حجم الخط:

محتوى الدرس (126)

Adobe Systemsباب النفقات

من تجب له النفقة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء: 34].

وقال الله تعالى: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ۚ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق: 6].

في الآيتين دليل على وجوب النفقة والسكنى للزوجة.

وقال الله تعالى: ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء: 36] في هذه الآية الأمر بالإحسان إلى الوالدين، والأقارب كالأبناء، وسمى المماليك.

[الأحاديث]

1153- عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «كَفَى بِالْـمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ»، رواه النّسائيّ. [إسناده ضعيف]. وهو عند مسلم بلفظ: «أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ».

1154- وعن حكيم بن معاوية القشيريّ عن أبيه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ»، الحديث، وتقدّم في عشرة النّساء.

1155- وعن جابر عَنْ النَّبِيِّ ﷺ -فِي حَدِيثِ الْـحَجِّ بِطُولِهِ- قَالَ فِي ذِكْرِ النِّسَاءِ: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْـمَعْرُوفِ»، أخرجه مسلم.

1156- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دَخَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ -امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ- عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْـمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ: «خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْـمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ، وَيَكْفِي بَنِيكِ»، متّفق عليه.

1157- وعن جابر رضي الله عنه يرفعه -فِي الْـحَامِلِ الْـمُتَوَفَّى عَنْهَا- قَالَ: «لَا نَفَقَةَ لَهَا»، أخرجه البيهقيّ، ورجاله ثقات، لكن قال: المحفوظ وقفه. [ينظر: البيهقي في الكبير (15/540)].

وَثَبَتَ نَفْيُ النَّفَقَةِ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ كَمَا تَقَدَّمَ[1]. رواه مسلم.

1158- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لِلمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ العَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ»، رواه مسلم.

ترجمة الراوي:

معاوية بن حيدة القشيري، وفد على النبي ﷺ فأسلم، وصحبه، وسأله عن أشياء، وروى عنه أحاديث، وهو جد بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، مات غازيًا بخراسان رضي الله عنه.

التوضيح:

- النفقة: في اللغة من الإنفاق، وهو الإخراج، وشرعًا: ما يلزم المرء لمن عليه مؤنته. والأسباب الموجبة للنفقة ثلاثة: النكاح، والنسب، والملك.

- كَفَى بِالْـمَرْءِ إِثْمًا: أي لو لم يكن للرجل إثمٌ إلا ذلك لكفى.

- مَنْ يَقُوتُ: أي: من يلزمه قوته.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث عبد الله بن عمرو دليل على وجوب نفقة الإنسان على من يعيله ويقوته، وأنه إن لم يفعل أثم إثمًا عظيمًا بحيث لو لم يلقَ الله تعالى بذنب سواه لكان كافيًا في هلاكه، ودخوله النار.

2 - الذين يقوتهم ويملك قوتهم هم: الذين يجب عليه الإنفاق عليهم، وقد أجمع العلماء أنه يجب على الرجل أن ينفق على ولده، وبهائمه، وزوجته، ونفقته على نفسه أوجب عليه[2].

3 - وفي أحاديث معاوية بن حيدة وجابر وعائشة دليل على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن، وهذا مجمع عليه[3].

4 - وفيها أنه يجب على الزوج كسوة زوجته، وهذا مجمع عليه[4]، ومرجع ذلك العرف، فيجب على الزوج كسوة زوجته كلما احتاجت إلى ذلك؛ لأنها تحتاج إلى الكسوة لحفظ البدن وسَتْره على الدوام.

5 - ودلَّ حديثا جابر وعائشة على أن النفقة مقدرة بكفاية الزوجة، ومرجع النفقة عمومًا العرف، وهذا هو قول جمهور العلماء [5]، فنفقة الطعام وتوابعها ليست مقدَّرة بالشـرع؛ بل تختلف باختلاف الأزمان، والبلدان، والأشخاص.

6 - لم يرد عن النبي ﷺ أنه قدّر النفقة بشيء، وإنما رد ذلك إلى العرف كما في هذا الحديث، وكما في حديث هند التالي من قوله لها: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»، وهذا الحكم من رسول الله ﷺ مطابق لكتاب الله عزَّ وجلَّ حيث يقول تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: 233][6].

7 - وفي حديث هند بنت عتبة دليل على أن الزوج الموسر إذا امتنع عن الإنفاق على زوجته وأولاده، فإن لها أن تأخذ من ماله قدر كفايتها هي وأولادها.

8 - وفيه أن هذه الشكاية وأمثالها لا تعتبر من الغيبة المحرمة؛ لأنها رفعت أمرها إلى ولي الأمر القادر على إنصافها، وإزالة مظلمتها.

9 - وفيه جواز مخاطبة المرأة الأجنبية للحاجة، وعند الأمن من الفتنة[7].

10 - وفيه وجوب نفقة الولد على والده، وقد أجمعوا على وجوبها إذا كان الولد صغيرًا، أو بالغًا مريضًا وهو معسر.

11 - وفيه أن القول قول الزوجة في قبض النفقة؛ لأنه ﷺ أباح لها الأخذ من ماله ولم يسألها على ذلك بينة.

12 - وأما حديث جابر، فتحرير المسألة: أنه لا خلاف بين العلماء في وجوب النفقة والسكنى للمطلقة الرجعية، ولا خلاف أيضًا في ثبوتها للمطلقة البائن إذا كانت حاملًا[8].

13 - المتوفى عنها زوجها لا تجب لها النفقة، سواء كانت حاملًا أو حائلًا -أي غير حامل- وهذا قول الجمهور، وقالوا: ينفق عليها من نصيبها من التركة[9].

14 - وفي حديث أبي هريرة دليل على وجوب نفقة المملوك وكسوته، وهو مجمع عليه[10].

15 - ودلَّ الحديث على أنه لا يتعين على السيد إطعامه مما يأكل، بل الواجب الكفاية بالمعروف، وقد ورد في حديث أبي ذر: «أطعموهم مما تطعمون»: أنه يجب على السيد إطعامه مما يأكل وكسوته مما يلبس، وهو محمول على الندب، والقرينة الصارفة إليه الإجماع على أنه لا يجب على السيد ذلك[11].

16 - أجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يكلف العبد من العمل ما لا يطيقه، فإن كان لا بد من ذلك؛ لزمه إعانته بنفسه أو بغيره[12].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - الحكمة من إيجاب نفقة الزوج على زوجته: أنها محبوسة في حقه بسبب حبسه لها عن التصرف والاكتساب؛ إذ هي ممنوعة عن الخروج لحقه، فلو لم يكن كفايتها عليه لهلكت[13].

2 - شرع الإسلام للرقيق ما يحفظ له كرامته؛ فأوجب نفقته وكسوته ومسكنه على مولاه، كما نهى أن يُكلَّف من العمل ما لا يطيق، بل يعطى ما لا يشق عليه، وهو مجمع عليه[14].

3 - ينبغي على المسلم ألا يضيع ذريته بلا نفقة، بل يحتسب نفقته على من يعوله من زوجة وأولاد، مستشعرًا عظم الأجر وعظم المسؤولية، وأن يراعي احتياجات من هم تحت يده ويرفق بهم ويسعى لكف حاجتهم عن الناس، دون سرف ولا مخيلة ولا مباهاة، بل يأكل المسلم من رزق الله ويتواضع ويشكر ويُحسن أدب من يعولهم.

4 - ينبغي للزوجة أن تكون أمينة تحفظ زوجها في نفسها وماله، وتحسن تدبير شؤون بيتها بحكمة وأمانة وصيانة، فإنها راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها.

طريقة الاستدلال:

1 - قوله: «كَفَى بِالْـمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ»: لا يكون المرء آثمًا إلا على تركه لما يجب عليه، بل بولغ هنا في إثمه بأن جعل ذلك الإثم كافيًا في هلاكه عن كل إثم سواه، مما يدل على أنه كبيرة.

2- الحامل المتوفى عنها زوجها لا تجب لها نفقة -وإن كانت حاملًا- لنص حديث جابر.

ولا تجب لها النفقة إن كانت حائلًا بطريق الأولى.

ويؤيد حديث جابر: أن الأصل براءة الذمة، وأن الوفاة بينونة كبرى فتسقط به النفقة كالطلاق، وأن المال قد انتقل للورثة فوقعت فيه السهام، وهي من جملتهم، فنفقتها من سهمها.

أسباب النفقات ومراتبها:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: 228].

وقال الله تعالى: ﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا [الإسراء: 26].

وقال الله تعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُونَ [النحل: 75].

في الآيات دليل على أن النكاح والنسب والملك أسباب للنفقة.

[الأحاديث]

1159- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اليَدِ العُلْيَا خَيْرٌ مِنْ اليَدِ السُّفْلَى، وَيَبْدَأُ أَحَدُكُمْ بِمَنْ يَعُولُ. تَقُولُ الـمَرْأَةُ: أطعمني، أو طلقني»، رواه الدارقطني، وإسناده حسن. [ضعيف بهذا السياق، والحديث في البخاري برقم (5355) وجملة: «تقول المرأة...» من قول أبي هريرة].

1160- وعن سعيد بن المسيّب -فِي الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ- قَالَ: «يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا»، أخرجه سعيد بن منصور: عن سفيان، عن أبي الزناد، عنه. قال: فقلت لسعيد بن المسيب: سُنَّة؟ فقال: سُنَّة. وهذا مرسل قوي.

1161- وعن عمر رضي الله عنه: «أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الأَجْنَادِ فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ: أَنْ يَأْخُذُوهُمْ بِأَن يُنْفِقُوا أَوْ يُطَلِّقُوا، فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا». أخرجه الشّافعيّ، ثمّ البيهقيّ بإسناد حسن.

1162- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، عِنْدِي دِينَارٌ؟ قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ». قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ». قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ». قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: «أَنْفِقُهُ عَلَى خَادِمِكَ». قَالَ عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: «أَنْتَ أَعْلَمَ»، أخرجه الشافعي واللفظ له، وأبو داود، وأخرجه النسائي والحاكم بتقديم الزوجة على الولد. [ذكره ابن حبان في الصحيح (3337)، وصحَّحه الحاكم في المستدرك (1534)].

1163- وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: «أُمَّكَ». قُلْتُ: ثُمَّ مِنْ؟ قَالَ: «أُمَّكَ». قُلْتُ: ثُمَّ مِنْ؟ قَالَ: «أُمَّكَ». قُلْتُ: ثُمَّ مِنْ؟ قَالَ: «أَبَاكَ، ثُمَّ الأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ»، أخرجه أبو داود، والترمذي وحسَّنه. [وصحَّحه الحاكم في المستدرك (7447)، وأصل الحديث في المتفق عليه من مسند أبي هريرة].

1164- وعن طارق المحاربي رضي الله عنه قال: قَدِمْنَا الـمَدِينَةَ، فَإِذَا رَسُولُ الله ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ وَيَقُولُ: «يَدُ الْـمُعْطِي العُلْيَا، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ: أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ»، رواه النّسائيّ، وصحَّحه ابن حبّان والدارقطني.

ترجمة الراوي:

طارق بن عبد الله المحاربي، رأى النبي ﷺ، وسمع منه حديثين، سكن الكوفة وعداده في أهلها، وتوفي في حدود (60) هـ.

التوضيح:

- النفقات: ما يلزم المرءَ صَرْفُهُ لمن عليه مؤنته من زوجته وأولاده ودابته ونحو ذلك.

- اليد السفلى: هي: اليد الآخذة أو السائلة. وقيل: اليد المانعة.

- أمراء الأجناد: الأجناد جمع جند، وكان عمر قد قسم الشام أجنادًا أربعة، فولّى على كل جند منها أميرًا.

- يَدُ الْـمُعْطِي العُلْيَا: أي اليد المنفقة.

الدلالات الفقهية:

1 - الأسباب الموجبة للنفقة ثلاثة، هي:

الأول: النكاح، وهو عقد الزوجية الصحيح، وهذه نفقة الزوجات.

الثاني: النسب، وهو الاتصال بين شخصين بولادة قريبة أو بعيدة، وهذه نفقة الأقارب.

والثالث: الملك، وذلك كالرقيق والدَّابة، وهذه نفقة المماليك.

2 - في حديث أبي هريرة الأول دليل على وجوب النفقة للزوجة، وقد سبق نقل الإجماع عليه، والنفقة تجب لها بشرطين:

الأول: أن تكون يوطأ مثلها. الثاني: أن تكون غير ممتنعة، وذلك بأن تسلم نفسها للزوج [15].

3 - دلَّ أثر سعيد بن المسيب على ثبوت فسخ الزوجية عند إعسار الزوج، بمعنى أن الزوجة مخيرة بين الصبر والبقاء معه، أو طلب التفريق للإعسار بالنفقة، وهو مذهب عليّ وعمر وأبي هريرة، وجماعة من التابعين، ومن الفقهاء: مالك والشافعي وأحمد وأهل الظاهر[16].

4 - في أثر عمر دليل على أنه لا فرق بين الغائب والحاضر في أحكام النفقة، فإن ترك الغائب مالًا فإنّ المرأة تأخذ منه قدر كفايتها وأولادها، وإن لم يكن له مال ظاهر، فإن القاضي يستدين عليه بالنفقة حتى يعود فيقضي.

5 - وفيه أن النفقة عنده لا تسقط بالمطل في حق الزوجة.

6 - وفيه أنه يجب أحد الأمرين على الأزواج الإنفاق، أو الطلاق.

7 - في حديث أبي هريرة الثاني دليل على أنه يجب على الأب أن ينفق على أولاده، ‏ويجبر على ذلك إن امتنع، وقد أجمع العلماء أنّ على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم؛ وذلك أن للأب ولاية على ابنه مما يدلُّ على استحقاقه النفقة من أبيه، ولأن ولد الإنسان بعضه، فكما يجب على الإنسان أن ينفق على نفسه فيجب عليه أن ينفق على ولده[17].

8 - وفيه دليل على أن النفقة إنما تجب على الأب إذا كان لديه مال‏ فاضل عن نفقة نفسه، وأمَّا من لا يفضل له شيء‏،‏ فليس عليه شيء.

كما أنه يشترط لوجوب الإنفاق‏: أن يكون الأولاد فقراء،‏ لا مال لهم، ولا كسب يستغنون به عن إنفاق غيرهم، فإن كانوا موسرين بمال، أو كسب يستغنون به‏،‏ فلا تجب النفقة عليهم[18].

9 - وفي حديثي بهز بن حكيم وطارق المحاربي دليل على وجوب الإنفاق على القريب ابتداء بالأم، والأم أحق من الأب بالبر عند الجمهور، فمن لا يجد إلا كفاية لأحد أبويه، وجب عليه أن يخص بها الأم.

10 - أجمع العلماء على أن نفقة الوالدين الفقيرين الذين لا كسب لهما، ولا مال، واجبة في مال الولد[19]، وإنما تجب النفقة عليهما إذا كانا معسرين، وكان الولد موسرًا.

11 - وفيهما دليل على وجوب الإنفاق للقريب المعسر، وحديث طارق كالمبيِّن لذوي القربى ودرجاتهم، فيجب الإنفاق للمعسـر على الترتيب في الحديث، ولم يذكر فيه الولد والزوجة؛ لأنهما قد عُلما من دليل آخر[20].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - النفقة على النفس، وعلى الأقارب: إحسان، وبر متعدٍّ نفعه وخيره إلى الغير، وهي مع الاحتساب تدخل في العبادات الجليلة، والقرب العظيمة[21]. بل هي أفضل الصدقات.

2 - سبب تقديم الأم على غيرها كثرة تعبها عليه، وشفقتها وخدمتها ومعاناة المشاق في حمله، ثم وضعه، ثم إرضاعه، ثم تربيته وخدمته وتمريضه وغير ذلك[22].

طريقة الاستدلال:

1 - قوله: فَقُلْتُ لِسَعِيدِ: سُنَّةٌ؟ فَقَالَ: (سُنَّةٌ): هنا مسألتان ذكرهما الصنعاني:

الأولى: مراسيل سعيد معمول بها؛ لما عرف من أنه لا يرسل إلا عن ثقة.

الثانية: قال الشافعي: (والذي يشبه أن يكون قول سعيد: (سنة): سنة رسول الله ﷺ).

وأما قول ابن حزم: (علَّه أراد سنة عمر)، فإنه خلاف الظاهر. وكيف يقول له السائل: (سنة)، ويريد سؤاله عن سنة عمر؟ هذا مما لا ينبغي حمل الكلام عليه. وهل سأل السائل إلا عن سنة رسول الله ﷺ؟ وإنما قال جماعة: إنه إذا قال الراوي: (من السنة كذا)، فإنه يحتمل أن يريد سنة الخلفاء، وأما بعد سؤال الراوي، فلا يريد السائل إلا سنة رسول الله ﷺ، ولا يجيب المجيب إلا عنها، لا عن سنة غيره؛ لأنه إنما سأل عما هو حجة، وهو سنته ﷺ [23].

2 - دلَّ على ثبوت فسخ الزوجية عند إعسار الزوج أمران: تخلف علة النفقة، وقياس الأولى.

أما علة النفقة: فالنفقة في مقابل الاستمتاع، فإذا لم تجب النفقة؛ سقط الاستمتاع، فوجب الخيار للزوجة.

وأما قياس الأولى فمن وجهين:

أ - أنهم قد أوجبوا على السيد بيع مملوكه إذا عجز عن إنفاقه، فإيجاب فراق الزوجة أولى؛ لأن كسبها ليس مستحقًا للزوج كاستحقاق السيد لكسب عبده.

ب - نقل ابن المنذر إجماع العلماء على الفسخ بالعنَّة، والضرر الواقع من العجز عن النفقة أعظم من الضرر الواقع بكون الزوج عنينًا[24].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة