باب قتال أهل البغي
قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ٩ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الحجرات: 9، 10].
في الآيات أن اسم البغي يقع على كل مؤمن متأول قاتل المسلمين سواء كانوا حكامًا أو محكومين، وأن البغاة لايزالون مسلمين وإنما يُقاتَلون إن بَدؤا بما يَدفع شرهم، ولذا لا يُجهز على جريحهم ولا يُتبع مدبرهم.
والأمر بالصلح بين المسلمين يقتضي محاربة كل ما هو ضده من الإفساد والتفرق.
1203- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا»، متّفق عليه.
1204- وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ ﷺ قال: «مَنْ خَرَجَ عَنْ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الـجمَاعَةَ، وَمَاتَ فَمِيتَتُهُ مِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ»، أخرجه مسلم.
1205- وعن أمّ سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «تَقْتُلُ عَمَّارًا الفِئَةُ البَاغِيَةُ»، رواه مسلم.
1206- وعن ابن عمر رضي الله عنهماقال: قال رسول الله ﷺ: «هَلْ تَدْرِي يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ، كَيْفَ حُكْمُ الله فِيمَنْ بَغَى مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؟» قَالَ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهَا، وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهَا، وَلَا يُطْلَبُ هَارِبُهَا، وَلَا يُقْسَمُ فَيْؤُهَا»، رواه البزّار والحاكم، وصحَّحه فوَهِم؛ لأنّ في إسناده كوثر بن حكيم، وهو متروك، وصحّ عن عليّ رضي الله عنه من طرق نحوه موقوفًا، أخرجه ابن أبي شيبة والحاكم.
1207- وعن عرفجة بن شريح رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمَرَكُمْ جَمِيعٌ، يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ»، أخرجه مسلم.
عرفجة بن شريح الكندي، ويقال: الأشجعي، سكن البصرة، له حديث واحد عن النبي ﷺ.
- فَمِيتَتُهُ مِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ: أي منسوبة إلى أهل الجهل، والمراد به من مات على الكفر قبل الإسلام.
- البَاغِيَةُ: البغاة: هم الخارجون على إمام -ولو غير عدل- بتأويل سائغ، ولهم شوكة.
- لا يجهز على جريحها: أي: لا يتمم قتل من كان جريحًا من البغاة.
1 - لأهل البغي ثلاثة شروط، إذا فقد شرط منها فليسوا بغاة، وإنما هم قُطَّاع طريق، فيشترط لتحقق البغي: أن يكون لهم تأويل يعتقدون به جواز الخروج على الإمام، والمراد: أن تكون لهم شبهة يحتجون بها، ويظنونها تسوِّغ لهم الخروج على الإمام، وهي ليست كذلك، ويمثل له بعض أهل العلم بتأويل الخارجين من أهل الجمل وصِفِّين على عليٍّ رضي الله عنه بأنه يعرف قَتَلَةَ عثمان رضي الله عنه ويقدر عليهم، ولا يقتص منهم.
فإن لم يكن لهم تأويل أو لهم تأويل غير سائغ فهم قطاع طريق وليسوا بغاة[1].
الشرط الثاني لتحقق البغي: وجود الشوكة، وأصل الشوكة: شدة البأس وقوة السلاح، والمراد: أن لهم كثرة أو قوة ولو بحصن، بحيث يمكن معها مقاومة الإمام.
الشرط الثالث: أن يكونوا جماعة.
فإذا قام مجموعة من الناس على هذا الصفات فهم بغاة على الإمام، ومتى اختل شرط من ذلك، بأن لم يكن خروجهم بتأويل أو بتأويل غير سائغ، أو كانوا جمعًا يسيرًا لا شوكة لهم، فليسوا بغاة[2].
2 - قتال البغاة فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولذلك تخلَّف قوم من الصحابة رضي الله عنهم عن هذه المقامات؛ كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو ومحمد بن مسلمة وغيرهم. وصوَّب ذلك لهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، واعتذر إليه كل واحد منهم بعذر قبله منه[3].
3 - وفي حديث ابن عمر دليل على تحريم قتال المسلمين، وتغليظه، وحمل السلاح: كناية عن القتال به، وأن حمله كان من أجل القتال به، ودلَّ على ذلك قرينة قوله عليه السلام: «علينا»[4].
4 - وفي حديث أبي هريرة دليل على وجوب طاعة ولي الأمر، وعدم مفارقته.
5 - قال الصنعاني: (قوله: (عن الطاعة): أي: طاعة الخليفة الذي وقع الاجتماع عليه، وكأن المراد خليفة أي قطر من الأقطار؛ إذ لم يُجمع الناس على خليفة في جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية، بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم؛ إذ لو حمل الحديث على خليفة اجتمع عليه أهل الإسلام؛ لقلّت فائدته)[5].
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (الأئمة مجمعون من كل مذهب، على أن من تغلَّب على بلد أو بلدان، له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا؛ لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا، ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرفون أحدًا من العلماء ذكر أن شيئًا من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم)[6].
6 - وفيه دليل على أنه إذا فارق أحد الجماعة -ولم يخرج عليهم ولا قاتلهم- أنا لا نقاتله لنرده إلى الجماعة وليذعن للإمام بالطاعة، بل نخليه وشأنه؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر بقتاله، بل أخبر عن حال موته، وأنه كأهل الجاهلية، ولا يخرج بذلك عن الإسلام. ويدلُّ له ما ثبت من قول عليٍّ رضي الله عنه للخوارج: «كونوا حيث شئتم، وبيننا وبينكم أن لا تسفكوا دمًا حرامًا، ولا تقطعوا سبيلًا، ولا تظلموا أحدًا، فإن فعلتم نفذت إليكم بالحرب»، وهذا ثابت عنه بألفاظ مختلفة، فدلَّ على أن مجرد الخلاف على الإمام لا يوجب قتال من خالفه[7].
7 - ينبغي للإمام أن يدعو البغاة الخارجين عليه إلى العودة إلى الجماعة، والدخول في طاعته رجاء الإجابة، وقبول الدعوة، لعلَّ الشر يندفع بالتذكرة؛ لأنه ترجى توبتهم، ويسألهم عن سبب خروجهم، فإن كان لظلم منه أزاله، وإن ذكروا علة يمكن إزالتها أزالها، وإن ذكروا شبهة كشفها؛ لأن الله سبحانه بدأ الأمر بالإصلاح قبل القتال فقال: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ﴾ [الحجرات:9].
8 - وفي حديث ابن عمر دليل على اختلاف أحكام المقاتلين من البغاة عن المحاربين من الكفار، فالبغاة: لا يُجهز على جريحهم، ولا يقاتل مدبرهم الذي قد ولى دبره وهرب؛ لأن شرط حِلِّ قتالهم كونهم مقاتلين، والجريح تمنعه جراحته عن القتال، والمدبر تارك للقتال فلا يقاتل. ولا يُقتل من أُسر من أهل البغي، ولكن يحبس حتى تنكسـر شوكتهم وتنقضـي حربهم؛ لأن في إطلاقهم قبل ذلك ضررًا، لاحتمال حصول المساعدة منهم للمقاتلين، وفي حبسهم كسر قلوب البغاة وإضعاف لهم، فإذا انتهى القتال زال المانع الذي حبسوا من أجله، فوجبت تخليتهم.
9 - ولا تُسْبَى ذريتهم من النساء والصبيان، وذلك لأنه لم يحصل منهم سبب يقتضـي سبيهم، بخلاف آبائهم؛ فإنه قد وجد منهم البغي والقتال.
10 - ولا يُغْنَمُ مالُهُم، فلا يجوز أخذ مال البغاة؛ لأنهم لم يكفروا ببغيهم وقتالهم، وعصمة أموالهم تابعة لعصمة دينهم، فمَن وَجَدَ من أهل البغي ماله بعد القتال بيد غيره أخذه، لأن أموالهم كأموال غيرهم من المسلمين، لا يجوز اغتنامها.
11 - ودلَّ حديث عرفجة وما يشبهه من الأحاديث في بابه: على أن من خرج على إمام قد اجتمعت عليه كلمة المسلمين -والمراد أهل قطر كما قلناه- فإنه قد استحق القتل؛ لإدخاله الضرر على العباد، وظاهره سواء كان الإمام جائرًا أو عادلًا، وقد جاء في أحاديث: تقييد ذلك بـ«ما أقاموا الصلاة»، وفي لفظ: «ما لم تروا كفرًا بواحًا»[8].
12 - وجوب طاعة ولاة الأمر، وعدم الخروج عليهم، ولو وجد الناس أثرة واستبدادًا بالأموال، أو تقصيرًا في بعض أمور الرعية، فإن ذلك يحقق مصالح كبيرة من الأمن، والاستقرار، وحقن الدماء. وأما الخروج وخلع طاعته، فإنه يجر أمورًا عظيمة من المفاسد، والفوضى، واختلال الأمن، وسفك الدماء، ومن هنا جاء أمر الشارع الحكيم بالسمع والطاعة، ولزوم الجماعة، فيما وافق نشاطك، وهواك، أو خالفها، ما لم يؤمر بمعصية، أو يرى الإنسان كفرًا بواحًا[9].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - خطورة الفتنة والخروج عن جماعة المسلمين، وحمل السلاح عليهم.
2 - قوله: «فميتته ميتة جاهلية»: هو تشبيه لميتة من فارق الجماعة بمن مات على الكفر، بجامع أن الكل لم يكن تحت حكم إمام، فإن الخارج عن الطاعة كأهل الجاهلية لا إمام لهم.
3 - مهمة الإمام حفظ الدين، وحماية بيضة الإسلام، وإقامة الحدود، وتحصين الثغور، وجهاد المعاند، وجباية الصدقات، وتقدير العطاء، واستكفاء الأمناء[10].
4 - وفي حديث أم سلمة رضي الله عنها دليل على أن الفئة الباغية معاوية رضي الله عنه ومن في حزبه، حيث إنهم مجتهدون مخطئون كان لهم تأويل، وأن الفئة المحقة عليٌّ رضي الله عنه ومن في صحبته، وقد نقل إجماع أهل السنة على هذا القول جماعة من أئمتهم، كالعامري وغيره[11].
1 - قوله: «فليس منا»: قد يقتضي ظاهره الخروج عن الإسلام؛ وقد ورد مثل هذا، كقوله ﷺ: «من غشنا فليس منا»، وقيل فيه: ليس مثلنا أو ليس على طريقتنا أو ما يشبه ذلك، وقد دلَّت الأدلة على عدم الخروج عن الإسلام بذلك، ولهذا اضطررنا إلى التأويل بمثل ما سبق[12].
2 - قاعدة: (الضرر يزال):
يبني الفقهاء على هذه القاعدة كثيرًا من أبواب الفقه، منها: نصب الأئمة والقضاة، ودفع الصائل، وقتال المشركين والبغاة.