باب حد الشارب، وبيان المسكر
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: 90].
الذي يظهر أن حدَّ الخمر من التعزير؛ قال ابن عبد البر: (الشَّارِبَ يُعَاقَبُ وَعُقُوبَتُهُ كَانَتْ مَرْدُودَةً إِلَى الِاجْتِهَادِ). اهـ وبنحوه يقول ابن القيم وغيره، فمن جعل حدَّه أربعين سوطًا قال هو مقدار أقل الحدود وهو حدُّ القذف في المملوك، ومن جعله ثمانين سوطًا قاسه على أقل الحدود في الحر وهو حدُّ القذف، لأنه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى، قال ابن عرفة في تفسيره: (إن قلتَ حدُّ الخمر ليس في كتاب الله، وإنما هو القياس على حدِّ القذف وبالاجتهاد.... فالجواب أن الأصوليين قالوا: الأدلة كلها راجعة إلى كتاب الله U ومقضية عنه). اهـ
1247- عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتَى بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الـخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ. قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُالرَّحْمَنِ ابْنُ عَوْفٍ: أَخَفَّ الْـحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ»، متفق عليه.
1248- ولمسلم عن عليٍّ رضي الله عنه: -فِي قِصَّةِ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ- جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمــَرُ ثَمَانِينَ، وَكُــلٌّ سُنَّةٌ، وَهَــذَا أَحَبُّ إلى؛ يَعَنِي الأَرْبَعِينْ. وفي الحديث: «أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأْ الـخَمْرَ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْهَا حَتَّى شَرِبَهَا».
1249- وعن معاوية رضي الله عنه عن النبي ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي شَارِبِ الـخَمْرِ: «إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ الثَّانِيَةَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ الثَّالِثَةَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ الرَّابِعَةَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ»، أخرجه أحمد وهذا لفـظه، والأربعة، وذكر الترمذي ما يدل على أنه منسوخ، وأخرج ذلك أبو داود صريحًا عن الزهري.
1 - تحريم الخمر مما عُلم من الدين بالضرورة، وقد نصَّ على ذلك القرآن، وثبت عن النبي ﷺ تحريم الخمر بأخبار تبلغ بمجموعها رتبة التواتر، وقد أجمعت الأمة على تحريمه [1].
2 - أجمع العلماء على أن من شرب نقطة خمر وهو يعلمها خمرًا أن الحدَّ يجب عليه، سواء سكر أم لا [2].
3 - في حديث أنس بيان مقدار حدِّ الخمر، واختلف في معناه على قولين:
أحدهما: أن الجريدتين كانتا مفردتين جلد بكل واحدة منهما عددًا حتى كمله من الجميع أربعين.
والثاني: أن معناه أنه جمعهما وجلده بهما أربعين جلدة، فيكون المبلغ ثمانين، وهذا تأويل من يقول جلد الخمر ذلك المقدار، والأول أظهر؛ لأن الرواية الأخرى الثانية في صحيح مسلم مبينة لهذه، وهي: «كان -عليه الصلاة والسلام- يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين»[3].
4- وفي حديث عليّ رضي الله عنه أن حدَّ السكران أربعون جلدة، وهو قول الشافعية، وابن حزم[4].
5 - قال ابن تيمية: (والصحيح في حدِّ الخمر أحد الروايتين الموافقة لمذهب الشافعي وغيره: أن الزيادة على الأربعين إلى الثمانين ليست واجبة على الإطلاق، بل يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام، كما جوزنا له الاجتهاد في صفة الضرب فيه بالجريد والنعال وأطراف الثياب في بقية الحدود)[5].
6 - اختلف العلماء في إقامة الحدِّ بمجرد انبعاث رائحة المسكر، والجمهور على أنه لا يجب الحدُّ بوجود الرائحة من الفم أو القيء؛ وذلك لأن الروائح قد تتفق، والحدُّ لا يقام مع الشبهة[6]. بينما ظاهر حديث عليّ: وجوب إقامة الحدِّ بالرائحة أو القيء، وهذا مذهب مالك، ورواية عن أحمد[7].
7 - وأما حديث معاوية، فيرى الجماهير من العلماء إلى أن الأمر بالقتل فيه منسوخ، وهو قول جمهور الأمة سلفًا وخلفًا[8]، بينما يرى الظاهرية أن الأمر بالقتل محكم غير منسوخ، فيقتل الشارب في الرابعة حدًا، على ظاهر الحديث[9]، وتوسط شيخ الإسلام، وابن القيم، فقالا: الأمر بالقتل محكم غير منسوخ، ولكنه من باب التعزير، فيجوز قتل الشارب في الرابعة تعزيرًا[10].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - من شرب الخمر في الدُّنيا ثمَّ لم يتب منها؛ حُرمها في الآخرة، فيحرم شربها في الجنة -وإن دخلها- فإنها من فاخر شراب الجنة، فيُمنعها هذا العاصي بشـربها في الدنيا، ويكون هذا نقص نعيم في حقه؛ تمييزًا بينه وبين تارك شربها[11].
2 - يستفاد من حديث أنس: الاجتهاد في المسائل، ومشاورة العلماء عليها، وهذا دأب أهل الحق، وطالبي الصواب[12].
3- كثير من الوقوع في مثل هذه المعاصي إنما يكون مردّه لسوء تدبير الإنسان في اختيار أصدقائه وجُلسائه، فلا تكاد تجد من يقع في مثل هذه الكبائر والمنكرات إلا وله صُحبة سيئة زيّنت له المعصية وهوّنت عليه مواقعة الحرام؛ ولذا قال ﷺ: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»، فاختيار الصديق هو اختيار للطريق، خيرًا وصلاحًا، وشرًا وفسادًا.
1 - نوقش الاستدلال بحكم عثمان على صحة الاستدلال بالرائحة أو القيء على شرب الخمر بأنه شُهِدَ عند عثمان بأن الوليد شرب الخمر، وشهد آخر بأنه رأى الوليد يتقيأها، فانضمت شهادة التقيؤ إلى شهادة الشرب، فحكم عثمان بالحد بمجموع ذلك، لا بمجرد التقيؤ.
2- قاعدة الشرع: (درء الحدود بالشبهات)، فيجب دفع الحد عند مثل تلك القرائن المحتملة.
3 - دل على نسخ قتل شارب الخمر في الرابعة: ما جاء في رواية أبي داود: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، ثم عاد فاقتلوه». قال الراوي: «فأُتِيَ برجل قد شرب فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ورفع القتل وكانت رخصة» [13].
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة: 8].
وقال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [البقرة:190] فحرَّم الله العدوان حتى على الكافر، فالمسلم العاصي يكون التحريم في حقه آكد، وبما أن ضرب الوجه والفرج مظنة التجاوز في العقوبة فيقع العدوان لذا نُهي عن ضربها، فيؤخذ منه أن إقامة الحد إذا كان سيؤدي إلى التجاوز في حق المحدود فإنه يؤجل أوينتقل إلى ما يقارب تنفيذ الحد ومقصوده، فالمريض يُنتظر برؤه فإن كان ميؤسًا شفاؤه اجتهد الحاكم في تطهيره بما لا يهلكه.
1250- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الوَجْهَ»، متفق عليه. [اللفظ المذكور لأبي داود، أما الذي في الصحيحين فبلفظ: «إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه»، وفي رواية: «فليجتنب الوجه»، وفي رواية لمسلم: «إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه»].
1251- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تُقَامُ الْـحُدُودُ فِي الـمَسَاجِدِ»، رواه الترمذي، والحاكم. (ضعَّفه الترمذي في السنن (1401)، وغيره).
1 - في حديث أبي هريرة دليل على أنه لا يحل ضرب الوجه في حدّ ولا في غيره، وكذلك لا يضرب المحدود في المذاكير؛ لأنه لا يؤمن عليه مع ضربها[14].
2 - وفيه إشارة إلى عدم جواز الإسراف والتعدي في الحدود، وهذا مما لا خلاف فيه بين الفقهاء[15].
3- يكون الضرب وسطًا، لا مبرحًا ولا خفيفًا، ولا يجمع في عضو واحد، ويتقي مواطن المقاتَل، وهي الرأس والوجه والفرج؛ لما فيها من خوف الهلاك، وينبغي أن يكون الجلاد عاقلًا بصيرًا بأمر الضرب، وذلك كله للتحرز عن التعدي والإسراف [16].
4 - وفي حديث ابن عباس دليل على أنه تحرم إقامة الحدود في المساجد، إلا أن الإمام مالك قال: لا بأس بالضرب بالسياط اليسيرة، وأجاز ابن حزم الجلد فقط فيه[17].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- إقامة الحدود ينبغي أن تكون على مراد الشارع، وألا يدخل فيها هوى النفوس أو تغلب عليها شهوة الانتقام والتشفي، فيُلتزم فيها ما ورد في الشرع دون إفراط أو تفريط.
2- حُرمة الوجه والنهي عن ضربه حتى عند إقامة الحد، وهنا يتبين استهانة أكثر الناس عند أدنى مشاجرة أو خلاف في المبادرة بضرب الوجه، نتيجة الجهل بأحكام الله.
3 - تعظيم المسجد واجب، وفي إقامة الحدود فيه ترك تعظيمه، كما أنه لا يؤمن خروج النجاسة من المحدود، فبالضرب قد ينشق الجلد، فيسيل منه الدم، فيتنجس المسجد، كما أن المساجد لم تبن لهذا، وإنما بنيت للصلاة وقراءة القرآن وذكر الله تعالى[18].
1 - حديث أبي هريرة دليل عام لجميع أنواع الضرب، ويدخل في ذلك العموم الضرب في الحدود.
2 - عموم حديث ابن عباس يمنع سائر أنواع الحدود في المسجد، ولو كانت سياطًا يسيرة؛ خلافًا لما ذهب إليه مالك.
قال الله تعالى: ﴿ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [النحل: 67].
قال ابن كثير: (دَلَّ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ السَّكَر المتخذ مِنَ الْعِنَبِ، والمتخذ مِنَ النَّخْلِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَا حُكْم سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ المتخذة مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَالْعَسَلِ، كَمَا جَاءَتِ السُّنَّةُ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ). اهـ
وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: 90]. فحرَّم الله الخمر لما فيها من الإسكار، والسُكر: نَقِيضُ الصَّحْوِ، وَسَكَّرْتُ الشَّقَّ سَدَدْتُهُ فَالسَّكْرَانُ قَدِ انْقَطَعَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَقْلِ، كما في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾ [النساء: 43].
1252- عن أنس رضي الله عنه قال: «لَقَدْ أَنْزَلَ الله تَحْرِيمَ الـخَمْرِ، وَمَا بِالْـمَدِينَةِ شَرَابٌ يُشْرَبُ إِلَّا مِنْ تَمْرٍ»، أخرجه مسلم.
1253- وعن عمر رضي الله عنه قال: «نَزَلَ تَحْرِيمُ الـخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَة: مِنْ العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ. وَالْخَمْرُ: مَا خَامَرَ العَقْلَ»، متفق عليه.
1254- وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»، أخرجه مسلم.
1255- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتع -وهو نبيذ العسل، وكان أهل اليمن يشربونه- فقال رسول الله ﷺ: «كل شراب أسكر فهو حرام»، متفق عليه.
1256- وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ»، أخرجه أحمد والأربعة، وصحَّحه ابن حبان. [حسَّنه الترمذي في السنن (1865) والألباني في إرواء الغليل (8/43)].
- البتع: نبيذ العسل؛ عسل وضع فيه ماء، فإذا ترك حتى صار مسكرًا فهو خمر.
1 - اتفق العلماء على أن النيِّء من ماء العنب إذا اشتد وقذف بالزبد؛ أنه يُسمّى خمرًا، واختلفوا فيما عدا ذلك[19].
2 - الأصل في تحريم الخمر كونه مسكرًا - كما نصت عليه الأحاديث - أي: إذا كان فيه قوة تجعل متناوله يزول صحوه ويستتر عقله، والمسكر هو الخمر من عصير كل شيء أو نقيعه، سواءً كان من العنب أو التمر أو الشعير أو غيرها، وسواءً كان مطبوخًا أو غير مطبوخٍ، فالمدار على الإسكار وغيبوبة العقل، وهذا مذهب الجمهور [20].
3 - ما أسكر كثيره حرم كثيره وقليله، ووجب الحد على من شربه، وإنما حُرِّم القليل وحُدَّ شاربه -وإن كان لا يسكر- حسمًا لمادة الفساد، وفيه رد صريح على من قال من الحنفية: إن الخمر -وهو عصير العنب عندهم- يحرم قليله وكثيره، وغيره من المسكرات يحرم قدر المسكر منه، دون القليل الذي لا يسكر، وهذا قول باطل، ترده الأحاديث الكثيرة الصحيحة الصريحة؛ لأن الرسول ﷺ وصف القليل بأنه حرام، ولأن السُّكْرَ إنما يحصل بالمجموع من الشراب، لا من الشربة الأخيرة فقط، فإن الشـربة الأخيرة إنما أثَّرت في السُّكر بانضمامها إلى ما قبلها[21].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- الدين جاء لسعادة الناس وتنظيم حياتهم ومراعاة مصالحهم، فلم يأمر إلا بما ينفع، ولم ينهَ إلا عما يضر؛ فكان تحريم الخمر صيانة للعقل الذي هو من الضـرورات الخمس، ولما يحصل بزواله من المصائب والمعائب، وهذا لا يخفى على عاقل، فها هي حتى الأنظمة الإباحية والكفرية وجدت نفسها مضطرة إلى منع شرب الخمر في بعض الأماكن والحالات لما ترتب على شرب الخمر من المفاسد والمشكلات.
2 - وقال ابن القيم: (حرم الشارع القطرة من الخمر، وإن لم تحصل بها مفسدة الكثير؛ لئلا تتخذ القطرة ذريعة إلى الحسوة، وإلى شرب الكثير)[22].
1 - من تأمل في نصوص الأحاديث السابقة، علم أن الخمر ليست مخصوصة بعصير العنب، بل تشمل كل شراب مسكر؛ حيث علَّقت الأحاديث التحريم على الإسكار، فما أسكر من أي مادة كانت فهو حرام.
2 - قوله: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ»: «ما» اسم موصول يفيد العموم، أي: أيُّ شيء أسكر -وإن لم يكن مشروبًا- «فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ»: أي: فيحرم كثير ما أسكر وقليله.
قال الله تعالى: ﴿ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [النحل: 67]. ومن الرزق الحسن النبيذ غير المسكر؛ وهو الماء الذي ينبذ فيه التمر أو الذبيب ولا يترك حتى يختمر ويبلغ حد الإسكار. وفي الآية دليل على أن ما يُسكر ليس من الرزق الحسن.
1257- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُنْبَذُ لَهُ الزَّبِيبُ فِي السِّقَاءِ، فَيَشْرَبُهُ يَوْمَهُ، وَالْغَدَ، وَبَعْدَ الغَدِ، فَإِذَا كَانَ مَسَاءُ الثَّالِثَةِ شَرِبَهُ وَسَقَاهُ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ أَهْرَاقَهُ»، أخرجه مسلم.
- يُنْبَذُ لَهُ الزَّبِيبُ: أي: يلقى الزبيب في الماء؛ لتنتقل حلاوة الزبيب إليه.
في الحديث دلالة على جواز الانتباذ، وجواز شرب النبيذ ما دام حلوًا لم يتغير، وهذا جائز بإجماع الأمة. وأما سقيه الخادم بعد الثلاث وصبه: فلأنه لا يؤمن بعد الثلاث تغيُّره، وكان النبى ﷺ يتنزَّه عنه بعد الثلاث[23].
1 - الحكم يثبت بغلبة الظن، والعصير بعد ثلاث يصير مظنة للتغيير ظنًا غالبًا، فاعتبر ما كان الغالب.
2 - احتج من يقول بجواز شرب النبيذ إذا اشتدَّ بقوله في رواية أخرى: «سقاه الخادم أو أمر بصبه»، فإن سقيه الخادم دليل على جواز شربه، وإنما تركه ﷺ تنزُّها عنه.
وأجيب: بأنه لا دليل على أنه بلغ حد الإسكار، وإنما بدا فيه بعض تغير في طعمه من حموضة أو نحوها، فسقاه الخادم؛ مبادرة لخشية الفساد، ويحتمل: أن تكون (أو) للتنويع كأنه قال: سقاه الخادم أو أمر به فأهريق؛ أي: إن كان بدا في طعمه بعض تغير ولم يشتد سقاه الخادم، وإن اشتد أمر بإهراقه[24].
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: 90].
قال ابن تيمية عن الآية: (عامة في حال التداوي وغير التداوي، فمن فرَّق بينهما فقد فرَّق بين ما جمع الله بينه، وخصَّ العموم، وذلك غير جائز). اهـ
وقال الله تعالى: ﴿ قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: 100].
قال ابن كثير: (يعني أَنَّ الْقَلِيلَ الْحَلَالَ النَّافِعَ خَيْرٌ مِنَ الْكَثِيرِ الْحَرَامِ الضَّارِّ). اهـ
قلت: لأن الخبيث المحرم كالخمر هو الذي لا خير فيه، والتداوي به هو استجلاب للخير منه وكيف ذلك وهو لا خير فيه؟ ولذا أخبر النبي ﷺ أن الله لم يجعل فيه شفاء.
1258- عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الله لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ»، أخرجه البيهقى، وصحَّحه ابن حبان. [في إسناده من لا يعرف، وهو في البخاري (7/110) معلقًا من قول ابن مسعود].
1259- وعن وائل الحضرمي: أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ سَأل النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الخَمْرِ يَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ؟ فَقَالَ: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهَا دَاءٌ» أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما.
عن أم سلمة قالت: نبذت نبيذا في كوز، فدخل رسول الله ﷺ وهو يغلي، فقال: «ما هذا؟» قلت: اشتكت ابنة لي، فصنعت لها هذا، قال:... فذكره[25].
1 - في الحديثين دليل على تحريم التداوي بالمحرم، ومنه التداوي بالخمر، وهو مذهب جمهور الفقهاء[26]. واتفق الفقهاء على عدم جواز التداوي بالمحرم والنجس من حيث الجملة؛ لهذا الحديث، ويرى الحنفية جواز الاستشفاء بالحرام عند تيقن حصول الشفاء فيه، وعدم وجود دواء غيره، وقصر الشافعية الحكم على النجس والمحرم الصرف، فلا يجوز التداوي بهما، أما إذا كانا مستهلكين مع دواء آخر، فيجوز التداوي بهما بشرطين: أن يكون عارفًا بالطب، حتى ولو كان فاسقا في نفسه، أو إخبار طبيب مسلم عدل، وأن يتعين هذا الدواء فلا يغني عنه طاهر[27].
2 - وحديث وائل الحضرمي نصٌّ في المنع من التداوي بالخمر؛ ردًا على من أباحه، وسائر المحرمات مثله؛ قياسًا، خلافًا لمن فرق بينهما[28].
3 - المسكر محرم لعينه، فلم يبح للتداوي به؛ كالحال مع لحم الخنزير، ولأن الضرورة لا تتحقق في التداوي بها؛ لأنه لا بد وأن يوجد غيرها من الحلال ما يعمل عملها في المداواة، كما أنه يمنع التداوي بها سدًا لذريعة تناولها للشهوة واللذة، لا سيما إذا عرفت النفس أن فيه نفعًا وشفاءً للأسقام، وقد سد الشارع الذريعة إلى تناوله بكل ممكن[29].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
يقول ابن القيم: (إنما حرم الله على هذه الأمة ما حرم لخبثه، وتحريمه له حمية لهم وصيانة عن تناوله فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل، فإنه وإن أثر في إزالتها، لكنه يعقب سقمًا أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه، فيكون المداوي به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب، وأيضًا فإن تحريمه يقتضي تجنبه والبعد عنه بكل طريق، وفي اتخاذه دواءً حضٌّ على الترغيب فيه وملابسته، وهذا ضد مقصود الشرع)[30].
1 - الأدلة الدالة على تحريم الخمر واجتنابه مثل قوله: ﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ عامة في حال التداوي وغير التداوي، فمن فرَّق بينهما فقد فرَّق بين ما جمع الله بينه، وخصَّ العموم، وذلك غير جائز[31]، كيف وقد جاءت نصوص أخرى صريحة في منع التداوي به؛ كأحاديث الباب السابقة.
2 - قال الله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ﴾ [البقرة: 219]. القاعدة الشرعية المستمدة من هذه الآية الكريمة، وأمثالها من نصوص الكتاب والسنة: أن الشارع الحكيم لا ينهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة[32].