باب الرضاع
قال الله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ... ﴾ [النساء: 23] لما كانت المرضعة أمًا له كان زوجها أبًا له؛ لأن اللبن ثابت له بسبب وطئه، وذكر تحريم الأخوات من الرضاعة يدل على انتشار الحرمة بالرضاع، وإلا لاكتفى بذكر الأمهات من الرضاعة.
1141- عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة»، متفق عليه.
1142- وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيدَ عَلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ. فَقَالَ: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي؛ إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ»، متّفق عليه.
1143- وعن عائشة رضي الله عنها أَنْ أَفْلَحَ -أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ- جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا بَعْدَ الحِجَابِ. قَالَتْ: فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ الله ﷺ أَخْبَرْتُهُ بِالذِي صَنَعْتُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ. وَقَالَ: «إِنَّهُ عَمُّكِ»، متّفق عليه.
روى مسلم بإسناده عن عليٍّ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ما لك تنوق في قريش وتدعنا؟ فقال: «وعندكم شيء؟» قلت: نعم، بنت حمزة، فقال رسول الله ﷺ: «إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة».
توضيح حديث عائشة الثاني:
يتبين بما جاء في رواية أبي داود حيث قالت: «دخل عليَّ أفلح فاستترت منه، فقال: أتستترين مني وأنا عمك؟! قلت: من أين؟! قال: أرضعتك امرأة أخي. قلت: إنما أرضعتني المرأة، ولم يرضعني الرجل... الحديث».
1 - في حديثي عائشة وابن عباس أنه يثبت في الرضاع مثلما يثبت في النسب من التحريم؛ فكل امرأة حُرّمت نسبًا، حُرّمت من تماثلها رضاعًا.
2 - الذين تنتشر فيهم المحرمية من أجل الرضاع، هم المرتضع وفروعه، أما أصوله وحواشيه فلا يدخلون في المحرمية، والرضيع يكون كأحد أولاد المرضعة، فتكون أمه، وصاحب اللبن أباه، وأولادهما أخوته، وقد أجمع العلماء على انتشار الحرمة بين المرضعة وأولاد الرضيع، وبين الرضيع وأولاد المرضعة، وأنه في ذلك كولدها من النسب لهذه الأحاديث[1].
3 - أجمعت الأمة على ثبوت حرمة الرضاع بين الرضيع والمرضعة، وأنه يصير ابنها، يحرم عليه نكاحها أبدًا، ويحل له النظر إليها، والخلوة بها، والمسافرة. ولا يترتب عليه أحكام الأمومة من كل وجه؛ فلا يتوارثان، ولا يجب على واحد منهما نفقة الآخر، ولا يعتق عليه بالملك، ولا ترد شهادته لها، ولا يعقل عنها، ولا يسقط عنها القصاص بقتله، فهما كالأجنبيين في هذه الأحكام[2].
4 - وحديث ابن عباس يدل على أن بنت الأخ من الرضاعة حرام.
5 - وفي حديث عائشة الثاني دليل على ثبوت حكم الرضاع في حق زوج المرضعة وأقاربه، وأن حكمهم حكم المرضعة؛ وذلك لأن الوطء يدر اللبن، فللرجل منه نصيب، فوجب أن يكون الرضاع منهما، كالجد لما كان سبب ولد الولد؛ أوجب تحريم ولد الولد به؛ لتعلقه بولده، وإلى هذا ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين وأهل المذاهب، والحديث دليل واضح لمن ذهبوا إليه [3].
6 - الرجل المنسوب اللبن إليه لكونه زوج المرأة يصير الرضيع ولدًا له، وأولاد الرجل: أخوة الرضيع وأخواته، وتكون أخوة الرجل: أعمام الرضيع، وأخواته: عماته، وتكون أولاد الرضيع: أولاد الرجل[4].
7 - وفي حديث عائشة أن من ادعى رضاعًا وصدَّقه الرضيع ثبت حكم الرضاع بينهما ولا يحتاج إلى إقامة بيِّنة، فإن أفلح ادعاه وصدَّقته عائشة، وأذن له الشارع بمجرد ذلك.
8 - وفيه استئذان الرجال المحارم على محارمهم وأن المرأة لا تأذن لأحد في الدخول عليها إلا بإذن الزوج، أو بأن يكون محرمًا لها.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
احتياط المرأة الصالحة من مواجهة الأجانب، كما فعلت عائشة التي لم تأذن إلا بعد التأكد من صحة محرميته لها، والنبي ﷺ لم يَلُم عائشة ولم ينكر عليها تحرِّيها واحتياطها، فهو أمر لا بد منه[5].
1 - ليس في قوله تعالى: ﱡ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ﴾ [النساء: 23]. ما يعارض الحديث؛ فإن ذكر الأمهات لا يدل على أن ما عداهن ليس كذلك.
ثم إن دلَّ بمفهومه على أن الحكم لا يتعدى من ذكر في الآية، فهو مفهوم لقب، وهذا النوع من المفاهيم ضعيف ومطّرح كما عرف في الأصول[6].
2 - حرَّم الشرع لبن زوج المرضعة بطريقين: الأول: بالنص، كما في حديث أم المؤمنين عائشة، والثاني: إيماء النص كما في قوله تعالى: ﱡ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ﴾ [النساء: 23]، فلما كانت المرضعة أمًا له كان زوجها أبًا له بطريق الأولى؛ لأن اللبن ثابت له بسبب وطئه، وقد دلت عليه الآية أيضًا دلالة خفية على انتشار حرمة الرضاع إلى أمثال كل من يحرم بالنسب، وهي بذكر تحريم الأخوات من الرضاعة، ففيه دليل على انتشار الحرمة بالرضاع، وإلا لاكتفى بذكر الأمهات من الرضاعة، فهذه الدلالة الخفية.
قال الله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾ [البقرة: 233] في الآية بيان فترة الرضاع الطبيعية.
وقال الله تعالى: ﱡ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ﴾ [النساء: 23] قال ابن كثير: (ذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّهُ يُحَرِّمُ مُجَرَّدُ الرَّضَاعِ لِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَيُحْكَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّب، وعُرْوَة بْنُ الزُّبَيْرِ، والزُّهْرِي).
1144- عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «لَا تُحَرِّمُ الـمَصَّةُ وَالمَصَّتَانِ»، أخرجه مسلم.
1145- وعنها قالت: «كَانَ فِيمَا أُنْزِلُ مِنَ القُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ وَهِيَ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ»، رواه مسلم.
1146- وعنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّما الرَّضَاعَةُ مِنْ الـمَجَاعَةِ»، متّفق عليه.
1147- وعن أمّ سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ إِلَّا مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ، وَكَانَ قَبْلَ الفِطَامِ»، رواه التّرمذيّ وصحَّحه هو والحاكم. [صحَّح وقفه على أم سلمة الدارقطني في العلل (9/ 255)].
1148- وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا أَنْشَزَ العَظْمَ، وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ»، رواه أبو داود. [ضعَّفه ابن حجر في التلخيص الحبير (5/ 2565)].
1149- وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: «لَا رَضَاعَ إِلَّا فِي الْـحَوْلَيْنِ»، رواه الدّارقطنيّ وابن عديّ مرفوعًا وموقوفًا، ورجّحا الموقوف. [انظر سنن الدارقطني (5/306) ورجح وقفه كذلك البيهقي في الكبير (16/37)].
1150- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ مَعَنَا فِي بَيْتِنَا، وَقَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ قَالَ: «أَرْضِعِيهِ. تَحْرُمِي عَلَيْهِ»، رواه مسلم.
أخرج البخاري ومسلم عنها أنها قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي رجل قاعد، فاشتد ذلك عليه ورأيت الغضب في وجهه، قالت: فقلت: يا رسول الله، إنه أخي من الرضاعة، قالت: فقال: «انظرن إخوانكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة».
- انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ: أي: تأملن أيها النساء في شأن تحقق شروط الرضاع المحرِّم.
- فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ: أي: إنما الرضاعة المحرمة للنكاح أو المبيحة للخلوة.
- مِنْ المَجَاعَةِ: أي: إنما الرضاعة المحرمة ما سد جوع الطفل من اللبن.
- فَتَقَ الأَمْعَاءَ: أي: الذي شق أمعاء الصبي، والمراد في الفترة الأولى من عمره، وهي مقدرة بالحولين.
- وَكَانَ قَبْلَ الفِطَامِ: أي وكان الرضاع قبل زمن الفطام الشرعي.
- أَنْشَزَ العَظْمَ، وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ: وذلك بأن أغذاه وأنبت لحمه وقوى عظمه، فلا يكفي بنحو مصتين، ولا إن كان بحيث لا يشبعه إلا الخبز، كأن جاوز الحولين؛ لأن المدار على تقوية عظمه ولحمه من لبنها بحيث يصير كجزء منها، وإنما يكون ذلك فيما دون حولين.
- أَرْضِعِيهِ: أي: بواسطة أداة، كوعاء، ونحوه، وليس بالمباشرة.
1 - في الحديث الأول عن عائشة دليل على أن مص الصبي للثدي مرة أو مرتين لا يصير به رضيعًا، وقد استدل بمفهومه داود الظاهري وجماعة، فاشترطوا لانتشار الحرمة ثلاث رضعات فأكثر، أما ما كان دون ذلك فلا ينشر الحرمة[7].
2 - ودلَّ حديثها الثاني على أن الرضاع لا يحرم إلا إذا كان خمس رضعات فأكثر، أما ما كان دون ذلك فلا تنتشر به الحرمة، وهو مذهب الشافعي، وأحمد[8].
3 - إذا حلبت في إناء دفعة واحدة، أو في دفعات، ثم سقته صبيًا في خمسة أوقات، فهو خمس رضعات، وإن سقته في وقت واحد، فهو رضعة واحدة؛ لأن الاعتبار بشرب الصبي، فإن التحريم يثبت به، فاعتبر تفرُّقُه واجتماعه[9].
4 - ودلَّ حديث عائشة الثالث وأحاديث أم سلمة وابن مسعود وابن عباس على ما ذهب إليه الجماهير من العلماء من أنه ليس لرضاع الكبير تأثير فيه، ولا يحصل به التحريم، وهو قول كبار الصحابة، والأئمة الأربعة، وغيرهم[10].
5 - ودلَّت الأحاديث على أن تمام الرضاعة حولين، وعليه؛ فلا حكم لما بعدهما، ولا يتعلق به التحريم، وهذه المدة هي مدة المجاعة التي ذكرها رسول الله ﷺ؛ أي تسد جوع الطفل، وهي التي تفتق فيها الأمعاء وينشز العظم؛ فكون الرضاعة خمس رضعات، وفي الحولين، وتسد جوع الرضيع؛ أي تنبت اللحم وتنشز العظم: ثلاثة أوصاف للرضاع المحرم، ومعلوم أنَّ رضاع الكبير عارٍ من هذه الثلاثة[11].
6 - ودلَّ حديث سهلة بنت سهيل على ما ذهب إليه الحنفية، والمالكية من عدم اشتراط مقدار للرضعات، بل كل ما وصل إلى الجوف، فإنه تنتشر بواسطته الحرمة، سواء كان اللبن الواصل قليلًا، أو كثيرًا[12].
7 - واستدلَّ به بعض السلف على أن رضاع الكبير يثبت به التحريم مطلقًا، وهو قول ابن حزم[13]، واعتبروا هذا الحديث نصًا في المسألة.
8 - قوله ﷺ: «أرضعيه» المراد منه أنه يحلب له اللبن، ويسقاه، وأما أن تلقمه المرأة ثديها كما تصنع بالطفل، فلا؛ لأنَّ ذلك لا يحلُّ[14].
9 - ذهب شيخ الإسلام وابن القيم إلى أن اعتبار الحولين هو الأصل في الرضاع، إلا أن تدعو الحاجة إلى غير ذلك، وذلك كرضاع الكبير الذي لا يستغني عن دخوله على المرأة [15].
1 - مفهوم حديث: «لا تحرم المصة ولا المصتان» يدل على أن الثلاث الرضعات فأكثر يحرمن، كما هو قول الظاهرية وجماعة. وقوله ﷺ لها: «أرضعيه تحرمي عليه»: لم يبين فيه المقدار، وجاء مطلقًا دون تقييد، فيصدق على القليل والكثير. إلا أنَّ ما جاء في النصوص من إطلاق الرضعات فسرها ما جاء مبينًا في حديث عائشة من التقييد بخمس رضعات، ومفهوم قوله: «لا تحرم المصة ولا المصتان» أن فوق الثلاث يحرم، إنما يحمل على الخمس رضعات جمعًا بين الحديثين.
2- في حديث عائشة رضي الله عنها دليل على وقوع النسخ، والنسخ ثلاثة أنواع:
أحدها: ما نسخ حكمه وتلاوته؛ كـ(عشر رضعات) الوارد معنا.
والثاني: ما نسخت تلاوته دون حكمه؛ كـ(خمس رضعات)، وكـ (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما).
والثالث: ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته، وهذا هو الأكثر، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾ [البقرة:240][16].
3 - رد الجمهور على حديث سالم بأنه خاص به، وذلك جمعًا بينه وبين الأحاديث الأخرى التي تقيد الرضاع المحرِّم في الحولين. وفي القول بالخصوصية رد لحديث سالم من حيث العمل، والأصل أن الجمع بين الحديثين مقدم على طرح أحدهما، ولهذا ذهب شيخ الإسلام وابن القيم إلى ما ذهبوا إليه من الجمع، وأن رضاع الكبير جائز لمن لا يستغني من الدخول على المرأة كحالة سالم، قال ابن القيم: (وهذا أولى من النسخ ودعوى التخصيص بشخص بعينه، وأقرب إلى العمل بجميع الأحاديث من الجانبين، وقواعد الشرع تشهد له)[17].
قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 6] ويدخل فيه: إن أخبرتنا مرضعة بالرضاع قبلناه ما لم تكن فاسقة.
1151- عن عقبة بن الحارث رضي الله عنه أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا! فَسَأل النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟!» فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. أخرجه البخاريّ.
1152- وعن زياد السّهميّ قال: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ تُسْتَرْضَعَ الْـحَمْقَى»، أخرجه أبو داود، وهو مرسل، وليست لزياد صحبة.
1 - عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، أبو سروعة القرشي، له صحبة، أسلم يوم الفتح، وتوفي بعد (50) هـ.
2 - زياد السّهميّ: ذكر اسمه في الصحابة على سبيل الوهم والغلط، وهو مجهول أرسل هذا الحديث.
- نهى أن تُسْتَرْضَعَ الحَمْقَى: أي أن يطلب الرضاع من خفيفة العقل.
1 - في حديث عقبة دليل على أن شهادة المرضعة وحدها تقبل، وبوَّب على ذلك البخاري، وإليه ذهب ابن عباس وجماعة من السلف وأحمد بن حنبل. وعند المالكية: تقبل -بعد العقد- مع غيرها، ولا تقبل وحدها. وعند الحنفية لا بد من رجل وامرأتين كسائر الشهادات. وقال الشافعية: يثبت الرضاع بشهادة رجلين، وبرجل وامرأتين، وبأربع نسوة؛ لأنه مما لا يطلع الرجال عليه إلا نادرًا، ولا يثبت بدون أربع نسوة [18].
2 - لا تقبل الشهادة على الرضاع إلا مفصلة؛ فلا يكفي قول الشاهد: (بينهما رضاع)، بل يجب ذكر وقت الإرضاع وعدد الرضعات؛ كأن يقول: أشهد أن هذا ارتضع من هذه خمس رضعات متفرقات خلص اللبن فيهن إلى جوفه في الحولين، أو قبل الحولين[19].
3 - قال ابن عثيمين: (إذا حصل الشك في الرضاع، فشك أهل الطفل هل رضع ولدهم من هذه المرأة أم لا؟ فلا تحريم؛ لأن الأصل عدم الرضاع، وإذا شك في كماله، بأن قالوا: نعم الطفل رضع من هذه المرأة عدة مرات، لكن لا ندري أرضع خمسًا أم دون ذلك؟ فلا تحريم؛ لأن الأصل الحل، وهنا لم نتيقن إلا ما دون الخمس، وهذا من أكثر ما يقع، وكذلك إذا شكت المرضعة في الرضاع، أو في كماله، فقالت: أنا ما أدري هل أرضعته أو لا؟ أو تقول: نعم أنا أرضعته، لكن لا أدري أرضعته خمسًا أو أقل؟ ففي كلتا الصورتين لا تحريم، يعني لا يكون الولد ولدًا لها)[20].
4 - وفي حديث زياد كراهة طلب الرضاع من الحمقاء، وكل خفيفة عقل.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - كراهة طلب الرضاع من الحمقاء لأن المرضعة إذا أرضعت غلامًا، فإنه ينزع إلى أخلاقها فيشبهها، ولذلك يختار للرضاع العاقلة حسنة الأخلاق، صحيحة الجسم[21].
2 - قال ابن قدامة: (كره الإمام أحمد الارتضاع بلبن أهل الفجور والمشـركات، وقال عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز: اللبن يشتبه فلا تستق من يهودية ولا نصـرانية ولا زانية؛ لأنه ربما أفضى إلى شبه أمه المرضعة في الفجور، ولأنه يخشى أن يميل إلى مرضعته في الدين، ويكره الارتضاع بلبن الحمقاء كيلا يشبهها الولد في الحمق، فإنه يقال: إن الرضاع يغيّر الطباع)[22].
ظاهر حديث عقبة يدل على أنه تقبل شهادة المرضعة، وكذلك يدل عليه أن هذا فعل لا يحصل به لها نفع مقصود، ولا تدفع به ضررًا، فقبلت شهادتها فيه.
وحمل الجمهور الحديث على الورع والإرشاد، فهو مستحب للتحرز عن مظان الاشتباه.
وأجيب: بأن هذا خلاف الظاهر، سيما وقد تكرر سؤاله للنبي ﷺ أربع مرات، وأجابه بقوله: «كيف وقد قيل؟» وفي بعض ألفاظه: «دعها»، وفي رواية الدارقطني: «لا خير لك فيها»، فيكون هذا الحكم مخصوصًا من عموم الشهادة المعتبر فيها العدد، وقد اعتبر الجمهور ذلك في عورات النساء، فقالوا: يكتفى بشهادة امرأة واحدة، والعلة عندهم فيه: أنه قلما يطلع الرجال على ذلك، فالضرورة داعية إلى اعتباره، فكذا هنا[23].