من أحكام الغنيمة والنفل:
قال الله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ [الأنفال: 41] في الآية أوجه قسمة الغنيمة.
وقال الله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ [الأنفال: 1] يدخل في الأنفال السلَب وما تعطاه السرايا.
وقال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٦ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ﴾ [الحشـر: 6، 7] في الآيات بيان حكم الفيء والتفريق بينه وبين الغنيمة التي تؤخذ مع القتال؛ قال ابن كثير عن الفيء: (فكلّ مَالٍ أُخِذَ مِنَ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ قِتَالٍ وَلَا إِيجَافِ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ كأموال بني النضير هذه، فإنها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، أي: لم يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة، بل نزل أولئك من الرعب الذي ألقى الله في قلوبهم من هيبة رسول الله ﷺ، فأفاءه الله على رسوله، وَلِهَذَا تَصَرَّفَ فِيهِ -أي النبي ﷺ- كَمَا شَاءَ، فَرَدَّهُ عَلَى المُسْلِمِينَ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْمَصَالِحِ الَّتِي ذَكَرَهَا الله، عَزَّ وَجَلَّ، فِي هَذِهِ الْآيَاتِ). اهـ
وقال الله تعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٦٩ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَىٰ إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الأنفال:69-70] في الآيتين جواز الأكل من الغنيمة بقدر الحاجة، ويقاس عليه ما يحتاجه المقاتل أثناء المعركة مما يفنى، وأن الكافر إذا أُسر ومعه زوجه أو ذريته أو ماله فكل ما بيده غنيمة للمسلمين.
1298- عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَغُلُّوا؛ فَإِنَّ الغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»، رواه أحمد والنسائي، وصحَّحه ابن حبان. [فيه ضعف كما في المحرر لابن عبد الهادي (840)].
1299- وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فِي قِصَّةِ قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ، قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: «أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟» قَالَا: لَا. قَالَ: فَنَظَرَ فِيهِمَا، فَقَالَ: «كِلَاكُمَا قَتَلَهُ»، فَقَضَى بِسَلْبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِوِ ابْنِ الـجمُوحِ. متفق عليه.
1300- وعن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه»، قالها ثلاثًا، متفق عليه.
1301- وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: أتى النبيَّ ﷺ عينٌ من المشركين وهو في سفر، فجلس عند أصحابه يتحدث، ثم انفتل، فقال النبي ﷺ: «اطلبوه واقتلوه»، فقتَلْتُه، فَنَفَّلَني سَلَبَهُ. وفي روايةٍ فقال: «مَن قتلَ الرجلَ؟»، فقالوا: ابنُ الأكوع. قال: «له سلبُه أجمعُ». متفق عليه.
1302- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ سَرِيَّةٍ وَأَنَا فِيهِمْ، قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِبِلًا كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ اِثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا»، متفق عليه.
1303- وعنه قال: «قَسَمَ رَسُولُ الله ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا»، متفق عليه، واللفظ للبخاري.
ولأبي داود: «أَسْهَمَ لِرَجُلٍ وَلِفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ، وَسَهْمًا لَهُ».
1304- وعن معن بن يزيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا نَفْلَ إِلَّا بَعْدَ الخُمُسِ»، رواه أحمد وأبو داود، وصحَّحه الطحاوي. [وابن عبد الهادي في المحرر (829)].
1305- وعن حبيب بن مسلمة رضي الله عنه قال: «شَهِدْتُ رَسُولَ الله ﷺ نَفَّلَ الرُّبْعَ فِي البَدْأَةِ، وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ»، رواه أبو داود، وصحَّحه ابن الجارود وابن حبان والحاكم. [ألزم الدارقطني في الإلزامات (ص199) الشيخين بإخراج حديثه].
1306- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنْ السَّـرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قَسْمِ عَامَّةِ الـجيْشِ»، متفق عليه.
1307- وعنه قال: «كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا العَسَلَ وَالعِنَبَ، فَنَأْكُلُهُ وَلَا نَرْفَعُهُ»، رواه البخاري، ولأبي داود: «فلم يؤخذ منهم الخمس»، وصحَّحه ابن حبان. [قال الحافظ في التلخيص الحبير (6/2754): رجَّح الدارقطني وقفه].
1308- وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: «أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ، فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ»، أخرجه أبو داود، وصحَّحه ابن الجارود والحاكم.
1309- وعن رويفع بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الـمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ، وَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الـمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ»، أخرجه أبو داود والدارمي، ورجاله لا بأس بهم. [حسَّنه ابن حجر في فتح الباري (6/ 256)].
سبب ورود حديثي عبادة وأبي قتادة:
1 - في مسند أحمد عن المقدام بن معديكرب الكندي، أنه جلس مع عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، والحارث بن معاوية الكندي، فتذاكروا حديث رسول الله ﷺ، فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة، كلمات رسول الله ﷺ في غزوة كذا وكذا، في شأن الأخماس؟ فقال عبادة: إن رسول الله ﷺ صلى بهم في غزوهم إلى بعير من المقسم، فلما سلَّم، قام رسول الله ﷺ، فتناول وبرة بين أنملتيه، فقال: «إن هذه من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم، إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا؛ فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله، القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في الحضـر والسفر، وجاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم، ينجي الله، به من الهم والغم».
2 - وفي الصحيحين عن أبي قتادة رضي الله عنه قال خرجنا مع النبي ﷺ عام حنين فلما التقينا كانت للمسلمين جولة فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فضربته من ورائه على جبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع وأقبل عليَّ فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني فلحقت عمر فقلت ما بال الناس قال أمر الله عز وجل ثم رجعوا وجلس النبي ﷺ فقال من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه فقلت من يشهد ثم جلست قال ثم قال النبي ﷺ مثله فقمت فقلت من يشهد لي ثم جلست قال ثم قال النبي ﷺ مثله فقمت فقال: «ما لك يا أبا قتادة؟» فأخبرته، فقال رجل: صدق وسلبه عندي فأرضه مني، فقال أبو بكر: لا ها الله، إذا لا يعمد إلى أَسَد من أُسْد الله يقاتل عن الله ورسوله ﷺ فيعطيك سلبه. فقال النبي ﷺ: «صدق فأعطه»، فأعطانيه فابتعت به مخرفًا في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام.
1 - أبو يزيد معن بن يزيد بن الأخنس بن حبيب السلمي، له ولأبيه وجده الأخنس صحبة، وروى عن النبي ﷺ حديثًا أو حديثين، سكن الشام، وقتل بمرج راهط سنة (64).
2 - حبيب بن مسلمة القرشي الفهري، أبو عبد الرحمن، له صحبة، نزل الشام، ولم ينزل مع معاوية في حروبه، ووجهه إلى أرمينية واليًا عليها، فمات بها سنة (42)، ولم يبلغ (50)، وكان مجاب الدعوة، وكان يقال له: حبيب الروم؛ لكثرة جهاده فيهم.
- الغلول: الخيانة في الغنيمة، والسرقة منها.
- الخيط: الثوب.
- وَالمَخِيطَ: هو الإبرة.
- عَارٌ: هو كل شئ يلزم منه عيب أو شين.
- السلَب: بفتح اللام: هو ما وجد على المقتول من لباس وسلاح وعدة حرب.
- عين: جاسوس.
- انفتل: انصرف.
- فنفلني: أعطاني.
- السرية: قطعة من الجيش.
- الفارس: راكب الخيل.
- الراجل: الماشي.
- لا نَفَلَ: النَّفَل: هو الزيادة على السهم من الغنيمة.
- فِي البَدْأَةِ: أي: ابتداء سفر الغزو.
- فِي الرَّجْعَةِ: الرجوع من الغزوة، ويكون لهم مما غنموا الثلث.
- وَلَا نَرْفَعُهُ: أي: لا نحمله على سبيل الادخار.
- فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الـمُسْلِمِينَ: أي من غنيمتهم المشتركة من غير ضرورة.
- أعجفها: أضعفها وأهزلها.
- أخلقه: أبلاه.
1 - دل حديث عبادة بن الصامت على ما أجمع عليه المسلمون أن الغلول من الغنيمة حرام مهما كان قدره وأنه من الكبائر [1].
2- اتفق الفقهاء على أن للإمام تعزير الغالّ بالضرب، أو الحبس أو ما يراه مناسبًا لعقوبته ورادعًا لأمثاله[2].
3 - وفي حديث أبي قتادة الأنصاري دليل على أن القاتل يستحق سلب من قتله، وظاهره سواء كان أمير الجيش قد قال قبل ذلك: «من قتل قتيلا فله سلبه» أم لا، وهو قول الشافعية والحنابلة[3].
4 - وعن حديث عبد الرحمن بن عوف يقول الصنعاني: (استدل به على أن للإمام أن يعطي السلب لمن شاء، وأنه مفوض إلى رأيه؛ لأنه ﷺ أخبر أنّ ابني عفراء قتلا أبا جهل، ثم جعل سلبه لغيرهما، وأجيب عنه أنه إنما حكم به ﷺ لمعاذ بن عمرو بن الجموح؛ لأنه رأى أثر ضربته بسيفه هي المؤثرة في قتله لعمقها، فأعطاه السلب، وطيب قلب ابني عفراء بقوله: (كلاكما قتله)، وإلا فالجناية القاتلة له هي لمعاذ بن عمرو، ونسبة القتل إليهما مجاز، أي كلاكما أراد قتله، وقرينة المجاز إعطاء سلب المقتول لغيرهما)[4].
5 - وفي حديث سلمة بن الأكوع دليل على جواز قتل الجاسوس الحربي الذي يبعثه الأعداء ليخبر عن المسلمين، وكذلك قتل من يشبهه ممن لا أمان له[5]. وعليه الإجماع، وأما الجاسوس المعاهد أو الذمي فقال مالك والأوزاعي: يصير ناقضًا للعهد، فإن رأى الإمام استرقاقه أرقه، ويجوز قتله، وعند الجمهور: لا ينتقض عهده بذلك إلا أن يشترط عليه انتقاضه به[6].
6 - وأما الجاسوس المسلم، فاختلفوا فيه، قال ابن القيم: (والصحيح أن قتله راجع إلى رأي الإمام، فإن كان قتله مصلحة للمسلمين قتله، وإن كان استبقاؤه أصلح استبقاه، والله أعلم)[7].
7 - اتفق العلماء على جواز تنفيل الإمام من الغنيمة بعد إصابة الغنائم، إن كان في ذلك مصلحة، فيعطي لبعض الغانمين شيئًا زائدًا من الغنيمة لبأسه أو شجاعته دون شرط مسبق[8].
8 - ويجوز كذلك التنفيل قبل إصابة الغنائم؛ كأن يقول الأمير: من فعل كذا فله كذا، وهو قول جمهور الفقهاء[9].
9- وفي حديث ابن عمر الأول أن الجيش إذا انفرد منه قطعة فغنموا شيئا كانت الغنيمة للجميع، قال ابن عبد البر: (لا يختلف الفقهاء في ذلك، أي: إذا خرج الجيش جميعه ثم انفردت منه قطعة. انتهى، وليس المراد الجيش القاعد في بلاد الإسلام فإنه لا يشارك الجيش الخارج إلى بلاد العدو)[10].
10 - وفيه دليل على أن النفل يؤخذ من خمس الغنيمة، وهو قول الجمهور[11]، وقد اختلف العلماء هل هو من أصل الغنيمة، أو من الخمس، أو من خمس الخمس، أو مما عدا الخمس على أقوال؛ قال شيخ الإسلام: (والصحيح أنه يجوز من أربعة الأخماس وإن كان فيه تفضيل بعضهم على بعض لمصلحة دينية، لا لهوى النفس، كما فعل رسول الله ﷺ غير مرة، وهذا قول فقهاء الشام وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم)[12]. وقال ابن دقيق العيد في حديث حبيب بن مسلمة الآتي: (يدل على أن التنفيل من أصل الغنيمة ظاهرًا مع احتماله لغيره).
11 - وفي حديث ابن عمر الثاني دليل على أن الفارس يفضل في سهمه على الراجل، وهذا مجمع عليه[13].
12 - في الرواية الأولى دليل على أن الفارس يأخذ سهمين؛ سهمًا له، وسهمًا لفرسه، وهو ما ذهب إليه الحنفية[14].
13 - وفي رواية أبي داود دليل على أن الفارس يأخذ من الغنيمة ثلاثة أسهم؛ سهم له، وسهمان لفرسه، وبهذا قال الجمهور، وهو الراجح[15].
14- وعن حديث معن بن يزيد يقول الصنعاني: (اتفق العلماء على جواز النفل، واختلفوا هل يكون من أصل الغنيمة أو من الخمس؟ وحديث معن هذا ليس فيه دليل على أحد الأمرين، بل غاية ما دل عليه: أن الغنيمة تخمس قبل التنفيل منها)[16].
15- ودلَّ حديث حبيب بن مسلمة على مقدار ما يُنفَّل، وأنه لا يجوز أن ينفل أكثر من الثلث كما ذهب إليه الحنابلة[17]؛ وذلك أن نفل النبي ﷺ انتهى إلى الثلث فلا يتجاوزه[18]. وذهب الحنفية والشافعية إلى أنه ليس للتنفيل حد أعلى، فللإمام أن ينفل السرية كل ما تغنمه، أو بقدر منه، كأن يقول: ما أصبتم فهو لكم أو لكم ثلثه أو ربعه، بعد الخمس أو قبله[19].
16 - وفي حديث ابن عمر الرابع وحديث عبد الله بن أبي أوفى دليل على جواز الأكل من الغنيمة بقدر الحاجة بالإجماع [20].
17 - وفي حديث رويفع بن ثابت دليل على جواز الركوب ولبس الثوب من الغنيمة، وإنما يتوجه النهي إلى الإعجاف والإخلاق للثوب، فلو ركب من غير إعجاف، ولبس من غير إخلاق وإتلاف جاز[21].
18 - اتفق الفقهاء على أنه يجوز تموين المركوب بما يحتاج من أرض العدو[22]؛ وذلك لأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ لأنه لا يمكنهم أن يصطحبوا من التموين مقدار ما يكفيهم، فالحاجة إلى تموين المركوب كالحاجة إلى الطعام من الغنيمة.
وأما في العصر الحاضر؛ فالمركوب طائرات ودبابات وناقلات، ونحو ذلك من وسائل النقل المختلفة وآليات الحرب المتعددة، وهذه الآليات تقوم مقام الدواب في الزمن الماضي، وعلى هذا يجوز تزويدها بالوقود، وما تحتاج إليه من الغنيمة في أرض العدو[23].
19 - لا تحصل البراءة من تبعة الغلول في الدنيا والآخرة إلا برد ذلك المأخوذ بلا حاجة في الغنيمة، فإن لم يمكن صرفها في مصالح المسلمين.
قال شيخ الإسلام: (ومن كانت عنده غصوب وودائع وغيرها لا يعرف أربابها صرفت في المصالح. وقال العلماء ولو تصدَّق بها جاز)[24].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - خطورة الغلول وعقوبة الغال في قبره كما في حديث الذي غلّ شملةً من الغنيمة ثم استشهد فقال ﷺ: «إن الشملة التي غلّها لتشتعل عليه نارًا»، وكذا عقوبته يوم القيامة، وهي أن الغالَّ يأتي يوم القيامة بما غلَّ يحمله معذبًا به وموبخًا بإظهار خيانته على رءوس الأشهاد.
2 - قال النووي في حديث قتل أبي جهل: (وفي هذا الحديث من الفوائد: المبادرة إلى الخيرات، والاستباق إلى الفضائل، وفيه الغضب لله ولرسوله ﷺ، وأنه ينبغي أن لا يُحتقَر أحدٌ، فقد يكون بعض من يستصغر عن القيام بأمر أكبر مما في النفوس، وأحق ذلك الأمر ما جرى لهذين الغلامين)[25].
3 - شدة محبة الصحابة نساء ورجالًا للنبي ﷺ، وتشريب أولادهم سيرته وصبره ومحبته، وإلا لما كان هذا التحمس من الغلامين للانتقام لرسول الله ﷺ، وأيضًا: علو همة بعض الغلمان وما قد يتحلون به من الشجاعة التي تفوق بعض الرجال.
4- الحكمة من مشروعية النفل هي التحريض على القتال والتشويق بالوسائل المشروعة، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ﴾ [الأنفال: 65]. وهذا خطاب للرسول ﷺ، ولكل من قام مقامه من أمته [26].
1 - قال ابن دقيق العيد: الشافعي يرى استحقاق القاتل للسلب حكمًا شرعيًا بأوصاف مذكورة في كتب الفقه، ومالك وغيره يرى أنه لا يستحقه بالشرع، وإنما يستحقه بصـرف الإمام إليه نظرًا. وهذا يتعلق بقاعدة، وهي: (أن تصرفات الرسول ﷺ في أمثال هذا إذا ترددت بين التشريع، والحكم الذي يتصرف به ولاة الأمور: هل تحمل على التشـريع أو على الثاني؟)، والأغلب: حمله على التشريع[27].
2 - حمل الجمهور الرواية الأولى لحديث ابن عمر الثاني: بأنه محمول على أن الراجل المذكور في الحديث يُراد به صاحب الفرس؛ جمعًا بين الروايات، فيكون للفارس ثلاثة أسهم، ويؤيده ما جاء في الصحيحين في رواية للحديث: (أن رسول الله ﷺ جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا)، قال الحافظ: (فيصير للفارس ثلاثة أسهم)[28].
3 - قال القرطبي: (لم يختلف العلماء أن قوله: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الأنفال: 41] ليس على عمومه، وأنه يدخله الخصوص، فمما خصَّصوه بإجماع أن قالوا: سلب المقتول لقاتله إذا نادى به الإمام. وكذلك الرقاب، أعني الأسارى، الخيرة فيها إلى الإمام بلا خلاف، والمعنى: ما غنمتم من ذهب وفضة وسائر الأمتعة والسبي. وأما الأرض فغير داخلة في عموم هذه الآية)[29].
4 - لم ينكر النبي ﷺ على الصحابة أكلهم من الغنائم التي أصابوها، فدلَّ على جواز الأكل من الغنيمة، ومما جاء من إقرار النبي ﷺ لذلك: حديث ابن مغفل؛ حيث قال: «فالتفت، فإذا رسول الله ﷺ متبسمًا»[30].
5 - قوله: «فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ المُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ» يدلُّ بمفهومه على أن الركوب إذا لم يؤد إلى العجف؛ فلا بأس به.