باب الخلع
قال الله تعالى: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ٢٢٩ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ [البقرة: 229، 230]. ذِكْرُ الخلع قبل الطلقة الثالثة مع عدم احتسابه في عدد الطلقات في الآيات يفيد أن الخلع ليس طلاقًا بل فسخ وأنه مشروع، وعليه فما يترتب عليه من أحكام يختلف عما يترتب على الطلاق.
1084- عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟» قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «اقْبَلِ الْـحَدِيقَةَ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً»، رواه البخاريّ، وفي رواية له: «وأمره بطـلاقها».
ولأبي داود والترمذي وحسَّنه: «أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عِدَّتَهَا حَيْضَةً». [لا يصح؛ أعلَّه بالإرسال: أبو داود في السنن (2202)، والبيهقي في الكبير (15/ 607)].
1085- وفي رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عند ابن ماجه: «أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ كَانَ دَمِيمًا وَأَنَّ امْرَأَتَهُ قَالَتْ: لَوْلَا مَخَافَةُ الله إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ لَبَصَقْتُ فِي وَجْهِهِ». [ضعَّفه الألباني في تحقيق سنن ابن ماجه (2047)].
1086- ولأحمد من حديث سهل بن أبي حثمة: «وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ خُلْعٍ فِي الإِسْلَامِ». [إسناده ضعيف].
- الخلع: مأخوذ من خلع الثوب؛ لأن كل واحد من الزوجين لباس للآخر، فإذا اختلعا، فكأن كل واحد منهما نزع لباسه عن صاحبه، والخلع في الاصطلاح: فراق الزوج زوجته ببذل مقابل العوض يحصل لجهة الزوج[1].
- وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ: أي: أخاف على نفسي ما ينافي مقتضى الإسلام من الانحدار إلى فعل ما يحرم بكفران العشير، والنشوز بسبب بغضي لزوجي.
1 - في الأحاديث دليل على مشروعية الخلع، إذا تشاقّ الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته، ولم تقدر على معاشرته بسبب شكله، أو خُلُقه، أو ضعفه، أو نحو ذلك، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها له، ولا حرج عليه في قبول ذلك منها.
2 - دل على جواز الخلع قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ﴾ [البقرة:229]، وأجمع العلماء عليه [2].
3 - وفي حديث ابن عباس دليل على جواز أخذ العوض في الخلع، وقد أجمع العلماء على ذلك[3]. والعوض: هو ما يأخذه الزوج من زوجته، مقابل خلعه لها، ويجوز أن يكون مالًا، كما يجوز أن يكون منفعة.
4 - عوض الخلع يجوز بما اتفق عليه الزوجان، فيصح أن يكون قليلًا أو كثيرًا، سواء بمهر المثل أو أقل أو أكثر، إلا أنّه يحرم عليه الأخذ في حالة ما إذا عضلها؛ ليضطرها إلى الفداء، والمروءة تقتضي ألا يأخذ أكثر مما أعطاها، إلا إذا كان أعطاها المهر في وقت رخص، ثم طلقها في وقت المهور فيه مرتفعة، فلا غضاضة في أخذه الزيادة[4].
5 - إذا صرّح الزوج بلفظ الطلاق في الخلع أو نوى به الطلاق فإنه يكون طلاقًا[5]، ورجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يكون فسخًا مُطْلَقًا ولو نوى به الزوج الطلاق أو تلفظ بالطلاق، فكل ما أخذ فيه العوض فهو خلع لا طلاق[6].
6 - إذا خالع الرجل بدون لفظ الطلاق، فالجمهور على أنه يكون طلاقًا أيضًا؛ لقوله في الحديث: «وطلقها تطليقة»، والراجح أنه يكون في هذه الحالة فسخ، وهو قول إسحاق، ورواية عن أحمد، ورجَّحه شيخ الإسلام وابن القيم[7].
7 - وفيه دليل على أن عدة المختلعة حيضة واحدة، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية حيث قال: وقد ثبت بدلالة الكتاب، وصريح السنة، وأقوال الصحابة: أن المختلعة ليس عليها إلا الاستبراء بحيضة، لا عدة كعدة المطلقة، وذكر مكي: أنه إجماع الصحابة [8].
8 - وفيهما أنه يباح الخلع إذا حصلت الكراهة من المرأة دون الرجل، فلا يشترط وجود الكراهية من الطرفين، فالشقاق إذا حصل من قبل المرأة فقط جاز الخلع والفدية، ولا يتقيد ذلك بوجوده منهما جميعًا، وأن ذلك يشرع إذا كرهت المرأة عشـرة الرجل ولو لم يكرها، ولم يرَ منها ما يقتضي فراقها[9].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
بيان الحكمة من مشروعية الخلع، فمن رحمة الله تعالى أن الشـريعة أباحت للمرأة طلب الخلع إذا كانت كارهة لزوجها راغبة عنه، وذلك في مقابلة ما بيد الرجل من الطلاق، فإذا لم يستطع الرجل العيش بسعادة مع زوجته، ولم يجد لذلك علاجًا، فإنه يوقع الطلاق، وكذلك المرأة إذا كانت كارهة لزوجها ولا تستطيع العيش معه، فإن الله سبحانه شرع لها الخلع لتفتدي نفسها من زوجها.
وهكذا يراعي الإسلام جميع الحالات الواقعية التي تعرض للناس، ويراعي مشاعر القلوب الجادة التي لا حيلة للإنسان فيها، ولا يقسر الزوجة على حياة تنفر منها، وفي الوقت ذاته لا يضيع على الرجل ما أنفق بلا ذنب جناه.
1 - عوض الخلع يجوز بما اتفق عليه الزوجان؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ﴾ [البقرة:229]، وكذلك قياسًا على الصداق، وقد سبق ترجيح جواز أن يكون قليلًا أو كثيرًا.
2 - الراجح أن الخلع يكون فسخًا؛ للفروق العديدة بين الخلع والطلاق، فيصح في الخلع أن يكون في طهر قد مُسّت المرأة فيه بخلاف الطلاق، كما أن الخلع لو كان طلاقًا؛ لما جاز في الحيض؛ لأن الله حرم طلاق الحائض، وغير ذلك من الفروق[10]. وفي أمره ﷺ المختلعة أن تعتد بحيضة واحدة دليل على حكمين: أحدهما: أنه لا يجب عليها ثلاث حيض بل تكفيها حيضة واحدة، والثاني: أن الخلع فسخ وليس بطلاق[11].
3 - قاعدة: (الضرر يزال): ومن ذلك مشروعية الخلع، فإن فيه رفعًا للضـرر، ومن قواعد الشريعة أن الضرر يزال.