حجم الخط:

محتوى الدرس (146)

عقد الأمان:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ [التوبة: 6].

قال القرطبي: (أَيْ مِنَ الَّذِينَ أَمَرْتُكَ بِقِتَالِهِمْ ﴿ اسْتَجَارَكَ أَيْ: سَأَلَ جِوَارَكَ، أَيْ أَمَانَكَ وَذِمَامَكَ، فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ ليسمع القرآن، أي يفهم أَحْكَامَهُ وَأَوَامِرَهُ وَنَوَاهِيَهِ. فَإِنْ قَبِلَ أَمْرًا فَحَسَنٌ، وَإِنْ أَبَى فَرُدَّهُ إِلَى مَأْمَنِهِ وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ). والله أَعْلَمُ.

وقال ابن كثير: (وَمِنْ هَذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْطِي الْأَمَانَ لِمَنْ جَاءَهُ، مُسْتَرْشِدًا أَوْ فِي رِسَالَةٍ، كَمَا جَاءَهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ جَمَاعَةٌ مِنَ الرُّسُلِ مِنْ قُرَيْشٍ... أَوْ تِجَارَةٍ، أَوْ طَلَبِ صُلْحٍ أَوْ مُهَادَنَةٍ أَوْ حَمْلِ جِزْيَةٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ).

[الأحاديث]

1310- عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «يُجِيرُ عَلَى الـمُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ»، أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد، وفي إسناده ضعف.

1311- وللطيالسـي من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه: «يُجِيرُ عَلَى الـمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ» [إسناده ضعيف أيضًا].

1312- وعن عليٍّ رضي الله عنه قال: «ذِمَّةُ الـمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بهَا أَدْنَاهُمْ»، متفق عليه، وزاد ابن ماجه من وجه آخر: «وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ».

1313- وفي الصحيحين من حديث أم هاني: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ».

1314- وعن أبي رافع قال: قال النـبي ﷺ: «إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالعَهْدِ، وَلَا أَحْبِسُ الرُّسُلَ»، رواه أبو داود والنسائي، وصحَّحه ابن حبان.

سبب ورود حديث أبي رافع:

في سنن أبي داود عن أبي رافع، قال: «بعثتني قريش إلى النبي ﷺ، قال: فلما رأيت النبي ﷺ وقع في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، لا أرجع إليهم، قال: «إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، وارجع إليهم، فإن كان في قلبك الذي فيه الآن فارجع».

ترجمة الرواة:

1 - أبو عبيدة هو: عامر بن عبد الله بن الجراح القرشي الفهري المكي، أمين الأمة، أحد العشرة، أسلم قديمًا، شهد بدرًا وغيرها من المشاهد، كان رجلًا حسن الخلق، لين الشيمة؛ متبعًا لأمر رسول الله ﷺ وعهده، موصوفًا بالحلم الزائد والتواضع. توفي سنة: (18) في طاعون عمواس.

2 - أم هانئ بنت أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمية، أشهر ما قيل في اسمها: فاختة، ابنة عم النبي ﷺ، أسلمت يوم الفتح، وخطبها النبي ﷺ، فاعتذرت إليه بأطفالها، كانت معظّمة لحق الزوج، عاشت بعد عليّ رضي الله عنه.

التوضيح:

- المستأمن: هو من دخل دار الإسلام بأمان طلبه.

- والأمان: هو رفع استباحة دم الحربي ورِقِّهِ وماله حين قتاله، أو العزم عليه، مع استقراره تحت حكم الإسلام مدة ما.

- يجير: من الإجارة وهي الأمان.

- لا أخيس: أي لا أنقض وأفسد.

- العهد: الميثاق والعقد؛ وهو لفظ عام يطلق في باب الجهاد على كل من عقود: الأمان أو الهدنة أو الذمة.

الدلالات الفقهية:

1 - العقود التي تفيد الأمن للكفار ثلاثة: الأمان، والهدنة، والذمة؛ لأنه إن تعلق بمحصور فالأمان، أو بغير محصور: فإن كان إلى غاية فالهدنة، وإلا فالذمة، وهما مختصان بالإمام، بخلاف الأمان فعام، قال ابن القيم: (الكفار: إما أهل حرب، وإما أهل عهد؛ وأهل العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمة، وأهل هدنة، وأهل أمان)[1].

2 - في الأحاديث دليل على صحة الأمان، وهو العهد للمحارب بعدم الاعتداء على نفسه وماله وعرضه ودينه لمدة محدودة حتى يبيع تجارته ويرجع، أو حتى يشاهد بلاد المسلمين ويرجع، أو حتى يسمع كلام الله ويرجع.

3 - لا بد في الأمان من قول يدل عليه مثل: أجرتك؛ لقوله ﷺ لأم هاني: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ». ومثل: لا بأس عليك، أو أنت آمن، ونحو ذلك[2].

4 - يلحق بالمستأمن من كان له شبهة عهد، أو ادَّعاه ولم يقدر على إقامة الحجة عليه، كما لو خرج من دار الحرب كافر مع مسلم، فادعى المسلمُ أسرَه، وادعى الآخر الأمان؛ فالقول قول الحربي[3]، ومثله الحربي الذي دخل بلاد المسلمين وادعى أنه رسول، قال ابن قدامة: (إذا دخل حربي دار الإسلام بغير أمان، وادعى أنه رسول قُبِل منه، ولم يجز التعرض له، بل كل ما يشتبه على الحربي أنه أمان أعطاه المسلمون له يصير أمانًا له؛ ولو لم يكن كذلك)[4].

5 - إذا انعقد الأمان ترتب عليه التزام المسلمين بعدم إلحاق الضرر بالمؤمَّن، قال ابن قدامة: (الأمان إذا أُعطي لأهل الحرب حرم قتلهم ومالهم والتعرض لهم)[5].

6 - في حديث أبي رافع دليل على وجوب الوفاء بالعهد، وقد أجمع العلماء على وجوب الوفاء بالمعاهدة بين المسلمين والكفار، وترك التعرُّض لأنفسهم وأموالهم [6].

7 - قال ابن القيم: (أهل الهدنة الذين صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، سواء كان الصلح على مال أو غير مال: لا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة، ولكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين، وهؤلاء يسمون أهل العهد، وأهل الصلح، وأهل الهدنة)[7].

8 - إذا كان بيننا وبينهم عهد نخاف خيانتهم فيه، فهنا يجب أن ننبذ إليهم العهد، ونخبرهم أنه لا عهد بيننا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ [الأنفال: 58][8].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1- من محاسن الدين الإسلامي تنظيم كافة تعاملات المسلمين سواء فيما بينهم، أو مع غيرهم من الكفار، مما يضمن صيانة الحقوق وشيوع العدل بين الناس.

2 - وفاء النبي ﷺ بالعهد وشدَّةُ حرصه على ذلك يدل على فضيلة الوفاء، وشناعة الغدر والإخلال بالعهد. ولذا لا يحل لمسلم أن يخيس في عهده، فالغدر قبيح عند الأمم كلها؛ فضلًا عن هذه الأمة التي تتبوأ مقام الشهادة على الأمم قاطبة، ولكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدرته، وقد بين النبي ﷺ أن من خصال المنافق: «إذا عاهد غدر»، وقال الله تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء:34].

طريقة الاستدلال:

1 - يصح الأمان من واحد من عامة المسلمين لقافلة كعشـرة رجال؛ وذلك لعموم الحديث المتقدم، ولا يصح أمانه لأهل بلدة كبيرة؛ لأنه يفضي إلى تعطيل الجهاد والافتيات على الإمام.

2 - قاعدة: (تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة): وقد سبقت، ونص الشافعي -رحمه الله- على هذه القاعدة بقوله: (منزلة الإمام من الرعية: منزلة الولي من اليتيم)[9].

ولهذا لا يجوز للإمام أن يعقد عقدًا مع الكفار إلا فيما كان فيه مصلحة للمسلمين.

3 - قوله تعالى: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ [الأنفال: 58]: قال ابن العربي: (فإن قيل كيف يجوز نقض العهد مع خوف الخيانة، والخوف ظن لا يقين معه، فكيف يسقط يقين العهد بظن الخيانة؟! فعنه جوابان: أحدهما: أن الخوف ههنا بمعنى اليقين، كما يأتي الرجاء بمعنى العلم، كقوله تعالى: ﴿ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا [نوح:13]. والثاني: أنه إذا ظهرت آثار الخيانة وثبتت دلائلها؛ وجب نبذ العهد؛ لئلا يوقع التمادي عليه في الهلكة، وجاز إسقاط اليقين ههنا ضرورة. وأما إذا علم النبذ يقينًا؛ فيُستغنى بذلك عن نبذ العهد إليهم، وقد سار النبي ﷺ إلى أهل مكة عام الفتح، لما اشتهر منهم نقض العهد من غير أن ينبذ إليهم عهدهم)[10].

لا يجتمع دينان في جزيرة العرب:

[تمهيد]

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: 28]. قال القرطبي:( ﴿ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ هَذَا اللَّفْظُ يُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ الْحَرَمِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ... قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: الْحَرَمُ كُلُّهُ قِبْلَةٌ وَمَسْجِدٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعُوا مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الإسراء:1] وَإِنَّمَا رُفِعَ مِنْ بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ).

وقال الله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ٢ وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ [الحشر: 2، 3]. قال القرطبي عن بني النضير: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ أَوَّلُ مَنْ حُشِرَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَأُخْرِجَ مِنْ دِيَارِهِ. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ أُخْرِجُوا إِلَى خَيْبَرَ، وَأَنَّ مَعْنَى لِأَوَّلِ الْحَشْرِ إِخْرَاجُهُمْ مِنْ حُصُونِهِمْ إِلَى خَيْبَرَ، وَآخِرُهُ إِخْرَاجُ عُمَرَ رضي الله عنه إِيَّاهُمْ مِنْ خَيْبَرَ).

[الأحاديث]

1315- عن عمر رضي الله عنه أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لَأُخْرِجَنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا»، رواه مسلم.

الدلالات الفقهية:

1 - في الحديث دليل على وجوب إخراج اليهود والنصارى والمجوس من جزيرة العرب؛ لعموم قوله «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب»، وهو عام لكل دين، والمجوس بخصوصهم حكمهم حكم أهل الكتاب[11].

2 - وأما حقيقة جزيرة العرب: فما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولًا، ومن جدة إلى أطراف ريف العراق عرضًا. أو يقال: هي التي يحيط بها البحر الأحمر والخليج العربي والمحيط الهندي، وتنتهي شمالا إلى أطراف الشام والعراق. وسميت جزيرة؛ لاحاطة البحار بها من نواحيها[12].

3 - وبما تضمنته الأحاديث من وجوب إخراج من له دين غير الإسلام من جزيرة العرب قال مالك والشافعي وغيرهما، إلا أن الشافعية خصُّوا ذلك بالحجاز، والمراد بالحجاز مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها كلها، والراجح قول الجمهور[13].

4 - قال النووي: (ولا يمنع الكفار من التردد مسافرين إلى الحجاز، ولا يمكثون فيه أكثر من ثلاثة أيام، قال الشافعي ومن وافقه: إلا مكة وحرمها، فلا يجوز تمكين كافر من دخولها بحال، فإن دخل في خفية وجب إخراجه، فإن مات ودفن فيه نبش وأخرج ما لم يتغير، وهذا قول الجمهور خلافًا لأبي حنيفة، وحجتهم قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ [التوبة: 28]) [14].

5 - يجوز إقامتهم في جزيرة العرب، وديار المسلمين إقامة عمل، لا إقامة استيطان؛ كأصحاب السفارات، والشركات، والعمال، والتجار، والسواح[15].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

من مقاصد الشريعة حفظ دار الإسلام، فإن الإيمان يأرز إلى جزيرة العرب، ولذا يتعلق بها من الأحكام ما لا يتعلق بغيرها.

طريقة الاستدلال:

الأحاديث فيها الأمر بإخراج الكفار من جزيرة العرب، والحجاز بعض مسمى جزيرة العرب، والحكم على بعض مسمياتها بحكم لا يعارض الحكم عليها كلها بذلك الحكم كما قُرِّر في الأصول: أن الحكم على بعض أفراد العام، لا يخصص العام، وهذا نظيره[16].

مصرف الفيء:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٦ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ [الحشر: 6، 7].

قال ابن تيمية: (المال حيث أضيف إلى الله ورسوله فالمراد به ما يجب أن يصـرف في طاعة الله ورسوله، ليس المراد به أنه ملك للرسول كما ظنه طائفة من الفقهاء ولا المراد به كونه مملوكًا لله خلقًا وقدرًا؛ فإن جميع الأموال بهذه المثابة)[17].

ولذا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ الْقَاضِي مِنْ رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ- إلَى أَنَّ الْفَيْءَ لَا يُخَمَّسُ، وَمَحَلُّهُ بَيْتُ مَالِ المُسْلِمِينَ وَيَصْرِفُهُ الْإِمَامُ بِاجْتِهَادِهِ فِي مَصَالِحِ المُسْلِمِينَ كَسَدِّ الثُّغُورِ وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالْجُسُورِ، وَكِفَايَةِ الْعُلَمَاءِ وَالمُتَعَلِّمِينَ وَالْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ، وَرِزْقِ المُقَاتِلَةِ وَذَرَارِيِّهِم.

[الأحاديث]

1316- عن عمر رضي الله عنه قال: «كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الـمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً، فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ فِي الكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، عُدَّةً فِي سَبِيلِ الله»، متفق عليه.

1317- وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ خَيْبَرَ، فَأَصَبْنَا فِيهَا غَنَمًا، فَقَسَمَ فِينَا رَسُولُ الله ﷺ طَائِفَةً، وَجَعَلَ بَقِيَّتَهَا فِي الـمَغْنَمِ»، رواه أبو داود، ورجاله لا بأس بهم.

1318- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أيُّما قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا، فَأَقَمْتُمْ فِيهَا، فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأيُّما قَرْيَةٍ عَصَتْ الله وَرَسُولَهُ، فَإِنْ خُمُسَهَا لله وَرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ»، رواه مسلم.

التوضيح:

- الفيء: ما أخذ من أموال الكفار بغير قتال. والغنيمة: ما أخذ من مال الكفار قهرًا بالقتال.

- مما لم يوجف: الوجف: السير السريع.

- ولا ركاب: الركاب: الإبل.

- الكراع: اسم للخيل.

الدلالات الفقهية:

1 - في الأحاديث دليل على جواز أخذ الفيء، ولا خلاف في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الحشر: 7][18].

2 - وفي حديث عمر دليل على جواز الادخار للأهل قوت سنة.

3 - وفيه دليل على تقديم مصلحة الكراع والسلاح على غيرهما، لا سيما في مثل ذلك الزمان[19].

4 - أجمع العلماء على جواز الادخار مما يستغله الإنسان من أرضه، وأما إذا أراد أن يشتريه من السوق ويدخره: فإن كان في وقت ضيق الطعام لم يجز، بل يشتري ما لا يحصل به تضييق على المسلمين؛ كقوت أيام أو أشهر، وإن كان في وقت سعة اشترى قوت السنة، وهذا التفصيل نقله القاضي عياض عن أكثر العلماء[20].

5 - وفي حديث معاذ دليل على أن الإمام يقسم بين المجاهدين من الغنم ونحوها من الأنعام ما يحتاجونه حال قيام الحرب، ويترك الباقي في جملة المغنم، وهذا مناسب لمذهب الجمهور المتقدم، فإنهم يصرحون بأنه يجوز للغانمين أخذ القوت وما يصلح به، وكل طعام يعتاد أكله على العموم من غير فرق بين أن يكون حيوانًا أو غيره[21].

6 - وأما حديث أبي هريرة: فيحتمل أن يكون المراد بالأولى: الفيء الذي لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، بل أجلي عنه أهله، أو صولحوا عليه، فيكون سهمهم فيها -أي حقهم من العطايا- كما يصرف الفيء، ويكون المراد بالثانية: ما أخذ عنوة، فيكون غنيمة يخرج منه الخمس، وباقيه للغانمين، وهو معنى قوله: «ثم هي لكم»، أي باقيها[22].

7 - وفي حديث أبي هريرة دليل على الجهة التي يصرف فيها الفيء، وأن الفيء لجميع المسلمين، والأولوية في العطاء للمجاهدين، وهذا قول الجمهور[23]. وعند الشافعية: يخمس الفيء كالغنيمة، بحيث تكون أربعة أخماس الفيء للجنود لا يشاركهم فيه أحد [24]، والراجح ما ذهب إليه الجمهور؛ قال ابن المنذر: (لا يعلم أحد قبل الشَّافعي قال بالخمس في الفيء).

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

أهمية العناية بأمر السلاح والعتاد وإعداد العُدة لمواجهة العدو، الأمر الذي عُني به الكفار في الأزمان المتأخرة وصار المسلمون عالةً عليهم، ولا يأخذون إلا ما يسمح به أعداؤهم من بيع بعض أسلحتهم لهم بأبهظ الأثمان، هذا مع حرمانهم للمسلمين من أحدث الأسلحة، وإن باعوا لهم بعضها فبعد أن ينزعوا أهم وأحدث ما يتعلق بها من تقنية وأجهزة متطورة!

طريقة الاستدلال:

قول الجمهور هو الراجح؛ لاختلاف الفيء عن الغنيمة، ولحديث عمر رضي الله عنه في صحيح البخاري: «أن أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ فكانت له خاصة». ولو كان الفيء يخمس لفعله النبي ﷺ [25].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة