حجم الخط:

محتوى الدرس (135)

كتاب الحدود

باAdobe Systemsب حد الزاني

حدّ الزاني وطرق إثبات الزنا:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور: 2] قال القرطبي: (قَالَ الْجُمْهُورُ: هِيَ خَاصَّةٌ فِي الْبِكْرَيْنِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ عامة بخروج العبيد والإماء منها). اهـ. هذا هو الحد وأما النفي لمدة عام فمن التعزير بحسب المصلحة عند بعض الفقهاء وهو الأظهر والله أعلم.

قلت: والذي أخرج الإماء -وحُمل العبيد عليه للمساواة بينهما في الرق- قول الله تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثم قال بعدها: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء: 25] والإحصان هنا - على الصحيح- هو التزويج وهذا يعني أن لا رجم عليهما حال الإحصان؛ لأن الذي يمكن تنصيفه هو جلد مائة لا الموت رجمًا بالحجارة، فإذا لم يكن العبد أو الأمة محصنًا فالجزاء التعزير بالجلد كما يراه الإمام أحمد وغيره من السلف.

وفي ثبوت الرجم يقول الله تعالى: ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران: 93].

بوَّب البخاري في صحيحه بهذه الآية ثم روى بإسناده عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ اليَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ قَدْ زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ: «كَيْفَ تَفْعَلُونَ بِمَنْ زَنَى مِنْكُمْ؟» قَالُوا: نُحَمِّمُهُمَا وَنَضْرِبُهُمَا، فَقَالَ: «لاَ تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ؟» فَقَالُوا: لاَ نَجِدُ فِيهَا شَيْئًا، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلاَمٍ: كَذَبْتُمْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَوَضَعَ مِدْرَاسُهَا الَّذِي يُدَرِّسُهَا مِنْهُمْ كَفَّهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَطَفِقَ يَقْرَأُ مَا دُونَ يَدِهِ، وَمَا وَرَاءَهَا وَلاَ يَقْرَأُ آيَةَ الرَّجْمِ، فَنَزَعَ يَدَهُ عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا: هِيَ آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ مَوْضِعُ الجَنَائِزِ عِنْدَ المَسْجِدِ، فَرَأَيْتُ صَاحِبَهَا يَحْنِي عَلَيْهَا يَقِيهَا الحِجَارَةَ.

وروى الإمام مسلم في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي قال: «اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه». فأمر به فرجم. فأنزل الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إلى قوله: ﴿ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ [المائدة:41] يقول: ائتوا محمدًا ﷺ، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا. فأنزل الله تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ، ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:الآيات:47،45،44] في الكفار كلها.

فحد الزنى موجود في التوراة وأقرَّه القرآن، وبالإضافة إلى ما سبق من الآيات فإن الله سبحانه يأمر رسوله ﷺ بالاهتداء بمن سبقه من الأنبياء بقوله: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: 90].

ويثبت الزنى بأحد هذه الأمور:

1 - أربعة شهود عدول؛ كما قال الله تعالى: ﴿ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ [النساء: 15] قال القرطبي: (أَيْ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَجَعَلَ الله الشَّهَادَةَ عَلَى الزِّنَا خَاصَّةً أَرْبَعَةً تَغْلِيظًا عَلَى المُدَّعِي وَسَتْرًا عَلَى الْعِبَادِ، وَتحديد الشُّهُودِ بِالْأَرْبَعَةِ فِي الزِّنَا حُكْمٌ ثَابِتٌ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ والقرآن) اهـ. والعدول هم من ذكرهم الله تعالى بقوله: ﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة: 282].

2 - الإقرار بالزنا؛ قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا ۚ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ [الأعراف: 172] قال السيوطي: (هذه الآية أصل في الإقرار وقال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: 81] فقبل الله الإقرار في الإيمان والتوحيد فقبوله في غيره من باب أولى، وقد قال الشافعي في قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ [البقرة: 282]: (وإنَّما خاطب الله U بفرائضه البالغين من الرجال والنساء، وجعل الإقرار له، فكان موجودًا في كتاب الله U أن أمر الله تعالى الذي عليه الحق أن يمل هو، وأن إملاءه: إقراره، وهذا يدل على جواز الإقرار على من أقرَّ به). اهـ

3 - ويثبت الزنى بالحمل من امرأة لا زوج لها ما لم يقم دليل على البراءة؛ لقوله تعالى عن مريم: ﴿ قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا [مريم: 20] فالحمل لا يكون إلا من زوج أو من زنى وما سوى ذلك فمعجزة.

[الأحاديث]

1215- عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهَ، أَنْشُدُكَ الله إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ الله، فَقَالَ الآخَرُ -وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ-: نَعَمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ الله، وَأْذَنْ لِي، فَقَالَ: «قُلْ». قَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنْ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمَائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَألتُ أَهْلَ العِلْـمِ، فَأَخْبَرُونِي: أَن عَلَى ابْنِيْ جَلْدَ مَائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ الله، الوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا»، متفق عليه.

1216- وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَالرَّجْمُ»، رواه مسلم.

1217- وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: «إِنَّ الله بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْـحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ، فَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ الله عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ الله ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ الله! فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا الله، وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ فِي كِتَابِ الله عَلَى مَنْ زَنَى، إِذَا أُحْصِنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتْ البَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْـحَبَلُ، أَوْ الاعْتِرَافُ»، متفق عليه.

1218- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أَتَى رَجُلٌ مِنْ الْـمُسْلِمِينَ رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ فِي الـمَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟» قَالَ. لَا. قَالَ: «فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟». قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ»، متفق عليه.

1219- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَهُ: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ؟» قَالَ: لَا يَا رَسُولَ الله. رواه البخاري.

1220- وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «رَجَمَ رَسُولُ الله ﷺ رَجُلًا مَنْ أَسْلَمَ، وَرَجُلًا مِنْ اليَهُودِ، وَامْرَأَةً»، رواه مسلم، وقصة اليهوديين في الصحيحين من حديث ابن عمر.

التوضيح:

- الزنا: هو وطء فرج امرأة مجمع على تحريمه من غير ملك ولا شبهة ملك.

- أَنْشُدُكَ بِاللهِ: أسألك رافعًا نشيدي وصوتي.

- عَسِيفًا: أي أجيرًا.

- الوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْكَ: أي مردودة.

- خذوا عني: أي خذوا وافهموا الحكم في حد الزنا.

- سبيلًا: أي خلاصًا عن إمساكهن في البيوت المأمور به في الآية المنسوخة في قوله تعالى: ﴿ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء: 15].

- البكر: من لم يتزوج من الرجال والنساء.

- ونفي سنة: أي: عن البلد الذي وقع الزنا فيها.

- الثيِّب: المتزوج ذكر كان أو أنثى.

- فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟: أي هل تزوجت؟

- أَوْ غَمَزْتَ: المقصود: الإشارة بالعين أو الجسّ باليد.

الدلالات الفقهية:

1 - في الحديثين الأولين دليل على حد الزاني البكر -أي غير المحصن- وقد اتفق العلماء على أن البكرين الحُرّين إذا زنيا فإنهما يجلدان، كل واحد منهما مائة جلدة، وأن العبد والأمة لا يكمل حدهما إذا زنيا، وأن حد كل واحد منهما خمسون جلدة. وأنه لا فرق بين الذكر والأنثى منهم، وأنهما لا يرجمان، بل يجلدان سواء أحصنا أو لم يحصنا[1].

2 - وفيهما دليل على شرعية التغريب مع الجلد.

3 - وفي حديث أبي هريرة الأول ثبوت حد الزنا بالإقرار.

4- وفيه أنه لا يجوز أخذ العوض لتعطيل الحدود، وإن أُخَذ فهو من أكل الأموال بالباطل.

5 - وفيه: جواز استفتاء غير النبي ﷺ في زمنه؛ لأنه ﷺ لم ينكر ذلك عليه، وفيه جواز استفتاء المفضول مع وجود أفضل منه.

6 - في حديث عمر وحديث أبي هريرة الثاني دليل على أنّ حد الزاني المحصن هو الرجم حتى الموت رجلًا كان أو امرأة، وهو قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار[2].

7 - ودلَّ حديث عمر على أنه إذا وجدت المرأة الخالية من الزوج أو السيد؛ حبلى، ولم تذكر شبهة: أنه يثبت الحد بالحبل، وهو مذهب عمر، وإليه ذهب مالك وأصحابه، وقال الجمهور: لا يثبت الحد إلا ببينة أو اعتراف؛ لأن الحدود تسقط بالشبهات، واستدل الأولون بأنه قاله عمر على المنبر، ولم ينكر عليه، فينزل منزلة الإجماع. قال الصنعاني: (لا يخفى أن الدليل هو الإجماع، لا ما ينزل منزلته)[3].

8- ودلَّ حديث أبي هريرة الثاني على اشتراط التعدد في الإقرار لثبوت جريمة الزنا؛ وذلك بأن يقر بفعلها أربع مرات، وذلك أن النبي ﷺ أخّر إقامة الحد إلى أن تم الإقرار أربع مرات، وهو قول الحنفية، والحنابلة[4].

9 - إذا أقر الرجل أنه زنا بامرأة معينة، وأنكرت المرأة ذلك؛ أُخذ المقر بإقراره، وأقيم عليه حد الزنا، وحد القذف، ولا شيء على المنكر، وهو قول الجماهير[5].

10 - ويشترط تعمد الوطء؛ وهو أن يرتكب الزاني الفعل وهو يعلم أنه يطأ امرأة محرمة عليه، أو أن تمكن الزانية من نفسها وهي تعلم أن من يطأها محرم عليها، ومن ثم فلا حد على الغالط والجاهل والناسي[6].

11 - وفي حديث أبي هريرة الثاني أن الإمام يسأل عن شروط الرجم من الإحصان وغيره، سواء ثبت بالإقرار أم بالبينة، وفيه مؤاخذة الإنسان بإقراره.

12 - وفيه جواز استنابة الإمام من يقيم الحد، قال العلماء: لا يستوفي الحد إلا الإمام أو من فوض ذلك إليه.

13 - وفي حديث ابن عباس ندب تلقين من أقر بموجب الحد الرجوع عنه، إما بالتعريض، وإما بأوضح منه؛ ليدرأ عنه الحد.

14 - وفيه وفي حديث أبي هريرة قبله وجوب التثبت في إقامة الحدود؛ لأن الحد موضع احتياط؛ إذ قد يطلق الزنا على ما دون الفرج كقوله ﷺ: فزنا اللسان كذا وزنا الرجل كذا، فوجب التثبت والتحقق في مثل ذلك.

15 - اختلف الفقهاء في اشتراط الإسلام للإحصان؟ فذهب الشافعي وأحمد أنه ليس بشـرط، فإذا حكم الحاكم على الذمي المحصن بالرجم: رجمه، ومذهب أبو حنيفة: أن الإسلام شرط في الإحصان، واستدل الشافعية بحديث جابر وغيره[7].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - في تطبيق الحدود محافظة على الضرورات الخمس؛ فقتل المرتد شرع للحفاظ على الدين من أن يتخذ سخرية وهزوًا، والقصاص شرع للحفاظ على الدماء من أن تسفك، وحد الزنا شرع صيانة للأعراض من أن تنتهك، والأنساب من أن تختلط، وحد السرقة شرع حفظًا للأموال من أن تضيع أو تؤكل بالباطل، وعقوبة شارب الخمر شرعت صونًا للعقول من أن تختل[8].

2 - ينبغي أن يُعلم أن الله تعالى ما شرع الحدود والعقوبات إلا رحمة بعباده، وإحسانًا إليهم، ولهذا ينبغي على من يعاقب الناس على ذنوبهم أن يقصد بذلك الإحسان إليهم، والرحمة بهم كما يقصد الوالد تأديب ولده، وكما يقصد الطبيب معالجة مريضه[9].

3 - في حديث أبي هريرة الأول: جفاء الأعراب لبعدهم عن العلم، والأحكام، والأدب؛ حيث ناشد من لا ينطق عن الهوى ألَّا يحكم إلا بكتاب الله تعالى!!

4 - وفيه: حسن خلق النبي ﷺ حيث لم يعنفه على سوء أدبه معه.

5 - وفيه: أن من أقدم على محرم جهلًا، أو نسيانًا، لا يؤدب، بل يعلم، فهذا افتدى الحد عن ابنه بمائة شاة ووليدة، ظانًا إباحته وفائدته، فلم يكن من النبي ﷺ إلا أن أعلمه بالحكم، ورد عليه شياهه، ووليدته[10].

6 - والحكمة في رجم المحصن، وجلد غير المحصن: أن الأول قد تمت عليه النعمة بالزوجة، فإقدامه على الزنا يعد دليلًا على أن الشرّ متأصل في نفسه، وأما غير المحصن فلعل داعي الشهوة غلبه على ذلك، فخُفف عنه الحد، مراعاة لحاله، وعذره[11].

7 - ويدل أيضًا على أن الأحكام الشرعية ليست محصورة في القرآن الكريم، بل قد أُعطي النبي ﷺ القرآن ومثله معه من الحكمة والسنة، فيجب العمل به كله، فكله من عند الله تعالى[12].

8 - قال العلماء: إن الأفضل لمن أتى ذنبًا أن يستر نفسه ويتوب فيما بينه وبين الله تعالى، ويجعلها توبة نصوحًا، ويكثر من الطاعات، وفعل الخيرات، ويبتعد عن أمكنة الشر، وقرناء السوء. أما اعتراف بعض الصحابة: فهو غضب شديد على أنفسهم التي أمرتهم بالسوء، ورغبة في سرعة تكفير ذنبها، فهذا هو الذي حملهم على اعترافها، وتسليمهم أنفسهم لتطهيرها بالحد[13].

9 - ويستفاد من حديث ابن عباس أنه يجب على القاضي والمفتي التثبت في الأحكام، والسؤال بالتفصيل عما يجب الاستفسار عنه، مما يغير الحكم في المسألة.

10 - الحد كفارة للمعصية التي أقيم الحد لها، وهو إجماع، وقد جاء صريحًا في قوله ﷺ: «من أتى منكم حدًّا فأُقِيمَ عليهِ فهو كفارتُه»[14].

طريقة الاستدلال:

1 - حد الزنا الوارد في الحديثين؛ سواء كان جلد البكر مائة مع التغريب أو رجم الثيب مع الجلد قبله أو بدونه (على خلاف بين العلماء)؛ كل ذلك يختص بالأحرار رجالًا كانوا أو نساءً، أما الأمة فحدها الجلد خمسين جلدة فقط؛ ثيبًا كانت أو بكرًا لقوله تعالى في الإماء: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء: 25]، والرجم لا ينصف فاقتصرت العقوبة على الجلد مع التنصيف، ويقاس العبد على الأمة بجامع الرق فيهما.

2 - ثبت الرجم عن رسول الله ﷺ بقوله وفعله في أخبار تشبه المتواتر، وأجمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ[15]، وهذا كافٍ في جعله مما هو معلوم من الدين بالضرورة.

3 - جاء في رواية لحديث عمر: «لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي»، وهذا القسم من نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، وقد عدَّه الأصوليون قسمًا من أقسام النسخ[16].

من يقيم الحد على العبيد؟

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: 2].

الخطاب هنا بواو الجمع ﴿ فَاجْلِدُوا يشمل كل من له مسؤولية على من دونه.

[الأحاديث]

1221- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الْـحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْـحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ»، متفق عليه.

1222- وعن عليٍّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَقِيمُوا الْـحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ»، رواه أبو داود، وهو في مسلم موقوف.

التوضيح:

- وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا: التثريب: التوبيخ واللوم على الذنب.

- فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا: أي تحقق إما بالبينة، وإما برؤية أو علم عند من يجوِّز القضاء بالعلم في الحدود.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث أبي هريرة دليل على وجوب حد الزنا على الإماء والعبيد.

2 - وفيه وفي حديث عليّ: أن السيد يقيم الحد على عبده وأمته، وهذا مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وقال أبو حنيفة في طائفة: ليس له ذلك، وهذا الحديث صريح في الدلالة للجمهور.

3 - وفيه دليل على أن العبد والأمة لا يرجمان، سواء كانا مزوجين أم لا؛ لقوله ﷺ: «فليجلدها الحدّ»، ولم يفرق بين مزوجة وغيرها.

4 - وفيه أنه لا يُوبَّخ الزاني، بل يقام عليه الحد فقط.

5 - وفيه أن الزاني إذا حُدّ، ثم زنى ثانيًا؛ أنه يلزمه حدٌّ آخر، فإن زنى ثالثة؛ لزمه حد آخر، فإن حُدّ ثم زنا؛ لزمه حدّ آخر، وهكذا أبدًا. وأما إذا زنى مرات -ولم يحد لواحدة منهن- فيكفيه حدّ واحد للجميع[17].

6 - وهذا البيع المأمور به يلزم صاحبه أن يبين حالها للمشتري؛ لأنه عيب، والإخبار بالعيب واجب.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - وفيه ترك مخالطة الفساق وأهل المعاصي وفراقهم حيث أمره ﷺ ببيع الأمة الزانية.

2 - فإن قيل: كيف يكره شيئًا ويرتضيه لأخيه المسلم؟

فالجواب: لعلها تستعفّ عند المشتري؛ بأن يعفها بنفسه، أو يصونها بهيبته، أو بالإحسان إليها، والتوسعة عليها، أو يزوجها، أو غير ذلك، والله أعلم[18].

طريقة الاستدلال:

1 - قول أبي حنيفة في عدم جواز أن يوقع السيد على العبد الحد قول في مقابل النص، وقول النبي ﷺ مقدم على كل قول، وعلى كل اجتهاد، وقياس.

2 - قاعدة: (عدم الاستفصال في مقام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال): فقوله: «فليجلدها الحدّ» بدون أن يفرّق بين مُزَوَّجة وغيرها: دل على أن حدّ الأمة مطلقًا الجلد؛ متزوجة كانت أو ليست كذلك.

متى يقام الحد على الحامل؟

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الفتح: 25].

دلَّت الآية على أنه حينما لا يكون تعذيب المستحق للعذاب إلا بأذية البريء فإن العقوبة تتأجل، لأنه إذا لم يُعاقَب الكافرون خشية إصابة المؤمنين لاختلاطهم بهم، فتأخير معاقبة الحامل التي عصت مراعاة لحملها أوجب؛ لأن ولدها أشد تداخلا بها من تداخل المؤمنين بالكافرين، وهو عاجز عن مفارقتها، ولأن الله تعالى يقول: ﴿ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [الأنعام: 164].

[الأحاديث]

1223- وعن عمران بن حصـين رضي الله عنه: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيَّ الله ﷺ وَهِيَ حُبْلَى مِنْ الزِّنَا فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ الله، أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ الله ﷺ وَلِيَّهَا، فَقَالَ: «أَحْسِنْ إِلَيْهَا فَإِذَا وَضَعَتْ فَائْتِنِي بِهَا» فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: أَتُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ الله وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الـمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفَضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ؟»، رواه مسلم.

التوضيح:

- امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ: هي المشهورة بالغامدية.

- أَحْسِنْ إِلَيْهَا: إنما أمره بذلك؛ لأن سائر قرابتها ربما حملتهم الغيرة والحمية على أن يفعلوا ما يؤذيها.

- فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا: أي شُدت؛ لئلا تنكشف عند وقوع الرجم عليها.

الدلالات الفقهية:

1 - في الحديث دليل على أنه لا يقام الحد على المرأة الحامل، سواء كان الحمل من زنا أو غيره، ويشمل ذلك جميع الحدود، وهذا مجمع عليه؛ لئلا يقتل جنينها، وكذا لو كان حدُّها الجلد وهي حامل، لم تجلد بالإجماع حتى تضع[19].

2 - ظاهر الحديث أنه يقام الحد بالرجم على المرأة المحصنة إذا كانت حاملًا بعد الوضع مباشرة، وهو قول جمهور العلماء[20]، بينما ذهب الشافعية أنه لا يستوفى الرجم حتى ترضعه هي؛ وإن وجدت مرضعة أخرى، وحتى يوجد للولد كافل[21].

3 - الغرض من شد ثيابها عليها: ألا تنكشف عند وقوع الرجم عليها؛ لما جرت به العادة من الاضطراب عند نزول الموت، وعدم المبالاة بما يبدو من الإنسان، ولهذا ذهب الجمهور إلى أن المرأة ترجم قاعدة، والرجل قائمًا؛ لما في ظهور عورة المرأة من الشناعة [22].

4 - وفيه أنه ﷺ صلى على الغامدية، فتشرع الصلاة على من أقيم عليه الحد.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

فيه صدق هذه المرأة في ندمها على الذنب وتوبتها إلى الله تعالى ورغبتها في التكفير بالحد.

طريقة الاستدلال:

قوله: «فَإِذَا وَضَعَتْ فَائْتِنِي بِهَا» استدل به الجمهور على أن الحد يقام بعد الوضع مباشرة، ويقويه ما جاء في روايةٍ لمسلم: «إذًا لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه»، فقام رجل من الأنصار فقال: إليَّ رضاعه يا نبي الله، قال: فرجمها. فدل على أنه لا يؤخَّر الحد إلا إذا لم يوجد من يرضع الطفل، ويكفله.

جلد المريض الذي لا يرجى برؤه:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16].

وقال الله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78].

قال ابن كثير: (أَيْ: مَا كَلَّفَكُمْ مَا لَا تُطِيقُونَ، وَمَا أَلْزَمَكُمْ بِشَيْءٍ فَشَقَ عَلَيْكُمْ إِلَّا جَعَلَ الله لَكُمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا).

[الأحاديث]

1224- عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: كَانَ بَيْنَ أَبْيَاتِنَا رُوَيْجِلٌ ضَعِيفٌ، فَخَبَثَ بِأَمَةٍ مِنْ إِمَائِهِمْ، فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِرَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: «اضْرِبُوهُ حَدَّهُ». فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «خُذُوا عِثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، ثُمَّ اضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً»، فَفَعَلُوا. رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وإسناده حسن، لكن اختلف في وصله وإرساله. [رجَّح رواية الإرسال عن أبي أمامة بن سهل: النسائي في الكبرى (7470)، والدارقطني في السنن (3156)، والبيهقي في الكبير (17/ 210)].

ترجمة الراوي:

سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاريّ الخزرجيّ، له صحبة، وكان واليًا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه على اليمن.

التوضيح:

- عِثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ: العثكال هو العنقود من النخل الذي يكون فيه أغصان كثيرة، وكل واحد من هذه الأغصان يسمى شمراخ.

الدلالات الفقهية:

المريض الذي لا يرجى برؤه، وكذلك كبير السن الضعيف: لا يسقط عنهما حدّ الجلد، ولكن يقام عليهما مخففًا في الحال ولا يؤخر؛ وذلك بأن يضرب بشـيء خفيف، أو يُجمع له ضغث فيه مائة شمراخ فيضرب به ضربة واحدة، وهذا مذهب الجمهور[23]. وأما من يرجى برؤه فيؤخر، حتى يبرأ كي لا يفضي إلى التلف، والجلد شرع زاجرًا لا مُتلِفًا، ولهذا لا يقام الحد في شدة الحر ولا في شدة البرد اللذين يخشى فيهما الهلاك، وخالف الحنابلة، وقال ابن قدامة من الحنابلة: يحتمل أن يؤخر في المرض المرجو زواله.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - فيه دليل على الأخذ بأسباب العفة حتى تجاه كبار السنّ والمرضى، فالغريزة الجنسية تتحين أية فرصة للاستجابة لرغبتها، ومن أجل ذلك حرَّم الإسلام النظر واللمس والخضوع بالقول والخلوة.

2 - وفيه دليل على أن الإمام ينبغي أن يراقب حال المجلود، ويحافظ على حياته.

3 - وفيه: أنه يجوز ارتكاب المخارج المؤدية إلى أعمال مباحة، وأنها لا تعدّ من الحيل المحرمة المفضية إلى تعاطي المعاملات المحرمة[24].

طريقة الاستدلال:

هذا الحديث وإن كان خاصًا في جلد من ارتكب جريمة الزنا، إلا أن فحوى الخطاب والقياس المساوي يدل على أن الحكم لا يقتصر عليه، وإنما يشمل كل ما فيه جلد من الحدود.

تغريب الزاني البكر:

[الأحاديث]

1225- عن ابن عمر: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وأنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وغرَّب»، رواه الترمذي، ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف في وقفه ورفعه. [ورجَّح وقفه: الترمذي في السنن (1438) والدارقطني في العلل (6/ 320)].

التوضيح:

- غرَّب: تغريب الزاني: هو نفيه وتبعيدُه عن البلدة، ومدته سنة كما ورد في حديث عبادة أول الباب: «البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة»[25].

الدلالات الفقهية:

1 - في الحديث دليل على أنه يجب التغريب مع الجلد، وقد ذهب الجمهور إلى أن التغريب من الحد ولا بد منه في الرجل والمرأة البكرين، إلا أن الإمام مالكًا منعه في المرأة، وخصَّ الرجل بالتغريب دون المرأة[26].

2 - يرى الطحاوي من الحنفية أن التغريب منسوخ بقوله تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: 2][27].

3 - ساق ابن حجر هذا الحديث هنا ردًا على من زعم نسخ التغريب؛ حيث فيه أن التغريب فعله الخلفاء الراشدون، ولا يعرف لهم في الصحابة مخالفًا، ولم ينكره أحدٌ، فكان إجماعًا[28].

4 - تغريب المرأة بدون محرَمٍ يخالف ما تقتضيه الأحاديث الزاجرة عن ذلك، وتغريبها مع محرمها فيه عقوبة له بدون ذنب. كما أن تغريب المرأة قد يؤدي إلى إغرائها بالفاحشة مرة أخرى ووقوعها في الفتنة؛ لبعدها عمن يحفظها ويصونها[29].

فالأظهر في المسألة -والله أعلم- أنه إن وجد محرم متبرع بالسفر معها إلى محل التغريب مع كونه آمنًا فإنها تغرب، عملًا بأحاديث التغريب، وإن لم يوجد فلا تغرب؛ عملًا بأحاديث النهي عن السفر بدون محرم[30].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - من حِكَم عقوبة النفي: أن البعد عن الأهل والأصدقاء يجعل الإنسان حزينًا مهمومًا؛ نظرًا لتغير المكان والناس، فيعيش غريبًا في هذا المجتمع الجديد الذي لا يعرف فيه أحدًا، خائفًا من السؤال عن سبب مجيئه إلى هذا البلد، وهو ببعده هذا يجد الألم والحسـرة بفقد أقاربه، وتارة باشتياقه إليهم.

2 - وهو مع ذلك كله يجد نفسه مضطرًّا- لطول الوقت- للتفكير ومراجعة أفعاله ومعرفة أخطائه وكيف يتفاداها مستقبلًا وإذا ما تذكر هذا المصير المر سفح دمعه تائبًا راجيًا أن يعود إلى بلده وموطنه[31].

3 - والمجتمع أيضًا منتفع بهذا النفي؛ إذ العضو الفاسد الذي نغص عيشهم قد ابتعد عنهم.

4 - ومن الحكم المستفادة من النفي أيضًا حفظ عرض الجاني من أن تلوكه الألسن كلما غدا أو راح بين قومه وفعلته قريبة العهد لم ينسها الناس بعد.

طريقة الاستدلال:

1 - آية الجلد مطلقة في حق كل زان، فخص منها في حديث عبادة: «الثيِّب»، ولا يلزم من خلو آية النور عن التغريب عدم مشروعيته، كما لم يلزم من خلوها من الرجم عدم مشـروعيته كذلك. ومن الحجج القوية على عدم النسخ: أن قصة العسيف كانت بعد آية النور؛ لأنها كانت في قصة الإفك، وهي متقدمة على قصة العسيف؛ لأن أبا هريرة حضرها، وإنما هاجر بعد قصة الإفك بزمان[32].

2 - قاعدة: (النص الدال على النهي مقدم على الدال على الأمر): وبذلك قال الجمهور؛ لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح[33]. قال ابن قدامة عن تغريب المرأة: «قول مالك فيما يقع لي أصح الأقوال وأعدلها، وعموم الخبر مخصوص بخبر النهي عن سفر المرأة بغير محرم والقياس على سائر الحدود لا يصح؛ لأنه يستوي الرجل والمرأة في الضرر الحاصل بها، بخلاف هذا الحد»[34].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة