حجم الخط:

محتوى الدرس (130)

قتل الجماعة بالواحد:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة: 178].

قال القرطبي: (المُرَادَ بِالْقِصَاصِ فِي الْآيَةِ قَتْلُ مَنْ قَتَلَ كَائِنًا مَنْ كَانَ). اهـ

وقال أبو حيان: (وَالظَّاهِرُ أَيْضًا قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ).

وقال صاحب أضواء البيان عند قوله تعالى: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ١٤ وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا [الشمس: 14، 15]: (كَانَ هَذَا بَاسِمِ الْجَمِيعِ، فَكَانَتِ الْعُقُوبَةُ بِاسْمِ الْجَمِيعِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ، وَعُقُوبَةُ الرَّبِيئَةِ مَعَ الْجَانِي).

[الأحاديث]

1178- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قُتِلَ غُلَامٌ غِيلَةً، فَقَالَ عُمَرُ: «لَوْ اشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ»، أخرجه البخاري.

التوضيح:

- غِيلَةً: هو القتل بغدر وخفاء وخديعة.

الدلالات الفقهية:

في الحديث دليل على أن الجماعة تقتل بالواحد، فإذا قتل جماعة من الأشخاص شخصًا عمدًا، فإنهم يقتلون به جميعًا، وهو قول الأئمة الأربعة[1]. قال ابن كثير: (ولا يعرف لعمر في زمانه مخالف من الصحابة، وذلك كالإجماع)[2].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

القصاص عقوبة تجب على الواحد بقتله للواحد، فكذلك تجب للواحد إذا قتله الجماعة كحد القذف. ومن جهة أخرى: لو أن القصاص سقط بالاشتراك؛ لأدى ذلك إلى التسارع إلى القتل به، فيفضي ذلك إلى إسقاط حكمته في الردع والزجر، قال ابن رشد: (فلو لم تقتل الجماعة بالواحد؛ لتذرع الناس إلى القتل، بأن يتعمدوا قتل الواحد بالجماعة)[3].

طريقة الاستدلال:

1 - إجماع الصحابة المذكور: هو من الإجماع السكوتي.

والإجماع السكوتي: هو أن يقول بعض المجتهدين حُكمًا، ويسكُت الباقون عنه بعد العلم به. وقد اختلف العلماء في حجية الإجماع السكوتي على أقوال، والجمهور على أنه حجة بشروط خلافًا للظاهرية، وبعض الشافعية[4].

2 - قاعدة: (سد الذرائع): الصحابة وعامة الفقهاء اتفقوا على قتل الجميع بالواحد، وإن كان أصل القصاص يمنع ذلك؛ لأن أصل القصاص يقتضي المساواة، وذلك لئلا يكون عدم القصاص ذريعة إلى التعاون على سفك الدماء[5].

استيفاء القصاص بطريقة القتل نفسها:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة: 194].

قال ابن كثير: (وَقَدْ أُطْلِقَ هَاهُنَا الِاعْتِدَاءُ عَلَى الِاقْتِصَاصِ، مِنْ بَابِ المُقَابَلَةِ).

وقال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ۖ [النحل: 126]، قال ابن كثير: (يَأْمُرُ تَعَالَى بِالْعَدْلِ فِي الِاقْتِصَاصِ وَالْمُمَاثَلَةِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ).

[الأحاديث]

1179- عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أَنَّ جَارِيَةً وُجدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَسَألوهَا: مَنْ صَنَعَ بِكِ هَذَا؟ فُلَانٌ. فُلَانٌ. حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا. فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ، فَأَقَرَّ، فَأَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ»، متّفق عليه، واللّفظ لمسلم.

الدلالات الفقهية:

1 - في الحديث دليل على أنه يجوز استيفاء القصاص بنفس طريقة القتل، وأنه يُفعل بالجاني مثلما فعل بالمجني عليه، وهو مذهب الجمهور[6]، وإن اختار الولي العدول إلى السيف فله ذلك، وذهب الحنفية والحنابلة على المشهور أنه لا يستوفى منه إلا بالسيف.

2 - يستثنى من ذلك عند الجمهور إذا حصل القتل بوسيلة محرمة، فإننا لا نقتله بها، مثل أن يقتله باللواط والعياذ بالله، أو بالسحر، أو أن يقتله بإسقاء الخمر حتى يموت، فإنه لا يفعل به كذلك.

أما إذا رضَّ رأسه بين حجرين، أو ذبحه بسكين كالّة، أو بالصعق الكهربائي، أو أحرقه بالنار، فإن الصواب -ولا شك- أن يفعل به كما فعل[7].

3 - وفيه العمل بإشارة المريض، وقد اختلف العلماء فى إشارة المريض، فذهب مالك والليث والشافعي إلى أنه إذا ثبتت إشارة المريض على ما يعرف من حضره جازت وصيته.

4 - وفيه قتل الرجل بالمرأة وهو إجماع من يعتد به.

5 - وفيه جواز سؤال الجريح من جرحه، وفائدة السؤال أن يعرف المتهم ليطالب فإن أقر ثبت عليه القتل، وإن أنكر فالقول قوله مع يمينه، ولا يلزمه شيء بمجرد قول المجروح في مذهب الجماهير.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

من محاسن الشريعة أن الجزاء من جنس العمل.

طريقة الاستدلال:

1- يقتل الجاني بمثل ما قتل به؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة: 178]، وتمام القصاص أن يفعل بالجاني كما فعل؛ لأنه من القص وهو تتبع الأثر، ولقوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ [البقرة: 194].

ولأن النبي ﷺ رضَّ رأس الرجل اليهودي بين حجرين؛ لأنه قتل الجارية الأنصارية برض رأسها بين حجرين، وهذا دليل خاص[8].

2 - استدل الحنفية والحنابلة على مذهبهم بحديث: «لا قود إلا بالسيف»، وحديث النهي عن المثلة. وأجاب الجمهور بضعف حديث: «لا قود»، وأن النهي عن المثلة محمول على غير المماثلة في القصاص جمعًا بين الأدلة.

من أحكام القصاص:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة: 178].

وقال الله تعالى: ﴿ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [المائدة: 45].

وقال الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا [النساء: 92].

دلَّت الآيات السابقة على الآتي:

‌أ. أن الأصل في حكم فعل العمد: القصاص؛ سواء كان الجاني ذكرًا أو أنثى حرًا أو عبدًا، ومن ذلك قتل العمد إلا أن يُعفى عن الجاني، وأن العفو قد يكون بمقابل مادي أو معنوي أو بدونه، وهو الأفضل لما فيه من الجزاء عند الله، وأن في الجروح قصاص بالمثل إلا أن يُعفى عن الجاني، وأن القصاص في الجرح الذي تلزم فيه المماثلة ويلزم منها استقرار الجرح وبرؤه، وأن يكون الموضع تصلح فيه المماثلة، وإلا ففي الجروح أروش مقدرة لتعذر القصاص.

‌ب. أن في قتل الخطأ الدية والكفارة، وبما أن العمد له حكمه المبيَن سابقًا، وشبه العمد ليس عمدًا فلا يأخذ حكمه فكان إلحاقه بالخطأ؛ لأن الله لم يذكر غير العمد والخطأ، فأي قتل لم يتبين فيه العمد فهو خطأ، وجعل النبي فيه الدية المغلظة لما في الجناية من شبه بالعمد. والله أعلم.

‌ج. وأما تحميل دية القتل الخطأ على العاقلة -وهم العصبة، وسمُّوا عاقلة لأنهم كانوا يعقلون إبل الدية عند بيت المقتول- فقد قال القرطبي: (أَجْمَعَ أَهْلُ السِّيَرِ وَالْعِلْمِ أَنَّ الدِّيَةَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ، فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللهِ فِي الْإِسْلَامِ). اهـ

‌د. ولعلَّ تحميلهم روعي فيه أنه من بقايا ملة إبراهيم عليه السلام والله أعلم.

هـ. وأما أن دية الجنين (ذكر أو أنثى) إذا خرج ميتًا ثمن عبد أو أمة أي عُشـر دية أمه، فلأنها نفس فلا بد من ديتها بما يناسبها، قال ابن عبد البر في التمهيد: (وَقَدْ كَانَ لِلْغُرَّةِ أَصْلٌ مَعْرُوفٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ بِشَرَفِهِ أَنْ يُودَى دِيَةً كَامِلَةً). اهـ

قلت: فدية الجنين وتحميل الدية على العاقلة إما أن يكونا من شرع من قبلنا، وإما أن رسول الله قضى فيهما بالعرف، والأول أقرب، والله أعلم.

[الأحاديث]

1180- عن عمران بن حصين رضي الله عنه: «أَنَّ غُلَامًا لِأُنَاسٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لِأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَوا النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ يَجْعَلْ لَـهُمْ شَيْئًا»، رواه أحمد والثّلاثة بإسناد صحيح.

1181- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَقِدْنِي. فَقَالَ: «حَتَّى تَبْرَأَ». ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ. فَقَالَ: أَقِدْنِي، فَأَقَادَهُ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، عَرِجْتُ، فَقَالَ: «قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِي، فَأَبْعَدَكَ الله، وَبَطَلَ عَرَجُكَ». ثُمَّ نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ صَاحِبُهُ. رواه أحمد والدّارقطنيّ، وأُعِلَّ بالإرسال. [أعلَّه بالإرسال الدارقطني في السنن (4/ 72)، وينظر: العلل الكبير للترمذي (186)، وتنقيح التحقيق (4/492)].

1182- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَضَى رَسُولُ الله ﷺ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا: غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ الـمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ يَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ؟! فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الكُهَّانِ»، من أجل سجعه الذي سجع، متّفق عليه. وأخرجه أبو داود والنسائي من حديث ابن عبّاس أنّ عمر: سَأل مَنْ شَهِدَ قَضَاءَ رَسُولِ الله ﷺ فِي الـجنِينِ؟ قَالَ: فَقَامَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ فَقَالَ: كُنْتُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى. فذكره مختصرًا، وصحَّحه ابن حبان والحاكم. [والبخاري فيما نقله الترمذي في العلل الكبير (398)].

1183- وعن أنس رضي الله عنه: أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النَّضْرِ -عَمَّتَهُ- كَسَـرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيْهَا العَفْوَ، فَأَبَوْا، فَعَرَضُوا الأَرْشَ، فَأَبَوْا، فَأَتَوْا رَسُولَ الله ﷺ وَأَبَوْا إِلَّا القِصَاصَ، فَأَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ الله، أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ؟! لَا، وَالذِي بَعَثَكَ بِالْـحَقِّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «يَا أَنَسُ، كِتَابُ الله: القِصَاصُ». فَرَضِيَ القَوْمُ، فَعَفَوْا! فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ الله مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله لَأَبَرَّهُ»، متفق عليه، واللفظ للبخاري.

1184- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ قُتِلَ فِي عِمِّيَّا أَوْ رِمِّيّ بِحَجَرٍ، أَوْ سَوْطٍ، أَوْ عَصًا، فَعَقْلُهُ عَقْلُ الـخَطَإِ، وَمِنْ قُتِلَ عَمْدًا فَهُوَ قَوَدٌ، وَمَنْ حَالَ دُونَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله»، أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه بإسناد قوي. [ورجَّح إرساله الدارقطني في العلل (5/ 287)، وابن عبد الهادي في التنقيح (4/ 477)].

1185- وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ، وَقَتَلَهُ الآخَرُ، يُقْتَلُ الذِي قَتَلَ، وَيُحْبَسُ الذِي أَمْسَكَ»، رواه الدارقطـني موصولًا ومرسلًا، وصحَّحه ابن القطان، ورجاله ثقات، إلا أن البيهقي رجَّح المرسل. [وكذا ابن عبد الهادي في التنقيح (4/ 485)، وينظر: سنن البيهقي (16/ 240)].

1186- وعن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَأْخُذُوا العَقْلِ، أَوْ يَقْتُلُوا»، أخرجه أبو داود، والترمذي[9] وصحَّحه، وأصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة بمعناه.

ترجمة الراوي:

أبو شريح الخزاعي: خويلد بن عمرو الخزاعي، نزل المدينة، أسلم قبل فتح مكة، وحمل لواء خزاعة في الفتح، كان من عقلاء أهل المدينة، فصيحًا قويًّا في الله تعالى، لا تأخذه في الله لومة لائم، مات سنة (68).

التوضيح:

- غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ: أي أن الغرة: العبد نفسه، أو الأمة، وأصل الغرة البياض في وجه الفرس، وتجب الغرة في الجنين إذا سقط ميتًا، فإن سقط حيًا ثم مات، ففيه الدية كاملة.

- عَاقِلَتِهَا: هي القرابة من قبل الأب، كالعمومة وأولادهم.

- وَلَا اسْتَهَلَّ: هو تصويته وصياحه عند ولادته.

- فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ: أي: يبطل ويهدر.

- مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ: أي لجعله راضيًا بارًا صادقًا في يمينه لكرامته عليه.

- عِمِّيَّا: من العمى، أي في حالة اختلاط بين الناس لا يُدرى فيها من القاتل.

- أَوْ رِمِّيَّا: من الرمي، والمراد في حالة الترامي بين طرفين ليس هو من أحدهما.

- العَقْلِ: الدية.

الدلالات الفقهية:

1 - دلَّ حديث عمران على عدم تغريم العاقلة الفقيرة؛ قال الخطابي (الغلام الجاني كان حرًّا وكانت جنايته خطأ وكانت عاقلته فقراء وإنما تواسي العاقلة عن وُجْد وسعة ولا شيء على الفقير منهم. ويشبه أن يكون الغلام المجني عليه أيضًا حرًّا لأنه لو كان عبدًا لم يكن لاعتذار أهله بالفقر معنى لأن العاقلة لا تحمل عبدًا كما لا تحمل عمدًا ولا اعترافًا وذلك في قول أكثر أهل العلم)[10] .

2 - وفي حديث عمرو بن شعيب دليل على أنه لا يقام القصاص في الجروح حتى تندمل وتلتئم، وهو قول الجمهورمن الحنفية والمالكية والحنابلة [11].

3 - وفي حديث أبي هريرة دليل على أن دية القتل شبه العمد والخطأ تجب على عاقلة الجاني، وقد اتفق العلماء على أن دية الخطأ على العاقلة[12]، وأما دية القتل شبه العمد فتجب كذلك على عاقلة الجاني عند جمهور العلماء[13].

4 - أجمع العلماء على أن دية القتل العمد تجب في مال القاتل، وأنه لا يجب أن تحملها العاقلة[14]. تُنجَّم الدية على ثلاث سنوات في كل سنة ثلث الدية، وهذا ما نصَّ عليه فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.

5 - في حديث أنس دليل على جواز إسقاط القصاص، وقد أجمع العلماء على ذلك، وأنه أفضل من الأخذ بالمثل في العقوبة[15]؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [المائدة: 45]، فمن وجب له القصاص فله الحق أن يقتص، وله الحق أن يعفو عن الجاني، سواءً كان العفو إلى بدل المال أو العفو مطلقا[16].

6 - ذهب المالكية خلافًا لجمهور الفقهاء إلى أنه لو عفا ولي المقتول غيلة عن القاتل، فإن عفوه لا يسقط عقوبة القتل؛ لأن الحق ليس له، وإنما لله سبحانه وتعالى.

7 - وفي حديث ابن عباس دليل على أنه لا قصاص فيمن قتل بين فريقين تقاتلا، ولم يتبين قاتله، وأن حكمه حكم قتيل الخطأ، فتجب فيه الدية، وتكون على عاقلة القبيلة التي وجد فيها [17].

8 - وفيه دليل على أن الذي يوجبه القتل عمدًا هو القود عينًا، ويدل له قوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ، وحديث «كتاب الله القصاص»، وأما الدية فلا تجب إلا إذا رضي الجاني، ولا يجبر الجاني على تسليمها.

والجمهور أنه يجب بالقتل عمدًا أحد أمرين: القصاص أو الدية؛ بحسب ما يريده أولياء الدم؛ للحديث: «إِمَّا أَنْ يَأْخُذُوا العَقْل، أَوْ يَقْتُلُوا»[18].

9 - وفي حديث ابن عمر دليل على أن من أمسك إنسانًا للقتل: أنه لا يقتل، ويعزَّر، وهو مذهب الجمهور، ونصَّ الحنابلة: أن الممسك يحبس حتى يموت، فيعاقب بمثل ما فعل بغيره حيث أمسكه حتى مات[19].

10 - وفي حديث أبي شريح دليل لما أجمع عليه الفقهاء من أن ولي الدم مخيرٌ في الجناية على النفس بين أربع خصال: فإما أن يقتص من القاتل، أو يعفو عنه إلى الدية أو بعضها، أو أن يصالحه على مال مقابل العفو، أو يعفو عنه مطلقًا[20].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - الحكمة في تأجيل القصاص في الجروح حتى تبرأ: أن الجرح ما دام طريًّا لم يبرأ، فإن فيه احتمالًا أن تكون له سراية ومضاعفات، فالواجب الصبر حتى يتم شفاؤه، ثم يقتص له، أو تؤخذ له الدية مع اعتبار ما آل إليه.

2 - وفيه: أن اتباع الشرع هو الخير والبركة في الحال والمآل، وأن مخالفته شر حاضرًا، ومستقبلًا.

3 - وفيه أن تبيين غلط المستعجل في الأمور لا يعد شماتة فيه إذا قيل له ذلك للاعتبار، والاتعاظ في المستقبل له ولغيره[21].

4 -بيَّن ابن القيم -رحمه الله- أن حمل العاقلة الدية عن الجاني موافق لأصول الشـريعة وقواعدها؛ حيث قال: (دية المقتول مال كثير، والعَاقلة إنما تحمل الخطأ، ولا تحمل العمد بالاتفاق، والخطأ يُعذر فيه الإنسان، فإيجاب الدِّية في ماله فيه ضرر عظيم عليه من غير ذنب تعمَّده، وإهدار دم المقتول من غير ضمان بالكلية فيه إضرار بأَولاده وورثته، فلا بُدَّ من إيجاب بدله، فكان من محاسن الشريعة وقيامها بمصالح العباد: أن أوجب بدله على من عليه موالاة القاتل ونصرته، فأَوجب عليهم إعانته على ذلك، وهذا كإيجاب النّفقات على الأَقارب، وكسوتهم، وكذا مسكنهم وإِعفافهم، إذا طلبوا النّكاح)[22].

5 - قال العلماء: إنما كره النبي ﷺ سجع حمل بن النابغة لأمرين:

الأمر الأول: أنه عارض به حكم الله تعالى وشرعه، ورام إبطاله.

الأمر الثاني: أنه تكلف هذه السجعات بخطابه، لنصر الباطل، كما كان الكهان يروجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق السامعين، فيستميلون بها القلوب والأسماع.

فأما إذا وقع السجع بغير هذا التكلف، ولم يقصد به نصرة الباطل، فهو غير مذموم[23].

6 - المؤمن إذا لجّ به الغضب والحمية، فصدر منه ما ظاهره الاعتراض على أمر الله وحكمه، وهو لم يرد به الإنكار والمعارضة -وإنما قصد به طلب الشفاعة- فلا يؤاخذ بذلك؛ فإنما الأعمال بالنيات. ويحتمل: أن أنس به النضر إنما قال ذلك توقعًا من الله تعالى، ورجاءً من فضله أن ي رضي الله عنه خصم أخته، ويلقي في قلبه العفو، ولذا قال ﷺ: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره».

7 - أن الله تعالى بكرمه وعدله يعرف لذوي السابقة بطاعته سابقتهم، فإذا وقعوا في معضلة سهلها لهم؛ كما في قوله تعالى: ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ١٤٣ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات:143-144]، وكما جاء في الحديث: «تعرَّف إلى الله في الرخاء؛ يعرفك في الشدة»[24].

8 - أن القلوب بين يدي الله تعالى؛ فالمجني عليهم كانوا ممتنعين من العفو، ومن الدية، وطبيعة الحال أن تشدُّدَ أنس بن النضر في عدم تنفيذ القصاص في أخته مما يزيدهم شدة في طلب القصاص وإلحاحًا فيه، إلا أنهم عفوا، وهذا من الأدلة أن المتصرف في القلوب هو الله وحده[25].

9 - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (استيفاء الإنسان حقه من الدم عدل، والعفو عنه إحسان، والإحسان هنا أفضل، لكن هذا الإحسان لا يكون إحسانًا إلا بعد العدل، وهو ألا يحصل بالعفو ضرر، وإلا كان ظلمًا: إما لنفسه، وإما لغيره، قال في الإنصاف: وهذا عين الصواب)[26].

طريقة الاستدلال:

1 - تأويل الغلام الجاني في حديث عمران على أنه كان حرًا لا بد منه؛ للإجماع على أن جناية العبد معلقة في رقبته[27].

2 - قاعدة: (النص مقدم على القياس): إيجاب الدية على العاقلة سنده خبر الواحد، وقد ورد على مخالفة القياس، ولكن القاعدة: أن الحديث مقدم على القياس -ولو كان خبر آحاد- وهذا على سبيل التنزُّل، وإلا فالصواب أن ذلك جار على وفق الأصول والقياس كما تقدم من كلام ابن القيم رحمه الله.

حكم الانتحار:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء: 29].

وقال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: 93]، وقاتل نفسه داخل في هذا الوعيد.

[الأحاديث]

1187- عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كان فيمن كان قبلكم رجلٌ به جرحٌ فَجَزِعَ، فأخذ سكينًا فَحَزَّ بها يده، فما رَقَأَ الدمُ حتى مات. قال الله عز وجل: بادرني عبدي بنفسه، حرَّمت عليه الجنة»، متفق عليه.

ترجمة الراوي:

جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي، هو القائل: (كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا)، توفي بعد سنة (60).

التوضيح:

- فحز يده: قطعها.

- فما رقأ الدم: أي: ما انقطع دمه حتى مات.

الدلالات الفقهية:

الحديث أصل كبير في تعظيم قتل النفس؛ سواء كانت نفس الإنسان أو غيره[28]. وهو نصٌّ في تحريم قتل الإنسان نفسه جزعًا وفرارًا من الألم.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

لا يمكن للمسلم مهما وقع تحت ضغط نفسي أو كربة شديدة أن يقدم على قتل نفسه؛ لأمور:

أولًا: أن نفسه ليست ملكه، بل هي ملك لله تعالى، ولا يجوز له قتل نفسه كما لا يجوز له قتل غيره.

ثانيًا: أنه لا يُقدم على الانتحار إلا من يئس من روح الله وبلغ به القنوط من رحمته مبلغًا يتنافى مع الإيمان بالله وقضائه وقدره.

ثالثًا: أن العبد المؤمن مهما أصابه فإنه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وأن كل شيء بقضاء وقدر، وأن المدبِّر لأموره هو الله، فيُسلِّم لقضاء الله ويتوكل عليه.

رابعًا: أنه إن تذكر حقارة هذه الدنيا وسرعة زوالها، وأن ما أصابه فيها من بلاء فهو له كفارة وعند الله رفعة، حتى الشوكة، وأن النعيم الدائم الكامل هناك في الآخرة هان عليه ما هو فيه.

خامسًا: أنه يدرك أن الرحيم الودود سبحانه مطلع على عبده، عالم بما يقاسيه ويعانيه، وأنه أكرم مما قد يظن، بل هو أرحم بالعبد من نفسه، فيُحسن ظنه بربه، ويثق بسعة رحمته وفضله وقُرب فرجه، ويصدق التضرُّع واللجوء إليه، وينتظر الفرَج منه.كل ذلك يعينه على الصبر عند المصائب والرضى عن الله تعالى وسيأتيه الفرج والتيسير.

طريقة الاستدلال:

- قوله: «حرَّمت عليه الجنة»: مؤول على تحريم الجنة بحالة مخصوصة، كالتخصيص بزمن، كما يقال: إنه لا يدخلها مع السابقين، وإنما يعذب في النار ثم يخرج إلى الجنة، أو أنه محمول على من فعل ذلك مستحلًا، فيكفر به، ويكون مخلدًا بكفره، لا بقتله نفسه[29].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة