رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَدَخَلَ بِهَا، فَوَجَدَهَا بَرْصَاءَ، أَوْ مَجْنُونَةً، أَوْ مَجْذُومَةً، فَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَسِيسِهِ إِيَّاهَا، وَهُوَ لَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنْهَا»، أخرجه سعيد بن منصور ومالك وابن أبي شيبة، ورجاله ثقات. [منقطع سعيد لم يدرك عمر].

1032- وروى سعيد أيضًا عن عليّ رضي الله عنه نحوه، وزاد: «وَبِهَا قَرَنٌ، فَزَوْجُهَا بِالْخِيَارِ، فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الـمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا». [ضعيف؛ الشعبي لم يسمع علي، كما في العلل للدارقطني (2/59)].

1033- ومن طريق سعيد بن المسيب أيضًا قال: «قَضـى عُمَرُ فِي العِنِّينِ، أَنْ يُؤَجَّلَ سَنَةً»، ورجاله ثقات. [منقطع].

التوضيح:

- رأى ِبكَشْحِهَا بَيَاضًا: الكشح هو ما بين الخاصرتين إلى الضلع.

- برصاء: البرص: هو بياض شديد يبقع الجلد.

- مجذومة: الجذام مرض معروف، وسمي بذلك لتجذم الأصابع وتقطعها وتساقطها.

- قَرَنٌ: القرن: يطلق على الطرف الشاخص من كل شيء، والمراد: انسداد الفرج بعظم.

- العِنِّينِ: العُنّة: بضم العين وتشديد النون؛ هي الانصراف والعجز عن الجماع.

الدلالات الفقهية:

1 - عقد النكاح من عقود المعاوضات، ومن شروط لزوم عقود المعاوضات خلو المعقود عليه من العيوب، ولهذا إذا كان أحد الزوجين فيه عيب، فإنه يحق للآخر أن يطالب بفسخ العقد، وهو قول الجمهور[6].

2 - في حديث كعب بن عجرة دليل على أن فسخ عقد النكاح بالعيب مشروع؛ لأن النبي ﷺ ردّ المرأة للعيب، وهو البياض الذي كان في جنبها. وكذلك دل عليه الأثر عن عمر وعليّ رضي الله عنهما حيث حكما بالتفريق بالعيوب المذكورة.

3 - الراجح -والله أعلم- هو عدم حصر العيوب الموجبة لفسخ عقد النكاح بعدد معين، بل إن كل عيب يحصل به ضرر فاحش، أو يكون منفرًا يمنع المقاصد المشروعة من النكاح يفسخ به عقد النكاح إذا طالب المتضرر من الزوجين بذلك، وهو قول محمد بن الحسن، وأبي ثور، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم [7].

4 - اتفق العلماء على ثبوت حق الزوجة في فسخ عقد النكاح بالعيب، واختلفوا في ثبوت ذلك في حق الزوج، والجمهور على أنه من حقه خلافًا للحنفية [8].

5 - وأفاد حديثا عمر وعليّ أنه إذا بان بها عيب بعد الدخول، وفُسخ العقد فإنه يثبت لها المهر المسمى لها في العقد وقد قال النبي ﷺ: «لها المهر بما استحل من فرجها»[9]، فالمهر إذًا يثبت بعد الدخول، ويطالب الزوج بالمهر من غرَّه بالزواج ولم يخبره بالعيب.

6 - ودلَّ أثر عمر وابن مسعود في العنين أنه يُنتظر مدة عام رجاء علاجه ولا شك أن لها الفسخ إن ثبت ذلك.

طريقة الاستدلال:

1 - عموم الأدلة الواردة التي لم تفرق بين الزوج والزوجة تثبت خيار الفسخ بالعيب في حق كلا الزوجين، وأحاديث: كعب، وعمر، وعلي صريحة في حق الزوج، كما دل القياس كذلك على ثبوت حق الفسخ بالعيب للرجل؛ قياسًا على ثبوت ذلك للمرأة، بجامع التضـرر؛ فإن كل واحد منهما يتضرر بعيب الزوج الآخر، فيجب أن يثبت خيار الفسخ للجميع[10].

2 - عموم الأدلة تدل على جواز فسخ عقد النكاح بالعيب، وما ذكر فيها من العيوب إنما جاء ذلك على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر، ويدل على ذلك عمل الصحابة رضي الله عنهم؛ فإنهم قالوا بفسخ عقد النكاح بغير ما ذكر من العيوب، مما يدل على أن تلك العيوب لم تأت على سبيل الحصر، يقول ابن القيم: (ومن تأمل في فتاوى الصحابة والسلف علم أنهم لم يخصوا الردَّ بعيب دون عيب)[11].

3 - ضابط: (كل عيب ينفر الزوج الآخر منه ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة، فإنه يوجب الخيار في الفسخ)[12].

Adobe Systemsباب عشرة النساء

الصبر على النساء وحسن معاملتهن:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء: 19] قال ابن كثير: (أَيْ: طيِّبُوا أَقْوَالَكُمْ لَهُنَّ، وحَسّنُوا أَفْعَالَكُمْ وَهَيْئَاتِكُمْ بِحَسَبِ قُدْرَتِكُمْ... فعَسَى أَنْ يَكُونَ صَبْرُكُمْ مَعَ إِمْسَاكِكُمْ لَهُنَّ وَكَرَاهَتِهِنَّ فِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ).

[الأحاديث]

1034- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ ﷺ قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا»، متّفق عليه، واللّفظ للبخاريّ.

ولمسلم: «لَنْ تَسْتَقِيم لَكَ عَلَى طَرِيقَةٌ، فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا».

التوضيح:

- وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا: أي: اقبلوا وصيتي فيهن، واعملوا بها وارفقوا بهن، وأحسنوا عشرتهن.

- مِنْ ضِلَعٍ: الضلع: واحد الأضلاع، والمراد: أن أول النساء (حواء) خرجت من ضلع آدم.

- فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ: أي إن أردت منها تسوية اعوجاجها أدى ذلك إلى فراقها.

- وإن تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ: أي: وإن لم تقمه لم يزل أعوج، فلا يُطْمَع في استقامتهن البتة.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - قوله: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ»: ليس معناه أن غير المؤمن له أن يؤذي جاره، وإنما معناه: أن تصديق الوعد والوعيد يحث على عدم إيذاء الجار [13].

2 - في الحديث الندب إلى المداراة لاستمالة النفوس، وتألف القلوب، وفيه سياسة النساء بأخذ العفو منهن، والصبر على عوجهن، وأن من رام تقويمهن فاته الانتفاع بهن، مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها، ويستعين بها على معاشه[14].

3 - الخير الموصى به في الحديث للمرأة: أن يداريها، ويلاطفها، ويوفيها حقوقها، ويعاملها بطلاقة الوجه، وكف الأذى، والإحسان إليها، والصبر على أذاها.

4 - الحديث قرن بين حق الجار، وبين حق الزوجة، كما قرنت بينهما الآية الكريمة: ﴿ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ [النساء:36] -على قول في تفسيرها- فقد ذكر بعض المفسرين أن الجار الجنب هو الجار في الدار، والصاحب بالجنب هو الزوجة.

5 - وفي الحديث دليل على أن أحوال الدنيا ناقصة، وأمورها لا تأتي على المطلوب والمراد، وأن الواجب على الإنسان التحمل والصبر، والقناعة بما يحصل من خيرها[15].

طريقة الاستدلال:

قوله: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ»: في هذه الصيغة دليل على تحريم إيذاء الجار، وأن إيذاءه خلل في الإيمان، والأصل فيما كان كذلك أنه محرم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة