حجم الخط:

محتوى الدرس (127)

بابAdobe Systems الحضانة

الأحق بالحضانة:

[تمهيد]

قال الله تعالى ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان: 14].

قال ابن عطية: (وهذه الآية شرك الله تعالى الأم والوالد منها في رتبة الوصية بهما، ثم خصص الأم بدرجة ذكر الحمل ودرجة ذكر الرضاع فتحصَّل للأم ثلاث مراتب وللأب واحدة). وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [البقرة: 233]: (وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ وَإِنْ فُطِمَ فَالْأُمُّ أَحَقُّ بِحَضَانَتِهِ لِفَضْلِ حُنُوِّهَا وَشَفَقَتِهَا، وَإِنَّمَا تَكُونُ أَحَقَّ بِالْحَضَانَةِ إِذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ) اهـ يعني أنها لما كانت أحق بالرضاعة فهي أحق بالحضانة.

وقال الله تعالى في شأن مريم بنت عمران: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا [آل عمران: 37].

قال ابن كثير: (وَإِنَّمَا قَدَّرَ الله كَوْنَ زَكَرِيَّا كَافِلَهَا لِسَعَادَتِهَا، لِتَقْتَبِسَ مِنْهُ عِلْمًا جَمًّا نَافِعًا وَعَمَلًا صَالِحًا؛ وَلِأَنَّهُ كَانَ زَوْجَ خَالَتِهَا، عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُمَا، وَقِيلَ: زَوْجُ أُخْتِهَا، كَمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ: «فَإِذَا بِيحيى وعِيسَى، وَهُمَا ابْنَا الخَالَةِ»).

[الأحاديث]

1165- عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله ﷺ: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ، مَا لَمْ تَنْكِحِي»، رواه أحمد وأبو داود، وصحَّحه الحاكم.

1166- وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ نَفَعَنِي، وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ فَجَاءَ زَوْجُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا غُلَامُ، هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهُمَا شِئْتَ» فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ. رواه أحمد والأربعة، وصحَّحه الترمذي. [وصحَّحه أيضًا ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (5/ 207)].

1167- وعن رافع بن سنان أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَأَبَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ. فَأَقْعَدَ النَّبِيَّ ﷺ الأُمَّ نَاحِيَةً، وَالْأَبَ نَاحِيَةً، وَأَقْعَدَ الصَّبِيَّ بَيْنَهُمَا. فَمَالَ إِلَى أُمِّهِ، فَقَالَ: «اللهمَّ اهْدِهِ». فَمَالَ إِلَى أَبِيهِ، فَأَخَذَهُ. أخرجه أبو داود والنسائي، وصحَّحه الحاكم. [قال ابن المنذر فيما نقله ابن حجر في التلخيص الحبير (5/2589): لا يثبته أهل النقل وفي إسناده مقال].

1168- وعن الـبراء بن عازب رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضـى فِي ابْنَةِ حَمْزَةَ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: «الـخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ»، أخرجه البخاريّ.

ترجمة الراوي:

رافع بن سنان الأوسي الأنصاري، أبو الحكم، روى عن النبي ﷺ في تخيير الصغير بين أبويه، وكان أتى النبي ﷺ حين أسلم، وأبت امرأته أن تسلم.

سبب ورود حديث البراء:

هو ما جاء في البخاري من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: اعتمر النبي في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام،... فلما دخلها ومضى الأجل، أتوا عليًّا فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا، فقد مضـى الأجل، فخرج النبي ، فتبعتهم ابنة حمزة: يا عم يا عم، فتناولها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأخذ بيدها، وقال لفاطمة عليها السلام: دونك ابنة عمك، حملتها، فاختصم فيها علي، وزيد، وجعفر، فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها النبي لخالتها، وقال: «الخالة بمنزلة الأم»، وقال لعلي: «أنت مني وأنا منك»، وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي»، وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا».

التوضيح:

- الحضانة: المقصود بها هنا حفظ الطفل.

- له وعاء: أي: ظرفًا حاويًا له حال حملي به.

- وثديي له سقاء: أي: ساقيًا حال رضاعه.

- وحجري له حواء: أي: وكان حضني مكانًا يحويه، ويحفظه، أي فأنا أحق به.

- الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ: أي: في الحضانة عند فقد الأم وأمهاتها؛ لأنها تقرب منها في الحنو والاهتداء إلى ما يصلح الولد.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث عبد الله بن عمرو دليل على أن الأم أحق بحضانة ولدها إذا أراد الأب انتزاعه منها، وهذا مجمع عليه[1].

2 - وفيه دليل على أنه يشترط لأحقية الحضانة أن تكون الحاضنة غير متزوجة من أجنبي عن المحضون، فإن كانت كذلك فلا حضانة لها عند الجمهور، وحكي إجماعًا [2].

3- إن كان زواجها من غير أجنبي عن الولد: لم يسقط حقها في الحضانة، والمراد بالأجنبي هنا هو من لم يكن من عصبات المحضون، فإن تزوجت بقريب محضونها - ولو كان غير محرم له - كابن عمه لم تسقط حضانتها.

4 - إذا اتفق الوالدان على أن يكون المحضون عند أحدهما جاز، فإن لم يتفقا، فإن الولد يخير بين أبويه إذا بلغ سبع سنين كاملة، فيكون مع من اختار منهما [3]، وقد قضى بذلك عمر وعلي وأبو هريرة، وهو مذهب الشافعية والحنابلة.

5 - الصبي المميز له إرادة معتبرة باختيار أحد أبويه دون الآخر، والتخيير له شرطان:

الأول: أن يكون كل من الأبوين صالحًا للحضانة، فإن كان أحدهما غير صالح لها كان كالمعدوم، ويتعين الآخر. قال ابن القيم: (ولو كانت الأم أصون من الأب وأغير منه قُدِّمت عليه، ولا التفات إلى قرعة ولا اختيار الصبي في هذه الحالة، فإنه ضعيف العقل يؤثر البطالة واللعب، فإذا اختار من يساعده على ذلك، لم يُلتفَت إلى اختياره، وكان عند من هو أنفع له وأخير، ولا تحتمل الشريعة غير هذا)[4].

الشرط الثاني: أن يكون الغلام عاقلًا، فإن كان معتوهًا فحضانته لأمه؛ لأنها أشفق عليه وأصبر وأقوم بمصالحه من أبيه [5].

6 - ودلَّ حديث رافع على ثبوت حق الحضانة للأم الكافرة وإن كان الولد مسلمًا؛ إذ لو لم يكن لها حق لم يقعده النبي بينهما. والجمهور يضعِّفون الحديث، فيرون أن الولد الصغير إذا كان بين المسلم والكافر، فإن المسلم أحق به[6].

7 - وفي حديث البراء يقول ابن حجر: («الخالة بمنزلة الأم» أي في هذا الحكم الخاص؛ لأنها تقرب منها في الحنو والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولد لما دلَّ عليه السياق، ويؤخذ منه أن الخالة في الحضانة مقدمة على العمة؛ لأن صفية بنت عبد المطلب كانت موجودة حينئذ، وإذا قُدِّمت على العمة مع كونها أقرب العصبات من النساء، فهي مقدمة على غيرها، ويؤخذ منه تقديم أقارب الأم على أقارب الأب)[7].

8 - يرى شيخ الإسلام تقديم أقارب الأب، وهو رواية عند الحنابلة، ورجَّحه ابن القيم[8]، فأم الأب مقدمة على أم الأم، والأخت من الأب أحق من الأخت من الأم وأحق من الخالة، وخالة الأب أحق من خالة الأم، فأقارب الأب من الرجال مقدمون على أقارب الأم، والأخ لأب أحق من الأخ للأم، والعم أولى من الخال.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - لا ﺧﻼﻑ بين ﺍﻷﻣّﺔ ﰲ ﺇﳚﺎﺏ ﻛﻔﺎﻟﺔ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ﺍﻟﺼﻐﺎﺭ ﳊﺎﺟﺘﻬﻢ ﺇﱃ ﺫﻟﻚ؛ ﻷﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺧُﻠِﻖ ﺿﻌﻴﻔًﺎ ﻣﻔﺘﻘﺮًﺍ ﺇﱃ ﻣﻦ ﻳﻜﻔﻠﻪ ﻭﻳﺮﺑﻴﻪ، ﺣ ﻳﻨﻔﻊ ﻧﻔﺴﻪ، ﻭيستغني ﺑﺬﺍﺗﻪ[9].

2 - قد ذكرت هذه المرأة في حديث عبد الله بن عمرو صفات اختصت بها تقتضـي استحقاقها وأولويتها بحضانة ولدها، وأقرَّها النبي ﷺ على ذلك، وحكم لها، ففيه تنبيه على المعنى المقتضي للحكم، وأن العلل والمعاني المعتبرة في إثبات الأحكام مستقرة في الفطر السليمة[10].

3 - هذا التفصيل من الشارع الحكيم راعى فيه حق الطفل، وحق الزوج الجديد، فالأم قبل الزواج متفرغة للطفل، وإصلاح شؤونه، فحقه عليها باقٍ، وأما بعد الزواج، فإنها ستهمل أحد الحقين: إما حق زوجها - وهو آكدهما - وإما حق طفلها.

4 - من لطف الله تعالى بخلقه: عنايته بالمستضعفين منهم ممن ليس لهم حول، ولا طول، فهو يوصي بهم، ويعنى بهم العناية التي تعوضهم، وهو الأمر الذي لم يكونوا ليصلوا إليه من العناية بأنفسهم، وهم في تلك الحالة من الضعف[11].

5 - لو كان المقصود أن يكون الولد مع أي منهما لترك الأمر على ما هو عليه؛ لكنه دعا للصبي بالهداية وهو صغير لا يعقل، فوفقه الله U بأن يلحق بأبيه، فدل هذا على أن جانب الإسلام مرجح على غيره وأن الإلحاق به أولى مقدم؛ ليحصل لهذا الطفل الإسلام، ولا يحصل له الكفر بتنشئة ذلك الكافر له.

طريقة الاستدلال:

1 - قوله: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ، مَا لَمْ تَنْكِحِي»: مفهومه أنها إذا نكحت لم تعد أحق به، بل تنتقل الحضانة عنها.

2 - لم يرد في إثبات حق الأب في الحضانة دليل يخصه، لكنه قد استفيد من قوله ﷺ للأم: «أنت أحق به ما لم تنكحي»، فإن هذا يدل على ثبوت أصل الحق للأب بعد الأم، ومن بمنزلتها -وهي الخالة- وكذلك إثبات التخيير بينه وبين الأم في الكفالة، فإنه يفيد إثبات حق له في الجملة[12].

3 - ضابط مستحقي الحضانة: أنه يقدم في الحضانة الأقرب، فإن استووا قُدِّمت الأنثى، كالأم على الأب، والجدة على الجد، والخالة على الخال.

- فإن كانا ذكرين أو أنثيين فإن كانا في جهة واحدة كخالين أو خالتين أقرع.

- وإن اختلفت درجتهما من الطفل كقرابة الأم وقرابة الأب: قدم مَنْ في جهة الأب، فتقدم الأخت لأب على الأخت لأم، والعمة على الخالة[13].

قال ابن القيم: (إن أصول الشرع وقواعده شاهدة على تقديم أقارب الأب في الميراث وولاية النكاح، وغير ذلك، ولم يعهد في الشرع تقديم قرابة الأم على قرابة الأب في حكم من الأحكام)[14].

5 - قال العز بن عبد السلام - رحمه الله -: (والضابط في الولايات كلها: أنا لا نقدم فيها إلا أقوم الناس بجلب مصالحها ودرء مفاسدها، فيقدم في الصلاة الأقوم بأركانها وشرائطها على الأقوم بسننها وآدابها، فيقدم في الإقامة الفقيه على القارئ، والأفقه على الأقرأ؛ لأن الفقيه أعرف باختلال الأركان والشرائط، وبما يطرأ على الصلاة من المفسدات.

أما غسل الموتى وتكفينهم وحملهم ودفنهم فيقدم فيه الأقارب لأن حنوهم على ميتهم يحملهم على أكمل القيام بمقاصد هذه الواجبات.

وكذلك تقدم الأمهات على الآباء في الحضانة؛ لمعرفتهن بها، وفرط حنوهن على الأطفال، وإذا استوى النساء في درجات الحضانة، فقد يقرع بينهن وقد يتخير، والقرعة أولى.

ويقدم الآباء على الأمهات في النظر في مصالح أموال المجانين والأطفال، وفي التأديب وارتياد الحرف والصناعات؛ لأنهم أقوم بذلك وأعرف به من الأمهات)[15].

النفقة على الخادم والبهائم:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا [النور: 61].

قال ابن كثير: (وَأَمَا قَوْلُهُ: ﴿ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير، والسُّدِّي: هُوَ خَادِمُ الرَّجُلِ مِنْ عَبْدٍ وقَهْرَمان، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا اسْتَوْدَعَهُ مِنَ الطَّعَامِ بالمعروف).

وقال الله تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ [الأنعام: 38].

قال القرطبي: (أَيْ هُمْ جَمَاعَاتٌ مِثْلُكُمْ فِي أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَهُمْ، وَتَكَفَّلَ بأرزاقهم، وعدل عليهم، فلا ينبغي أنْ تَظْلِمُوهُمْ، وَلَا تُجَاوِزُوا فِيهِمْ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ).

[الأحاديث]

1169- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ»، متّفق عليه، واللّفظ للبخاريّ.

1170- وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النّبيّ ﷺ قال: «عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلْتِ النَّارَ فِيهَا، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ هِيَ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا، تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ»، متّفق عليه.

التوضيح:

- فإن لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ: لعذر، كقلة طعام، أو لعيافة نفسه، أو نحو ذلك.

- فِي هِرَّةٍ: أي لأجلها، حيث حبستها فلم تطعمها حتى ماتت جوعًا.

- تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ: حشراتها وهوامها.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث أبي هريرة دليل على أن حديث جابر الذي فيه الأمر بأن يطعمه مما يطعم «أطعموهم مما تطعمون»: ليس المراد به مؤاكلته، ولا أن يشبعه من عين ما يأكل، بل يشركه فيه بأدنى شيء من لقمة أو لقمتين، وتمام الحديث: «فإنه ولي حره وعلاجه» فدل على أن ذلك يتعلق بالخادم الذي له عناية في تحصيل الطعام، فيندرج في ذلك الحامل للطعام لوجود المعنى فيه، وهو تعلُّق نفسِه به[16].

2 - وفي حديث ابن عمر دليل على وجوب الإنفاق على الحيوانات المحترمة، وقد اتفق العلماء على أن من ملك بهيمة لزمه الإنفاق عليها بعلفها ونحوه[17].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - قال ابن حجر: (في الحديث برواياته إشارة إلى أن للعين حظًا في المأكول، فينبغي صرفها بإطعام صاحبها من ذلك الطعام؛ لتسكن نفسه، فيكون أكفَّ لشره. وقد نقل ابن المنذر عن جميع أهل العلم: أن الواجب إطعام الخادم من غالب القوت الذي يأكل منه مثله في تلك البلد، وكذلك القول في الأدم والكسوة، وأن للسيد أن يستأثر بالنفيس من ذلك، وإن كان الأفضل أن يشرك معه الخادم في ذلك، والله أعلم) [18].

2 - من هدي الإسلام مواساة الغني للفقير، ومؤازرة القوي للضعيف، فالمؤمنون إخوة.

3 - إن الإسلام يحث على الصفات والأعمال، التي تدعم هذه المعاني السامية؛ ليصبح المجتمع الإسلامي أمة واحدة، وأما الأعمال والمواهب؛ فكلٌ ميسر لما خلق له، وصاحب العمل البسيط إذا أدَّاه، فهو كصاحب العمل الكبير، فكل منهما يكمل الآخر[19].

4 - كتب الله الإحسان على كل شيء، وجعل على كل كبدٍ رطبةٍ أجرًا، فكما دخلت امرأة النار في هرة، فقد دخلت بغي الجنة في كلب سقته، فالرفق بالحيوان من تمام الإحسان، كما أن تعذيبها والتعدي عليها بالأذى سببٌ لسخط الله وعذابه، وهذا يدل على أن الإساءة إلى الناس وأذاهم أشد عند الله مقتًا وأعظم إثمًا.

طريقة الاستدلال:

1 - قال الشوكاني: (وظاهر حديث عبد الله بن عمرو وحديث أبي هريرة: أنه لا يتعين على السيد إطعامه مما يأكل، بل الواجب الكفاية بالمعروف، وظاهر حديث أبي ذر: «أطعموهم مما تطعمون»: أنه يجب على السيد إطعامه مما يأكل وكسوته مما يلبس، وهو محمول على الندب، والقرينة الصارفة إليه الإجماع على أنه لا يجب على السيد ذلك)[20].

2 - قوله: «عُذِّبَتْ»: فيه دليل على وجوب الإنفاق على الحيوان المحترم؛ إذ فيه بيان لتعذيب المرأة جزاء حبسها هرة، والعذاب لا يكون إلا في مقابلة إثم، وفعل محرم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة