حجم الخط:

محتوى الدرس (144)

من أحكام الأسرى:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [الأنفال: 67] وقال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا [محمد: 4] في آية سورة الأنفال وآية سورة محمد أن حكم الأسير قد يكون القتل أو الفداء أو المن كما يرى الإمام حسب المصلحة.

وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ [الأحزاب: 50] في الآية تحليل المملوكة من طريق السبي لمن كانت في سهمه.

وقال الله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [الأنفال: 1] يدخل في الأنفال ما يعطيه الإمام لبعض الأشخاص كالسلب وما تعطاه السرايا، لأنه يتصرف في سهم الله ورسوله.

[الأحاديث]

1292- عن أنس رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ الـمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ»، متفق عليه.

1293- وعن سعيد بن جبير: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَاثَةً صَبْرًا»، أخرجه أبوداود في المراسيل، ورجاله ثقات.

1294- وعن عمران بن حصين رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ فَدَى رَجُلَيْنِ مِنْ الـمُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنْ الـمُشْرِكِينَ»، أخرجه الترمذي وصحَّحه، وأصله عند مسلم.

1295- وعن صخر بن العيلة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ القَوْمَ إِذَا أَسْلَمُوا؛ أَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَـهُمْ»، أخرجه أبو داود، ورجاله موثقون. [قال البيهقي في الكبير (18311): إسناده غير قوي].

1296- وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ: «لَوْ كَانَ الـمُطْعِمُ ابْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ»، رواه البخاري.

1297- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسٍ لَهُنَّ أَزْوَاجٌ، فَتَحَرَّجُوا، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24] الآية»، أخرجه مسلم.

سبب ورود حديث صخر:

عن صخر: أن رسول الله ﷺ غزا ثقيفًا، فلما أن سمع ذلك صخر ركب في خيل يمد النبي ﷺ، فوجد نبي الله ﷺ قد انصرف ولم يفتح، فجعل صخر يومئذ عهد الله وذمته أن لا يفارق هذا القصر حتى ينزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فلم يفارقهم حتى نزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فكتب إليه صخر: أما بعد، فإن ثقيفًا قد نزلت على حكمك يا رسول الله، وأنا مقبل إليهم وهم في خيل، فأمر رسول الله ﷺ بالصلاة جامعة، فدعا لأحمس عشـر دعوات: «اللهم بارك لأحمس، في خيلها ورجالها»، وأتاه القوم فتكلم المغيرة بن شعبة، فقال: يا نبي الله، إن صخرًا أخذ عمتي، ودخلت فيما دخل فيه المسلمون، فدعاه، فقال: «يا صخر، إن القوم إذا أسلموا، أحرزوا دماءهم، وأموالهم، فادفع إلى المغيرة عمته» فدفعها إليه، وسأل نبي الله ﷺ: «ما لبني سليم قد هربوا عن الإسلام، وتركوا ذلك الماء؟» فقال: يا نبي الله، أنزلنيه أنا وقومي، قال: «نعم»، فأنزله وأسلم -يعني السلميين- فأتوا صخرًا فسألوه أن يدفع إليهم الماء، فأبى، فأتوا النبي ﷺ، فقالوا: يا نبي الله؟ أسلمنا وأتينا صخرًا ليدفع إلينا ماءنا فأبى علينا، فأتاه، فقال: «يا صخر، إن القوم إذا أسلموا أحرزوا أموالهم ودماءهم، فادفع إلى القوم ماءهم»، قال: نعم، يا نبي الله، فرأيت وجه رسول الله ﷺ يتغير عند ذلك حمرة حياء من أخذه الجارية، وأخذه الماء.

ترجمة الراوي:

صخر بن العيلة بن عبد الله بن ربيعة البجلي الأحمسيّ. ويكنى صخر: أبا حازم، وهو من مسلمة الفتح، سكن الكوفة، وروى عن رسول الله ﷺ أحاديث.

التوضيح:

- ابن خطل: اسمه عبد العزى، وقيل غير ذلك.

- صَبْرًا: صبر الإنسان وغيره على القتل: أن يحبس ويرمى حتى يموت.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث أنس وأثر سعيد بن جبير دليل على جواز قتل أسرى العدو إذا رأى الإمام في ذلك مصلحة [1].

2 - إنما أمر النبي ﷺ بقتل ابن خطل؛ لأنه كان قد ارتد عن الاسلام، وقتل مسلمًا كان يخدمه، وكان يهجو النبي ﷺ ويسبه، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء النبي ﷺ والمسلمين[2].

3 - فإن قيل: ففي الحديث الآخر: «من دخل المسجد فهو آمن»، فكيف قتله وهو متعلق بالأستار؟ فالجواب: أنه لم يدخل في الأمان، بل استثناه هو وابن أبي سرح والقينتين، وأمر بقتله وإن وجد متعلقًا بأستار الكعبة.

4- وفي الحديث حجة لمالك والشافعي وموافقيهما في جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وتأولوا هذا الحديث على أنه قتله في الساعة التي أبيحت له. وأجاب الأولون بأنها انما أبيحت ساعة الدخول حتى استولى عليها، وأذعن له أهلها، وهو ﷺ إنما قتل ابن خطل بعد ذلك، والله أعلم [3].

5 - وفي الحديث أيضًا دليل لمن يقول بجواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد نسكًا، سواء كان دخوله لحاجة تتكرر، كالحطاب والحشاش والسقاء والصياد وغيرهم، أم لم تتكرر، كالتاجر والزائر وغيرهما، وسواء كان آمنًا أو خائفًا.

6 - وفي حديث صخر بن العيلة دليل على أن من أسلم من الكفار حرم دمه وماله، وللعلماء تفصيل في ذلك؛ قالوا: من أسلم طوعًا من دون قتال: ملك ماله وأرضه؛ وذلك كأرض اليمن. وإن أسلموا بعد القتال: فالإسلام قد عصم دماءهم، وأما أموالهم فالمنقول منها غنيمة، وغير المنقول فيء.

7 - اختلف العلماء في الأرض التي صارت فيئًا للمسلمين على أقوال، فقال مالك ونصره ابن القيم[4]: إنها تكون وقفًا يقسم خراجها في مصالح المسلمين، وأرزاق المقاتلة، وبناء القناطر، والمساجد، وغير ذلك من سبل الخير، إلا أن يرى الإمام في وقت من الأوقات أن المصلحة في قسمتها كان له ذلك.

8 - وأما في كيفية بقائها بلا قسمة: فظاهر مذهب أحمد وأكثر نصوصه على أن الإمام مخير فيها تخيير مصلحة لا تخيير شهوة؛ فإن كان الأصلح للمسلمين قسمتها قسمها، وإن كان الأصلح أن يقفها على المسلمين وقفها عليهم، وإن كان الأصلح قسمة البعض ووقف البعض فعله؛ فإن رسول الله ﷺ فعل الأقسام الثلاثة؛ فإنه قسم أرض قريظة والنضير، وترك قسمة مكة، وقسم بعض خيبر وترك بعضها لما ينوبه من مصالح المسلمين[5].

9 - في حديث عمران بن حصين دليل على جواز إطلاق الأسرى مقابل فدية يُقدِّمونها، والفدية قد تكون في مقابل المال، وقد تكون في مقابل إطلاق سراح أسرى المسلمين عندهم، وقد يكون في مقابل منفعة منهم، وقد فادى النبي ﷺ بعض أسرى بدر على تعليم جماعة من المسلمين الكتابة.

10 - وفي حديث جبير بن مطعم دليل على جواز المنّ على الأسرى، وإطلاقهم بغير مقابل. وجواز المنِّ على الأسرى هو مذهب الجمهور، وقد منَّ النبي ﷺ على أبي العاص بن الربيع، والمطلَّب بن حنطب، وصَيْفِيِّ بن أبي رفاعة، وأبي عزَّة الجهمي الشاعر، وهم من أسرى بدر، كما منَّ على ثُمَامَة بن أُثَال سيِّد أهل اليمامة، ومنَّ على ثمانين أسيرًا من المشـركين في الحديبية [6].

11 - وفيه حجة لأبي حنيفة ومالك على أن الغنائم لا تستقر ملكا للغانمين إلا بعد القسمة.

12 -جواز مكافأة المشرك على إحسانه؛ فإن النبي ﷺ قال: لو كان المطعم بن عدي حيًا، وكلَّمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له، كل هذا وفاء لجميله؛ ذلك أن المطعم له عند النبي ﷺ يدان:

أولاهما: أن النبي ﷺ لما رجع من الطائف قبل الهجرة داعيًا أهلها، خاف من عدوان كفار مكة، فدخلها بجوار المطعم بن عدي.

الثانية: ما قام به مع أربعة من رجال قريش من نقض الصحيفة، التي كتبتها قريش في مقاطعة بني هاشم، وعلَّقوها بالكعبة[7].

13 - وفي حديث أبي سعيد سبي المتزوجات من الكفار، وهو لا يخلو من ثلاثة أحوال:

أحدها: أن يسبى الزوجان معًا، فعند المالكية والشافعية ينفسخ نكاحهما، كما في حديث أبي سعيد الخدري الذي دل على ارتفاع النكاح بذلك.

الثاني: أن تسبى المرأة وحدها، فينفسخ النكاح بلا خلاف عند الفقهاء.

الثالث: أن يسبى الرجل وحده، فعند جمهور الفقهاء ينفسخ النكاح، وعند الحنابلة لا ينفسخ النكاح؛ لأنه لا نص فيه، ولا القياس يقتضيه، وقد سبى النبي ﷺ سبعين من الكفار يوم بدر فمنَّ على بعضهم وفادى بعضًا، ولم يحكم عليهم بفسخ أنكحتهم[8].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - حقد الكفار على المسلمين عظيم، فهذا ابن خطل المرتد قد قتل أحد المسلمين، وكان يهجو النبي ﷺ ويسبه، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء النبي ﷺ والمسلمين، وصدق الله تعـالى القائل في كتابه: ﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران:118]. ولهذا وجب على المسلمين البراءة من الكافرين وموالاة المسلمين فحسب، وعليهم أن يحذروا منهم أشد الحذر.

2 - كما ينبغي البراءة من المشركين يجب موالاة من يسلم منهم ومنحهم صفة الأخوة في الدين؛ كما قال الله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة: 11]، ولذا قال ﷺ: «إن القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم».

3 - وفاء النبي ﷺ وذكره للجميل؛ حيث لم ينسَ ما فعله له المطعم ابن عدي وودَّ لو كان حيًا ليكافئه على ما صنع له من سالف المعروف.

طريقة الاستدلال:

1 - قاعدة: (تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة) [9]:

ولهذا قرر العلماء أن تخيير الإمام في قسمة الأرض إنما هو تخيير مصلحة لا تخيير شهوة، فإن كان الأصلح للمسلمين قسمتها قسمها، وإن كان الأصلح أن يقفها على المسلمين وقفها عليهم، وإن كان الأصلح قسمة البعض ووقف البعض فعله. ومثله قتل الأسير والمن عليه أو مفاداته، ومثله قتل الجاسوس المسلم.

2 - حديث سعيد بن جبير مرسل، والمرسل: هو أن يقول التابعي كبيرًا كان أو صغيرًا: قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل كذا، أو فُعِل بحضرته كذا، دون أن يذكر الصحابي[10]. وقد اتفق العلماء على أن مُرْسَل العدل الثقة من التابعين وتابعيهم، إذا عُرِف بالإرسال عن الثقة وغيره، فإنَّه لا يقبل مُرْسَلُه، واختلفوا فيما إذا كان لا يرسل إلا عن الثقات العدول؛ فقيل: يحتج به مطلقًا، وقال به الجمهور[11]، وقيل لا يحتج به مطلقًا، وقال الشافعي: يحتج به بشروط، وهي:

أ - أن يكون المرسِل قد عُرِف من حاله أنه لا يرسل عمن فيه علة.

ب - وألا يخالف الراوي المرسِل الحفاظ، إذا شاركهم في حديث مما أسنده.

ج - أن يكون المرسَل قد أسنده غير مرسله، أو أن يرسله راو آخر يروي عن غير شيوخ الأول، أو أن يعضده قول صحابي، أو أن يعضده قول أكثر أهل العلم[12].

3 - همُّ النبي ﷺ دليل على جواز أو مشروعية الأمر، كما في أمر المطعم بن عدي، وقد اعتبر الشافعية أن من أقسام السنة: ما همَّ النبي ﷺ بفعله ولم يفعله؛ لأنه ﷺ لا يهمّ إلا بحق محبوب مطلوب شرعًا؛ لأنه مبعوث لبيان الشرعيات[13].

4 - أمر النبي ﷺ ألا توطأ حامل من السبي حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض، دون استفصال عن ذات زوج ولا غيرها؛ يدل على أن جميع السبايا في الحكم سواء؛ لأن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة