باب قتال الجاني وقتل المرتد
قال الله تعالى: ﴿ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ [الحجرات: 9].
قال القرطبي: (وَعَلَيْهِ بَنَى الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ إِذَا دَفَعَ الصَّائِلَ عَلَى النَّفْسِ أَوْ عَلَى المال؛ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ مَالِهِ، أَوْ نفس غيره فله ذلك ولا شي عَلَيْهِ). اهـ
كأنه يقول إذا وجب دفع الصائل على غيرك وهو الباغي فدفعه عن نفسك من باب أولى.
1208- عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مِنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»، متفق عليه.
1209- وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قَاتَلَ يَعْلَى بْنُ أُمِّيَّةَ رَجُلًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الفَحْلُ؟! لَا دِيَةَ لَهُ»، متّفق عليه.
1210- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو القاسم ﷺ: «لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ»، متّفق عليه.
وفي لفظ لأحمد والنسائي، وصحَّحه ابن حبان: «فَلَا دِيَةَ لَهُ وَلَا قِصَاصَ».
- يعضّ الفحل: يريد به الذكر من الإبل، ويطلق على غيره من ذكور الدواب.
- حذفته: رميته.
- فقأت عينه: أفسدتها.
- جناح: إثم.
1 - في حديث عبد الله بن عمرو دلالة على جواز قتل من يسعى لأخذ المال بغير حق، سواء كان المال قليلًا، أو كثيرًا؛ لأن الإنسان بإسلامه محترم ذاتًا، ودمًا، وأهلًا، وعرضًا، ومالًا، فإذا أُخذ منه شيء من ذلك عدوانًا باعتداء عليه، جاز له دفع هذا الاعتداء، فإذا قُتِل في الدفاع عن نفسه، قتل مظلومًا، واعتبر شهيدًا بحكم الشرع[1].
قال ابن المنذر: (والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر إذا أريد ظلمًا بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه)[2].
2 - الصائل يدافع بأسهل ما يغلب على الظن دفعه به، فإن كان يندفع بالتهديد فلا يضربه، وإن كان يندفع بالضرب باليد فلا يضربه بالعصا، وإن كان يندفع بربط إحدى يديه فلا يربط الاثنتين، وإن كان يندفع بربط اليدين دون الرجلين، فلا يربط الرجلين، فإن لم يندفع إلا بالقتل فله قتله، ولا ضمان عليه[3].
3 - وفي حديث عمران: أن من عض يد إنسان فانتزعها منه، فسقطت أسنانه أو بعضها، فلا قَودَ عليه ولا دِيَة للجاني، وليس الحكم مختصًا بالعض، بل الحكم عام في كل من صال عليه إنسان أو حيوان، فدافع عن نفسه، أو عن عرضه، أو عن حرمه، أو ماله، فجرح الصائل، أو قتله، فلا شيء عليه؛ لأنه يدافع عمَّا تجب عليه حمايته، والصائل هو المعتدي الباغي.
4- وفيه رفع الجناية إلى الحاكم من أجل الفصل، وأن المرء لا يقتص لنفسه، وأن المتعدي بالجناية يسقط ما ثبت له قبلها من جناية إذا ترتبت الثانية على الأولى.
5 - ودلَّ حديث أبي هريرة على تحريم الاطلاع على الغير بغير إذنه، وأنّ من اطلع قاصدًا للنظر إلى محل غيره مما لا يجوز الدخول إليه إلا بإذن مالكه، فإنه يجوز للمطلَع عليه دفعه بما ذُكر؛ وإن فقأ عينه، فإنه لا ضمان عليه[4].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - اعتنى الإسلام بمصالح الإنسان الدنيوية، كما اعتنى بأمور آخرته، وأتى بالتشـريعات التي تكفل له صيانة حقوقه، وقد قرَّر الإسلام كليات خمس، وانصبت سائر تشريعاته في حفظها وهي: الدين، والنفس، والمال، والعقل، والعرض.
وذلك أن حفظ هذه الكليات هو السبيل الوحيد لاستقرار المجتمع المسلم وسعادة أفراده، والتفريط في واحدة منها يؤدي إلى اضطراب المجتمع، وضياع الأمن. والعقل البشري قاصر مفتقر إلى تشريع إلهي يحفظ حقوقه ويصونها، فجاءت مشروعية الدفاع عن النفس والمال والعرض من كل اعتداء جائر، وإن كان المعتدي من أهل الإسلام؛ حفظا للأنفس المعصومة، وعناية وحرصًا على صيانة الأعراض والأموال من أن تنتهك أو تغتصب.
2 - أقرَّت الشريعة الإسلامية دفع الصائل لحِكَم متعددة؛ منها: صيانة الإسلام للنفس والعرض والمال؛ لأن نفس المسلم أو المسلمة في حكم الإسلام مصونة محترمة.
ومنها: أن الدولة هي المسؤولة عن إنزال العقوبات بالمعتدين، لكن في حالة الضـرورة التي لا يستطيع أن يلجأ المعتدي عليه للسلطة العامة لحمايته ورد الاعتداء عنه، فقد أباحت الشريعة الإسلامية أن يتولَّى بنفسه ردَّ الاعتداء عنه بالقوة اللازمة لهذا الرد، ولو أدى ذلك إلى قتل الصائل.
ومنها: أن دفع الصائل فيه قضاء على الظالم والظلم في ظل المجتمع الإسلامي، فبدفع الصائل ينعم المسلمون بالأمن والأمان داخل حدود الدولة الإسلامية.
ومنها: دفع الاعتداء عن الغير، أو عرضه، أو ماله، وفي ذلك تحقيق للطمأنينة لأفراد المجتمع، والتعاون على عدم الفلتان الأمني[5].
3 - الخصومة عامة ممقوتة، ولكن تزيد بشاعتها إذا كانت بطريقة وحشية، تشبه عمل الحيوانات الشرسة من فحول الإبل ونحوها[6].
4 - للإنسان حرمة عظيمة ومقام كبير، وقد حظر الله تعالى ماله وعرضه ودمه، ولكنه إذا اعتدى على غيره زالت حرمته، وصَغُر مقامه؛ إذ أهان نفسه، وقلل خطره.
5 - هذا التأديب الإسلامي كله محافظة على حرية الإنسان المباحة في بيته؛ فإن الإنسان يتبذل ويتبسط، ويكون في حالة لا يرغب أن يطلع عليه أحد وهو فيها، فإذا أراد معتد أن يكشف حاله بدون إذنه، فجزاؤه ردعه بما يناسبه.
6 - ينبغي الحذر من الاطلاع على عورات الآخرين، والتنزُّه والانصـراف عن كل ما لا يرغبون الاطلاع عليه، نظرًا أو سماعًا، فذلك حقٌ لهم، كما أنه من تمام العفَّة والأمانة والصدق والصيانة.
1 - قاعدة: (من أتلف شيئا لدفع أذاه له لم يضمنه)، وبمعناها: (لا ضمان فيما ترتب على المأذون).
ويترتب على ذلك أمران:
الأول: لو قتل الصائل عند مدافعته، فلا شيء على المدافع عن نفسه؛ لأن ما ترتب على المأذون ليس بمضمون؛ والإنسان مأذون له أن يدافع عن نفسه.
الثاني: ما جاء في حديث عمران بن حصين، فالرجل الذي نزع يده قد فعل شيئًا مأذونًا فيه، فترتب على ذلك الفعل ضرر أهدره الشارع.
2 - ضابط: كل ما أبيح إتلافه لصوله، فإنه يدافع بالأسهل فالأسهل[7]؛ لأن الأصل حرمة الغير، ولما جازت مقابل رد الاعتداء؛ وجب أن تقدر بقدرها.
3 - ردت هذه السنن بأنها خلاف الأصول، فإن الله إنما أباح قلع العين بالعين، لا بجناية النظر، ولهذا لو جنى عليه بلسانه لم يقطع، ولو استمع عليه بأذنه لم يجز أن يقطع أذنه.
فيقال: بل هذه السنن من أعظم الأصول، فما خالفها فهو خلاف الأصول. وقولكم: «إنما شرع الله سبحانه أخذ العين بالعين»، فهذا حق في القصاص، وأما العضو الجاني المتعدي الذي لا يمكن دفع ضرره وعدوانه إلا برميه، فإن الآية لا تتناوله نفيًا ولا إثباتًا، والسنة جاءت ببيان حكمه بيانًا ابتدائيًا لما سكت عنه القرآن، لا مخالفا لما حكم به القرآن[8].
قال الله تعالى: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ٧٨ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ [الأنبياء: 78، 79].
قال ابن كثير: (وَقَالَ شُرَيح، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ: النَّفْشُ بِاللَّيْلِ...جَاءَ رَجُلَانِ إِلَى شُرَيح، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ شَاةَ هَذَا قَطَعَتْ غَزلًا لِي، فَقَالَ شُرَيْحٌ: نَهَارًا أَمْ لَيْلًا؟ فَإِنْ كَانَ نَهَارًا فَقَدْ بَرِئَ صَاحِبُ الشَّاةِ، وَإِنْ كَانَ لَيْلًا ضَمِن، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ ﴾ الْآيَةَ). اهـ
وقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ، وَالْقُضَاةُ بِذَلِكَ يَقْضُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
1211- عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «قَضَى رَسُولُ الله ﷺ أَنَّ حِفْظَ الْـحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنْ حِفْظَ الـمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الـمَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ»، رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي، وصحَّحه ابن حبَّان، وفي إسناده اختلاف. [ضعَّفه الطحاوي في معاني الآثار (3/204)، وابن عبد البر في التمهيد (7/254)، وغيرهم، وقال ابن عبد البر في التمهيد (7/254): (وإن كان هذا مرسلا، فهو مشهور، حدث به الأئمة الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز بالقبول)].
روى أبو داود عن البراء بن عازب، قال: كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطا فأفسدت فيه، فكلم رسول الله ﷺ فيها: «فقضى أن حفظ الحوائط...» الحديث.
- الحوائط: أي المزارع والبساتين.
اختلف الفقهاء في ضمان ما يتلفه الحيوان: فذهب جمهورهم إلى ضمان ما تفسده الدابة من الزرع والشجر إذا وقع في الليل، وكانت وحدها ولم تكن يد لأحد عليها، وأما إذا وقع ذلك في النهار، ولم تكن يد لأحد عليها - أي الدابة - فلا ضمان فيه؛ لأن العادة من أهل المواشي إرسالها في النهار للرعي، وحفظها ليلًا، وعادة أهل الحوائط حفظها نهارًا دون الليل، فإذا ذهبت ليلًا كان التفريط من أهلها، بتركهم حفظها في وقت عادة الحفظ. وإن أتلفت نهارًا، كان التفريط من أهل الزرع، فكان عليهم، وقد فرَّق النبي ﷺ بينهما، وقضى على كل إنسان بالحفظ في وقت عادته[9].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
في زماننا ابتلي الناس بأعظم من ذلك، فعندما تمر على البساتين في الطرق البرية التي تمر معها السيارات؛ تجد المواشي في وسط الطريق، فتصطدم بها ليلًا، فيحصل نتيجة هذا الحادث الوفيات الجماعية، فتزهق فيها النفوس البريئة، وأهل البوادي مسيبون مواشيهم في هذه الطرق، وبهذا فلا بد أن يضرب على يد هؤلاء المتهاونين والمتساهلين بأرواح الناس بيد من حديد، ويجازون[10].
قاعدة: (العادة محكمة): قسم النبي ﷺ الحكم السابق في الحديث بناء على عادة الناس، وما تعارفوا عليه، قال الخطابي: (يشبه أن يكون إنما فرق بين الليل والنهار في هذا؛ لأن في العرف أن أصحاب الحوائط والبساتين يحفظونها بالنهار، ويوكلون بها الحفاظ والنواطير، ومن عادة أصحاب المواشي أن يسرحوها بالنهار ويردوها مع الليل، فمن خالف هذه العادة كان به خارجًا عن رسوم الحفظ إلى حدود التقصير والتضييع)[11].