حجم الخط:

محتوى الدرس (113)

آداب المعاشرة الزوجية:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [الرعد: 25]، قال ابن كثير: (أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228]).

وقال الله تعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ٩٧ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون: 97، 98] قال ابن كثير: (أَيْ: فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِي؛ وَلِهَذَا أَمَرَ بِذِكْرِ الله فِي ابْتِدَاءِ الْأُمُورِ وَذَلِكَ مَطْرَدَةٌ لِلشَّيَاطِينِ عِنْدَ الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ وَالذَّبْحِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ).

وقال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ٢٢٢ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [البقرة: 222، 223].

آية (223) من سورة البقرة إنما هي متممة لآية (222) فموضوعهما واحد هو: إباحة إتيان المرأة إذا تطهَّرت من الحيض من حيث أمر الله في قوله: ﴿ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [البقرة: 187] وإتيان المرأة في الدبر لا يتفق مع الطهارة التي ذكرها الله في الآية السابقة، بل التذكير بتقوى الله ولقائه في الآية الثانية يعني أن هناك محظورًا فذروه ولا يبعد أن يكون منه الدبر.

كما أن في الآيات التقديم بما يناسب المقام من الفعل والقول قبل الجماع؛ وذلك قوله تعالى: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ، ومنه ذكر: (باسم الله) في حديث ابن عباس.

وقال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ٢٩ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ٣٠ فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المعارج: 29-31] ويدخل في حفظ الفروج حفظ حديث الإفضاء إلى الزوجة.

[الأحاديث]

1039- عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ الله، اللهمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا»، متّفق عليه.

1040- وعن أبي هريرة عن النّبيّ ﷺ قال: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ فَبَاتَ غَضْبان عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا الـمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ»، متّفق عليه، واللّفظ للبـخاريّ، ولمسلم: «كانَ الذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا».

1041- وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ الله يَوْمَ القِيَامَةِ الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا»، رواه مسلم.

1042- وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: إِذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا، كَانَ الوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ [البقرة:223]»، متّفق عليه، واللّفظ لمسلم.

1043- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا»، رواه أبو داود والنسائي، واللفظ له، ورجاله ثقات، لكن أُعِلَّ بالإرسال. [أعلَّه البخاري في التاريخ الكبير (3/ 16)، والعقيلي في الضعفاء (2/ 291)، وغيرهما].

1044- وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَنْظُرُ الله إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا»، رواه التّرمذيّ والنسائي وابن حبّان، وأُعِلَّ بالوقف. [الراجح أنه موقوف كما في التلخيص الحبير (3/181)].

1045- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ»، أخرجاه، واللفظ لمسلم.

التوضيح:

- لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا: أي لم يسلط عليه؛ كما في رواية: «لم يسلَّط عليه الشيطان».

- دعا الرجل امرأته إلى فراشه: يعني دعاها إلى الجماع.

- يُفْضِي: الإفضاء الوصول، والمراد به هنا الجماع والمباشرة، وما يتعلق بهما.

- قوله تعالى: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ : الحرث: الزرع، أي: نساؤكم موضع حرثكم.

- قوله تعالى: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ : أي: من أي وجه شئتم، وكيف شئتم في موضع الحرث.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث أبي هريرة إخبار بأنه يجب على المرأة إجابة زوجها إذا دعاها للجماع، وأنه لا يجوز لها أن تمتنع منه إذا أرادها لحاجته، إلا لمانع شرعي، من صيام واجبٍ، أو إحرام بحج أو عمرة، أو مانع حسي، من مرض أو ضرر، أو حيض أو نفاس[1].

2 - وفي حديث أبي سعيد دليل على تحريم نشر تفاصيل ما يجري بين الزوجين من أمور تتعلق بالمعاشرة الزوجية [2].

3 - وفي حديث جابر دليل على جواز إتيان الزوجة على أيِّ صفة إذا كان ذلك في القُبُل، فللزوج الحق في الاستمتاع بزوجته على أيِّ صفة؛ ولو كان الاستمتاع في القبل من جهة ظهرها، وغير ذلك.

4 - وفي حديثي أبي هريرة وابن عباس الأخيرين دليل على تحريم إتيان المرأة في دبرها، وهذا قول الجماهير من أهل العلم [3].

5 - وفي حديث أنس دليل على جواز اتباع الجماع للجماع من غير غسل بينهما، وقد أجمع العلماء على أن الغسل بين الجماعين لا يجب [4].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - قال ابن دقيق العيد في حديث ابن عباس: (وفي الحديث استحباب التسمية وبيان بركتها في كل حال، وأن يعتصم بالله وذكره من الشيطان، والتبرك باسمه، والاستعاذة به من جميع الأسواء، وفيه: أن الشيطان لا يفارق ابن آدم في حال من الأحوال إلا إذا ذكر الله)[5].

2 - أسباب العصمة من الشيطان كثيرة منها الحسي، ومنها المعنوي: فهذا الدعاء من الوقاية المعنوية من الشيطان ونزغاته، فإذا وجد معه أيضًا الأسباب الأخرى، وانتفت الموانع؛ وجد المسبب الذي رُتّب عليه، وهو العصمة من الشيطان. وإن لم توجد الأسباب، أو وجدت ولكن حصل معها الموانع؛ لم يقع المسبب[6].

3 - وفيه دلالة على أن الذي عليه الحق إذا منع من هو له -وقد طلبه- أنه يوجب سخط الله تعالى على المانع، سواء كان الحق في بدن أو مال.

4 - وقيل: إنه يدل على أنه يجوز لعن العاصي المسلم إذا كان على وجه الترهيب له قبل أن يواقع المعصية، فإذا واقعها دعي له بالتوبة والمغفرة[7]، فلا يجوز لعن المعيّن، وإنما تُلعن الأوصاف.

5 - الشارع الحكيم سبحانه وتعالى لم يرتب مثل هذا الوعيد على الزوجة العاصية لزوجها إلا لما يترتب على عصيانها إياه من شرور؛ فإن الرجل -لا سيما الشاب- إذا لم يجد حلالًا، أغواه الشيطان بالوقوع في الحرام، فضاع دينه وخلقه، وفسد نسله، وخرب بيته وأسرته[8].

6 - قال الشوكاني في تحريم نشر تفاصيل ما يجري بين الزوجين من أمور تتعلق بالمعاشرة الزوجية: (وإنما خص النبي ﷺ في حديث أبي سعيد الرجل، فجعل الزجر المذكور خاصًا به ولم يتعرض للمرأة؛ لأن وقوع ذلك الأمر في الغالب من الرجال)[9].

طريقة الاستدلال:

1 - دليل وجوب إجابة المرأة زوجها إذا دعاها للفراش: لعن الملائكة لها؛ إذ لا يلعنون إلا عن أمر الله، ولا يكون إلا عقوبة، ولا عقوبة إلا على ترك واجب[10].

2 - قوله: «حتى تصبح»: ظاهره وجوب الإجابة في الليل فقط، ولا مفهوم له؛ لأنه خرج ذكره مخرج الغالب، فيجب عليها إجابته ليلًا أو نهارًا، وقد أخرجه غير مقيد بالليل ابن خزيمة وابن حبان[11].

3 - دل قياس الأولى على تحريم وطء المرأة في الدبر: وذلك أن الله تعالى قد حرم الوطء أثناء الحيض في الفرج؛ لأجل الأذى العارض، فما الظن بالحش الذي هو موضع الأذى الدائم[12].

حكم العزل:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: 228] يدخل في الذي لهن حقهن في تمام الاستمتاع إلا أن يتنازلن.

[الأحاديث]

1046- عن جذامة بنت وهب رضي الله عنها قالت: حَضَرْتُ رَسُولَ الله ﷺ فِي أُنَاسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسَ فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ أَوْلَادَهُمْ شَيْئًا»، ثمّ سألوه عن العزل فقال رسول الله ﷺ: «ذَلِكَ الوَأْدُ الـخَفِيُّ»، رواه مسلم.

1047- وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ لِي جَارِيَةً، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ اليَهُودَ تُحَدِّثُ: أَنَّ العَزْلَ المَوْؤُدَةُ الصُّغْرَى. قَالَ: «كَذَبَتْ يَهُودُ، لَوْ أَرَادَ الله أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْـرفَهُ»، رواه أحمد وأبو داود واللفظ له، والنسائي والطحاوي، ورجاله ثقات. [حديث معلول، وفي إسناده مجهول، وهو في الصحيح بمعناه عن أبي سعيد بإسناد آخر].

1048- وعن جابر رضي الله عنه قال: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ»، متفق عليه، ولمسلم: «فبلغ ذلك نبي الله ﷺ فلم ينهنا عنه».

ترجمة الراوي:

جذامة بنت وهب الأسدية، لها سابقة وهجرة، أسلمت قديمًا بمكة، وبايعت النبي ، وهاجرت مع قومها إلى المدينة، وكانت تحت أنيس بن قتادة بن ربيعة

التوضيح:

- الْغِيلَة: هي أن يجامع الرجل زوجته وهي مرضع.

- الْعَزْل: هو أن ينزع الزوج أثناء الجماع إذا قارب الإنزال، فينزل خارج الفرج حتى لا تحمل الزوجة.

- الوَأْدُ: هو دفن البنت وهي حية، وأصله الثقل، وسميت تلك البنت بالموؤدة؛ لما يطرح عليها من التراب، فيئدها ويثقلها حتى تموت.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث جدامة جواز الغيلة فإنه ﷺ لم ينه عنها، وبين سبب ترك النهي.

2 - دل حديث جذامة أيضًا على النهي عن العزل، وظاهره تحريم ذلك مطلقًا، سواء أذنت المرأة أو لم تأذن، وهو قول الظاهرية، ورواية عند الحنابلة[13]، وكذلك قياسًا للعزل على الوأد، فالوأد يرفع النسل بعد وجوده، وأما العزل، فهو منع لأصل النسل، فتشابها في الحرمة.

2 - وفي ظاهر حديثي أبي سعيد وجابر أن العزل مباح، وهو قول الجمهور من حيث الجملة، وذلك بشرط أن يكون بإذن الزوجة الحرة؛ فيحرم بغير رضاها عند الجمهور، خلافًا للشافعية القائلين بالكراهة فقط، وأما لو كانت الزوجة أمة، فيجوز بلا إذنها[14].

3 - قال ابن القيم: (فهذه الأحاديث صريحة في جواز العزل، وقد رويت الرخصة فيه عن عشـرة من الصحابة: علي، وسعد بن أبي وقاص، وأبي أيوب، وزيد بن ثابت، وجابر، وابن عباس، والحسن بن علي، وخباب بن الأرت، وأبي سعيد الخدري، وابن مسعود رضي الله عنهم )[15].

4 - يلحق بالعزل ما يستعمل في هذا العصر من وضع غلاف رقيق على عضو التناسل ليمنع من نفوذ الماء إلى الرحم، وحبوب منع الحمل، أو أن يوضع بالرحم ما يمنع وصول الحيوان المنوي إلى البويضة وهو ما يسمى باللولب وغير ذلك، ويجري في جميع ما تقدم الخلاف السابق.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - كان الجاهليون يدفنون بناتهم أحياء لسببين: أحدهما: كانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات به. الثانية: إما مخافة الحاجة والإملاق، وإما خوفًا من السبي والاسترقاق. ووجه تسمية العزل وأدًا هو: مشابهته الوأد في تفويت الحياة[16].

2 - ودلَّ حديثا جذامة وأبي سعيد على أن أخذ العلوم غير الشرعية من الأمم الكافرة لا يعد تقليدًا لهم، وركونًا إليهم، وتشبهًا بهم، فهذه العلوم من سنن الله الكونية، من أخذ بأسبابها حصّلها من مسلم وكافر، فليست ملكًا لأحد، وإنما يدركها من بحث فيها[17].

3 - ويدلُّ الحديث على أن إرادة الله الكونية نافذة، فلا يردها عمل وقاية منها، ولا حذر، ومع هذا: فالإنسان مأمور بعمل الأسباب المفيدة النافعة، فإن الله تعالى إذا أراد وقاية أحد من شيء؛ جعل له سببًا واقيًا منه[18].

طريقة الاستدلال:

1 - في حديث جدامة أن ما يأتي به النبي بإدراكه البشري في الأمور الدنيوية؛ كالغيلة، وتأبير النخل، قد يصيب فيها، وقد لا يصيب؛ لأنَّها لا تتعلق بالرِّسالة، والتشريع، وإنَّما هي من الأمور التي يرجع فيها إلى التجربة والبحث[19].

2 - دلَّ حديث جابر رضي الله عنه على أن ما وقع في زمن النبي ﷺ يعتبر حجة؛ وإن لم يكن اطلع النبي ﷺ عليه، قال الحافظ: (أراد بنزول القرآن أعم من المتعبَّد بتلاوته أو غيره مما يُوحى إلى النبي ﷺ، فكأنه يقول: فعلناه في زمن التشريع ولو كان حرامًا لم نُقَرّ عليه، وإلى ذلك يشير قول ابن عمر: كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا هيبة أن ينزل فينا شيء على عهد النبي ﷺ ، فلما مات النبي ﷺ تكلمنا وانبسطنا. أخرجه البخاري)[20].

Adobe Systemsباب الصداق

تخفيف الصداق:

[تمهيد]

قال تعالى: ﴿ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ [النساء: 25] قال ابن كثير: (أَيْ: وَادْفَعُوا مُهُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ).

[الأحاديث]

1049- عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ»، أخرجه أبو داود، وصحَّحه الحاكم. [قال أبو داود في سننه (2117): يخاف أن يكون هذا الحديث ملزقا لأن الأمر على غير هذا].

1050- وعن أبي سلمة بن عبد الرّحمن أنّه قال: «سَألتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ الله ﷺ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا. قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ. فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ الله ﷺ لِأَزْوَاجِهِ»، رواه مسلم.

1051- وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: «لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ: «أَعْطِهَا شَيْئًا»، قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ. قَالَ: «فَأَيْنَ دِرْعُكَ الحُطَمِيَّةُ؟» رواه أبو داود والنسائي، وصحَّحه الحاكم. [وابن حبان في الصحيح (6945)، وغيره].

1052- وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنّ النّبيّ ﷺ قال: «مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ سَوِيقًا، أَوْ تَمْرًا، فَقَدْ اسْتَحَلَّ»، أخرجه أبو داود، وأشار إلى ترجيح وقفه. [وكذلك العقيلي في الضعفاء (3/ 231)، وقال الحافظ في فتح الباري (9/ 211): (قد وردت أحاديث فى أقل الصداق، لا يثبت منها شيء)].

1053- وعن عامر بن ربيعة رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ أَجَازَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ عَلَى نَعْلَيْنِ»، أخرجه التّرمذيّ وصحَّحه، وخولف في ذلك. [قال أبو حاتم في العلل (1276): منكر].

1054- وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: «زَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا امْرَأَةً بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ»، أخرجه الحاكم، وهو طرف من الحديث الطّويل المتقدّم في أوائل النّكاح.

1055- وعن عليٍّ قال: «لَا يَكُونُ الـمَهْرُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ»، أخرجه الدراقطني موقوفًا، وفي سنده مقال. [ضعَّفه البيهقي في الكبير (14/ 504)، وغيره، وانظر تضعيفه في سنن الدارقطني (3/ 244)].

التوضيح:

- أُوقِيَّةً: الأوقية: أربعون درهمًا، ووزن الدرهم = 2.97 جم فضة، والمهر خمسمائة درهم، فيكون مقداره بالجرامات (1487) جم فضة تقريبًا، والخسمائة درهم تساوي خمسين دينارًا، لأن الدينار كان يصرف بعشرة دراهم، ووزن الدينار = 4.25 جم ذهب، فيكون مقدار المهر بالجرامات الذهب (212) جم تقريبًا.

- وَنَشًّا: النش نصف أوقية.

- دِرْعُكَ الحُطَمِيَّة: منسوبة إلى حطمة بن محارب، وهم قوم يعملون الدّروع.

- سَوِيقًا: هو دقيق القمح المقليّ أو الذرة أو الشعير أو غيرها.

الدلالات الفقهية:

1 - في الأحاديث دليل على أن المهر واجب للمرأة، وهو أمر مجمع عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء: 4][21].

2 - وعن حديث أبي سلمة بن عبد الرّحمن قال الإمام النووي: (استدلَّ أصحابنا بهذا الحديث على أنه يستحبُّ كون الصَّداق خمسمائة درهم، والمراد في حق من يحتمل ذلك، فإن قيل: فصداق أم حبيبة زوج النبي كان أربعة آلاف درهم وأربعمائة دينار: فالجواب: أنَّ هذا القدر تبرَّع به النجاشيّ من ماله إكرامًا)[22].

3 - في حديث جابر بن عبد الله، وحديث عامر بن ربيعة، وحديث سهل بن سعد دليل على أنه لا حد لأقل المهر، بل كل ما كان مالًا جاز أن يكون مهرًا، وهذا قول الشافعية والحنابلة، مع استحبابهم ألا ينقص عن عشرة دراهم؛ خروجًا من الخلاف [23].

4 - ودلَّت الأحاديث على أن قبضة السويق، وخاتم الحديد، والنعلين، وتعليم القرآن، وإسلام الزوج: يصح تسميتها مهرًا، وتحل بها الزوجة. كما دلت على أن المغالاة في المهر مكروهة في النكاح، وأنها من قلة بركته وعُسره[24].

5- وأفادت الأحاديث أنه يستحب تسمية المهر للنكاح؛ لأنه أقطع للنزاع وأنفع للمرأة، فلو عقد بغير ذكر صداق صح، ووجب لها مهر المثل بالدخول[25]. ولا يجوز التواطؤ على ترك المهر، ولا يسقط ولو أسقطته المرأة، ولكن لو وهبته له، أو أبرأته منه بعد ثبوته لها، فيجوز ذلك بالإجماع [26].

6- ودلَّ حديث عليّ رضي الله عنه على أنّ الحد الأدنى للمهر هو عشرة دراهم، وهو قول الحنفية، وقال المالكية: أقله ربع دينار ذهبًا، أو ثلاثة دراهم فضة. وهذا قياس منهم على حد السرقة، فنصاب السرقة الذي فيه القطع عند الحنفية: عشرة دراهم، وعند المالكية: ربع دينار ذهبًا، أو ثلاثة دراهم فضة[27]. وفي الأحاديث السابقة، وقوله ﷺ: «التمس ولو خاتما من حديد» ردٌّ عليهم، بالإضافة إلى ضعف حديث علي.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - في حديث عقبة بن عامر دليل على أفضلية النكاح مع قلة المهر، وأن الزواج بمهر قليل مندوب إليه؛ لأن المهر إذا كان قليلًا لم يستصعب النكاح من يريده، فيكثر الزواج المرغب فيه، ويقدر عليه الفقراء، ويكثر النسل الذي هو أهم مطالب النكاح، بخلاف ما إذا كان المهر كثيرًا، فإنه لا يتمكن منه إلا أرباب الأموال، فيكون الفقراء الذين هم الأكثر في الغالب غير مزوجين، فلا تحصل المكاثرة التي أرشد إليها النبي ﷺ [28].

2 - الصداق لم يقصد على أنه عوض فقط، وإنما قصد على أنه نحلة وهدية، يكرم بها الرجل زوجته عند دخوله عليها، ومقابلته لها، جبرًا لخاطرها، وإشعارًا بقدرها[29].

3 - في حديث ابن عباس دليل على أن الأولى في حق الفقير أن يكون المهر المقدم منه للمرأة يسيرًا، فقد زوج النبي ﷺ ابنته لعليّ رضي الله عنه، وطلب إليه لما يعلم من حاله أن يصدقها درعه الحطمية، كما زوج عليه ﷺ المرأة التي وهبت نفسها له من الصحابي الفقير، وجعل صداقها ما يحفظ من القرآن، وتزوجت أم سليم أبا طلحة، وجعلا صداق ما بينهما إسلامه، كما تزوج عبد الرحمن بن عوف بزنة نواة من ذهب [30].

4 - وفيها دليل على أن الشارع يرغب في الزواج والإقدام عليه، والحث على تخفيف المهر لئلا يكون حجر عثرة في سبيل طريق هذا العقد الخيري الذي يحصل به إعفاف الجنسين، وحصول الذرية، وتحقيق مباهاة النبي ﷺ بتكثير سواد أمته في الدنيا، ليكونوا قوة في وجه عدوهم، وفي القيامة حينما يباهي بكثرتهم الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام[31].

طريقة الاستدلال:

1 - أحيانًا يطلق الكل ويراد به الأكثر -كما سبق معنا في صيام شعبان- وإطلاق الحديث بأن جميع الزوجات كان صداقهن ما سبق ذكره؛ محمول على الأكثر، وإلا فخديجة وجويرية بخلاف ذلك، وصفية كان عتقها صداقها، وأم حبيبة أصدقها عنه النجاشي أربعة آلاف درهم[32].

2 - قياس أقل المهر على أول ما يقطع به يد السارق قياس ضعيف، قال ابن القيم: (وهو من أفسد القياس، وأين النكاح من اللصوصية؟! واستباحة الفرج من قطع اليد؟!)[33].

جعل العتق صداقًا وما يهدى للمرأة:

[تمهيد]

قال تعالى: ﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ٢٧ قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ۖ وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [القصص: 27، 28].

دلالة الآية واضحة وقد سمى الله المهر أجرًا في مواضع من كتابه، وهو يقع على الجزاء المقابل سواء كان مالًا أو منفعة.

[الأحاديث]

1056- عن أنس رضي الله عنه: «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا»، متّفق عليه.

1057- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ عَلَى صَدَاقٍ، أَوْ حِبَاءٍ، أَوْ عِدَةٍ، قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ، فَهُوَ لَهَا، وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ، فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ، وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ ابْنَتُهُ أَوْ أُخْتُهُ»، رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي. [ضعيف لانقطاعه، فيما نقله الترمذي في العلل الكبير (ص:108)].

التوضيح:

- أيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ: أي تزوجت.

- حِبَاء: هو عطية خاصة، وتسمى: الحلوان. وهو ما تعطاه المرأة أو غيرها زيادة على مهرها.

- عِدَةٍ: أي وعد بعطية.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث أنس دليل على جواز أن يجعل الصداق عتقًا، وأن العتق والمهر صحيحان[34].

2 - وفي حديث عمرو بن شعيب دليل على أن المرأة تستحق جميع ما يذكر قبل العقد من صداق أو حباء أو عدة؛ ولو كان ذلك الشيء مذكورًا لغيرها، وأن ما يذكر بعد عقد النكاح فهو لمن جُعل له، سواء كان وليًّا أو غير ولي، أو المرأة نفسها [35].

3 - يجوز للمهدي الرجوع عن الهدايا في حال العدول عن الخطبة إذا لم يكن هو المتسبب في العدول، بل كان العدول من الطرف الآخر، فإن كان العدول من طرفه هو، فلا يحق له أن يستردّ شيئًا من الهدايا سواء كانت قائمة أو مستهلكة، وهو قول الحنابلة، والأوجه عند المالكية، واختيار شيخ الإسلام[36].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

دل زواجه ﷺ بصفية على كمال رأفته، فهذه أرملة فقدت أباها مع أسرى بني قريظة المقتولين، وفقدت زوجها في خيبر، وهما سيدا قومهما، ووقعت في الأسر، وبقاؤها تحت أتباعه زوجة أو أمة ذل وكسر لعزها، ولا يرفع شأنها، ويجبر قلبها إلا أن تنقل من سيد إلى سيد، فكان هو أولى بها ﷺ[37].

طريقة الاستدلال:

الجواب على القول بخصوصية ما جاء في حديث أنس: أن الأصل عدم الخصوصية؛ قال ابن القيم: (ولم يقل النبي ﷺ: هذا خاص بي، ولا أشار إلى ذلك مع علمه باقتداء أمته به، ولم يقل أحد من الصحابة: إن هذا لا يصلح لغيره، بل رووا القصة ونقلوها إلى الأمة، ولم يمنعوهم ولا رسول الله ﷺ من الاقتداء بـه في ذلك)[38].

استحقاق المرأة للصداق والمتعة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ٢٣٦ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ [البقرة: 236، 237] في الآية التفصيل في الصداق بين المدخول بها وغير المدخول بها.

وقال الله تعالى ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة: 241].

قال ابن كثير: (وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى وُجُوبِ المُتْعَةِ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُفَوَّضَةً أَوْ مَفْرُوضًا لَهَا أَوْ مُطَلَّقًا قَبْلَ الْمَسِيسِ أَوْ مَدْخُولًا بِهَا، وَهُوَ قَوْلٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ -رَحِمَهُ الله- وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ).

[الأحاديث]

1058- عن علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه: «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا العِدَّةُ، وَلَهَا الـمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: قَضَـى رَسُولُ الله ﷺ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ -امْرَأَةٍ مِنَّا- مِثْلَ مَا قَضَيْتَ، فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ». رواه أحمد والأربعة، وصحَّحه التّرمذيّ وجماعة. [كابن مهدي فيما نقله الحافظ في التلخيص الحير (5/2380)، والبيهقي في الكبير (14/516)، وغيرهما].

1059- وعن عائشة رضي الله عنها أَنَّ عَمْرَةَ بِنْتَ الـجوْنِ تَعَوَّذَتْ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ حِينَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ -تَعْنِي لَمَّا تَزَوَّجَهَا- فَقَالَ: «لَقَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ»، فَطَلَّقَهَا، وَأَمَرَ أُسَامَةَ فَمَتَّعَهَا بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ. أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده راو متروك، وأصل القصة في الصحيح من حديث أبي أسيد الساعدي.

ترجمة الراوي:

أبو أسيد الساعدي: مالك بن ربيعة بن عامر بن عوف بن حارثة الخزرجي الأنصاري، شهد بدرًا، والمشاهد كلها مع النبي ﷺ، اختلف في وفاته اختلافًا عجيبًا، فقيل: توفي سنة (30)، وقيل: توفي سنة (60)، وعليه يكون هو آخر من مات من البدريين.

التوضيح:

- ولم يفرض: أي: لم يقدر ولم يعين لها صداقًا.

- ولم يدخل بها: أي: لم يجامعها، ولم يخل بها خلوة صحيحة.

- مثل صداق نسائها: أي: نساء قومها.

- لا وكس: أي: لا نقص.

- ولا شطط: أي: ولا زيادة.

- ابْنَةَ الجَوْن: قال الصنعاني: (اختلف في اسم ابنة الجون المذكورة اختلافًا كثيرًا، ونفع تعيينها قليل، فلا نشتغل بنقله)[39].

- معنى «أعوذ بالله» أي: ألتجئ وأعتصم وأتحرّز وأستجير.

الدلالات الفقهية:

1 - إذا دخل الزوج بزوجته، وكان قد سمى لها مهرًا، فإنه يلزمه كله بالدخول، أو الخلوة الصحيحة؛ لأنه تحقق به تسليم المبدل، وإن كان قد طلقها قبل الدخول بها فإنه يلزمه نصف المهر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ [البقرة: 237].

2 - وفي حديث ابن مسعود دليل على أن المرأة تستحق كمال المهر بالموت إن سُمِّي لها. وإن لم يسمَّ لها ولا دخل بها الزوج تستحق مهر مثلها، وهذا هو قول أبي حنيفة وأحمد [40].

3 - وفي حديث عائشة دليل على مشروعية المتعة للمطلقة قبل الدخول، واتفق الأكثر على وجوبها في حق من لم يسمِّ لها صداقًا؛ وقد قال الله تعالى: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [البقرة: 236]، وظاهر الأمر الوجوب.

4 - وأما تمتيع من لم يسمِّ الزوج لها مهرًا، ودخل بها، ثم فارقها، فقد اختلف في ذلك، فذهب عليٌّ وعمر والشافعي إلى وجوبها أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة: 241]، وذهبت الحنفية إلى أنه لا يجب إلا مهر المثل لا غير، قالوا: وعموم الآية مخصوص بمن لم يكن قد دخل بها، والذي خصَّه الآية الأخرى التي أوجب فيها المتعة؛ لأنه شرط فيها عدم المس، وهذا قد مس[41].

5 - إنما طلقها لأن قولها ذلك يدل على كرهها له، وقد أخذ أهل العلم منه أن من خصائصه ﷺ حرمة نكاح من كرهت صحبته، قال أبو حفص الأنصاري في غاية السول في خصائص الرسول: (وجدير أن يكون الأمر كذلك لما فيه من الإيذاء، وقيل إنما كان يفارقها تكرُّمًا).

طريقة الاستدلال:

حديث عائشة فيه دلالة فعل من النبي ﷺ، فلا تدل على الوجوب، إلا أن الذي دلَّ على الوجوب هو الأمر بالمتعة في الآية.

Adobe Systemsباب الوليمة

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة