حجم الخط:

محتوى الدرس (150)

باب الصAdobe Systemsيد والذبائح

اتخاذ الكلب:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [المائدة: 4]. الأصل هو الابتعاد عن الكلاب لما يغلب عليها من النجاسات، ولكن الله رخَّص في الكلب المعلَّم ونحوه لحاجة الناس إليه، وقضية نقص الأجر أمر غيبي يجب التصديق به، وهو داخل في قول الله تعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ٢٦ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِنْ رَسُولٍ [الجن: 26، 27].

[الأحاديث]

1346- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ، انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ»، متفق عليه.

الدلالات الفقهية:

1 - في الحديث دليل على أنه يحرم على المسلم اقتناء الكلاب، وأن من فعل ذلك عوقب بأنه ينقص من حسناته بمقدار قيراط كل يوم، وقد استثنى من ذلك: اقتناؤه لحراسة الماشية، وللصيد، ولحراسة الزرع.

2 - قال النووي: (اختلف العلماء في جواز اقتنائه لغير هذه الأمور الثلاثة، كحفظ الدور والدروب، والراجح: جوازه؛ قياسًا على الثلاثة؛ عملًا بالعلَّة المفهومة من الحديث، وهي: الحاجة) [1].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

قال العلماء: حكمة التحريم في بقاء الكلب في البيت واقتنائه، هو ما يسبب من ترويع الناس، وامتناع دخول الملائكة في بيت فيه كلب، وما فيه من النجاسة والقذارة[2].

طريقة الاستدلال:

جاز اقتناء الكلب لغير ما نصَّ عليه الحديث؛ عملًا بالعلَّة المفهومة من الحديث، وهي الحاجة، فكما جاز للحاجة في هذه الأمور الثلاثة، فيجوز فيما ساواها في الحاجة، أو زاد عليها من باب أولى.

أحكام الصيد:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [المائدة: 4] قال السعدي: (دلت هذه الآية على أمور:

- أباح لهم ما لم يذكُّوه مما صادته الجوارح، والمراد بالجوارح: الكلاب، والفهود، والصقر، ونحو ذلك، مما يصيد بنابه أو بمخلبه.

- أنه يُشترط أن تكون معلمة، بما يُعد في العرف تعليمًا، بأن يسترسل إذا أُرسل، وينزجر إذا زُجر، وإذا أمسك لم يأكل، ولهذا قال: ﴿ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ أي: أمسكن من الصيد لأجلكم...

- طهارة ما أصابه فم الكلب من الصيد، لأن الله أباحه ولم يذكر له غسلا فدل على طهارته.

- فيه اشتراط التسمية عند إرسال الجارح، وأنه إن لم يسم الله متعمِّدًا، لم يبح ما قتل الجارح.

- أنه يجوز أكل ما صاده الجارح، سواء قتله الجارح أم لا. وأنه إن أدركه صاحبه، وفيه حياة مستقرة فإنه لا يباح إلا بالتذكية). اهـ بتصرف.

وقال الله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ [المائدة: 3]، والموقوذة هي التي تقتل بالضرب، ويدخل فيها المقتولة بالمعراض أو بخذف الحصا التي لا تجرح كما في الحديث.

وقال الله تعالى: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا [الأعراف: 56]، واتخاذ الحيوان غرضًا -كما في الحديث الآتي- من الفساد الذي نهى الله عنه؛ لما فيه من تعذيب الحيوان، أو إهداره سرفًا، والآية ذُكرت في معرض امتنان الله على عباده بما خلق وسخَّر.

[الأحاديث]

1347- عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ الله، فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأكُل مِنْهُ فَكُلْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ: فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيَّهُمَا قَتَلَهُ، وَإِنْ رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ الله، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا، فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ، فَكُلْ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الـمَاءِ، فَلَا تَأْكُلْ»، متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.

1348- وعنه قال: سَألتُ رَسُولَ الله عَنْ صَيْدِ الـمِعْرَاضِ فَقَالَ: «إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ، فَقَتَلَ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ، فَلَا تَأْكُلْ»، متفق عليه.

1349- وعن أبي ثعلبة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَغَابَ عَنْكَ، فَأَدْرَكْتَهُ فَكُلْهُ، مَا لَمْ يُنْتِنْ»، أخرجه مسلم.

1350- وعن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ الله نَهَى عَنِ الخَذْفِ، وَقَالَ: «إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا، وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ العَيْنَ»، متفق عليه، واللفظ لمسلم.

1351- وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النـبي ﷺ قال: «لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا»، رواه مسلم.

ترجمة الراوي:

عدي بن حاتم الطائي، أبو طريف، صحابي، كان رئيس طي في الجاهلية والإسلام، وكان سخيًّا جوادًا، أسلم حين كفر الناس، ووفى إذ غدروا، وأقبل إذ أدبروا، ما أقيمت الصلاة منذ أسلم إلا وهو على وضوء، قد أخذ لها أهبتها، وما جاءت إلا وهو إليها بالأشواق، توفي بالكوفة سنة (68).

التوضيح:

- وقيذ: أي موقوذ، والموقوذ: ما قتل بعصا أو حجر أو ما لا حد فيه، والموقوذة المضـروبة بخشبة حتى تموت، من وقذته: إذا ضربته.

- الـخَذْف: رمي الإنسان بحصاة أو نواة أو نحوهما، يجعلها بين أصبعيه السبابتين، أو بين السبابة والإبهام.

- ولا تنكأ عَدُوًّا: من النكاية، يقال: نكى العدو نكاية أصاب منه.

- غَرَضًا: هو في الأصل الهدف يُرمى، ثم جعل اسمًا لكل غاية يُتحرّى إدراكها.

الدلالات الفقهية:

1 - قال الصنعاني: (قوله: (فإن أدركته حيًّا فاذبحه) فيه دليل على أنه يجب عليه تذكيته إذا وجده حيًّا، ولا يحل إلا بها، وذلك اتفاق)[3].

2 - إذا أدركه وليس فيه حياة مستقرة، ففي هذه الحالة تكون إصابته بآلة الاصطياد قائمة مقام ذكاته، فيحل أكله بالشروط الآتية:

الشرط الأول: أن يكون الصائد عاقلًا مسلمًا أو كتابيًا[4].

الشرط الثاني: صلاحية الآلة للصيد، وهي نوعان:

النوع الأول: ما يرمى به الصيد من كل محدد كالرماح والسيوف والسهام وما جرى مجراها مما يجرح بحدة كرصاص البنادق المعروفة اليوم.

النوع الثاني من آلة الصيد: الجوارح وهي الكواسب من السباع والكلاب والطير؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ [المائدة: 4]، ولحديث عدي بن حاتم آنف الذكر.

3 - الجوارح نوعان:

النوع الأول: ما يصيد بنابه؛ كالكلب والفهد. والنوع الثاني: ما يصيد بمخلبه كالصقر والبازي.

ويشترط في النوعين التعليم. وهذا الشرط لا خلاف فيه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ [5].

4 - تعليم النوع الأول من الجوارح - وهو ما يصيد بنابه - يتبين بأمور:

الأمر الأول: أن يسترسل إذا أرسله صاحبه في طلب الصيد، ومعنى ذلك أنه إذا أغراه صاحبه بالصيد بصياحه به مثلًا هاج لذلك، وانبعث لطلبه.

الأمر الثاني: أن يُزجر إذا زُجر، والزجر هنا معناه الصياح بالجارح، ويكون إما لطلب وقوفه وكفه، أو يكون الزجر لإغراء الجارح بزيادة العدو في طلب الصيد، كما إذا استرسل بنفسه فتنبه له صاحبه، فزجره لذلك. وهذان الأمران متفق عليهما[6].

الأمر الثالث: أن لا يأكل من الصيد إذا أمسكه، فإن أكل منه لم يبح، وهو قول الجمهور الشافعية والحنابلة[7].

5 - وفي حديث أبي ثعلبة دلالة على تحريم أكل ما أنتن من اللحم؛ لأنه يضر الآكل، فقد صار مستخبثًا، ويقاس عليه سائر الأطعمة المنتنة[8].

6 - وفي حديث عبد الله بن مغفل تحريم ما يقتل بالخذف من الصيد؛ لأن الحصاة تقتل بثقلها لا بحدِّها.

7 - وفي الحديث النهي عن الخذف.

8- قال الصنعاني: (وأما البنادق المعروفة الآن، فإنها ترمي بالرصاص فيخرج، وقد صيرته نار البارود كالميل، فيقتل بحده لا بصدمه، فالظاهر حل ما قتله)[9]. ولكن يجب التنبه إلى التسمية عند إطلاق النار؛ لأنه إذا لم تحصل التسمية، فإنه يحرم الأكل على الراجح.

9 - وفي حديث ابن عباس النهي عن جعل الحيوان هدفًا يرمى إليه، والنهي للتحريم؛ لأنه أصله، ويؤيده قوة حديث: «لعن الله من فعل هذا»؛ لما مر ﷺ وطائر قد نصب وهم يرمونه. ووجه حكمة النهي أن فيه إيلامًا للحيوان وتضييعًا لماليته وتفويتًا لذكاته إن كان مما يذكى ولمنفعته إن كان غير مذكى[10].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1- نهى ﷺ عن الخذف؛ لأنه لا فائدة فيه، ويخاف منه المفسدة المذكورة في نصِّه، من كونه قد يكسر السن، أو يفقأ العين، ويلحق به كل ما فيه مفسدة مماثلة.

2 - قال الشيخ العثيمين رحمه الله: (الصيد لهوًا وعبثًا محرم؛ لما في ذلك من اللهو والغفلة عن ذكر الله؛ ولأن ذلك يوجب ضياع المال في غير فائدة، وقد صرح بعض العلماء بكراهته، ولكن قواعد الشريعة تقتضي تحريمه؛ لأن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال)[11].

3 - وقد أذنت الشريعة الإسلامية للناس في الانتفاع بما ينتفع به من الحيوان، ولم تأذن في غير ذلك، ولذلك منعت من صيد اللهو، وحرَّمت تعذيب الحيوان لغير أكله، وعد الفقهاء سباق الخيل رخصة للحاجة في الغزو ونحوه. ورغَّبت الشريعة في رحمة الحيوان[12].

طريقة الاستدلال:

1 - لا يحل صيد الكلب إلا إذا أرسله صاحبه فلو استرسل بنفسه لم يحل ما يصيده عند الجمهور، كما دلَّ على ذلك قوله ﷺ: «إذا أرسلت»، فمفهوم الشرط أن غير المرسل ليس كذلك[13].

2 - دلَّ على اشتراط عدم الأكل في صيد الكلب: ما جاء في حديث عدي بن حاتم «وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأكُل مِنْهُ فَكُلْهُ»، فإن مفهومه أنه إن أكل فلا تأكل بعده.

ويتأيد ذلك بأن الأصل في الذبائح التحريم، فإذا شككنا في السبب المبيح رجعنا إلى الأصل، كما يتأيد أيضًا بقوله: ﴿ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [المائدة: 4] والذي يأكل إنما أمسك لنفسه، فقد جعل الشارع أكله منه علامة على أنه أمسك لنفسه لا لصاحبه.

3 - قاعدة: (إذا اجتمع حاظر ومبيح غُلِّبَ جانب الحظر): وهذه القاعدة دلَّ عليها حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه وغيره، وذلك أن تلك اللحوم تردَّدت بين كونها مذكاة ذكاة شرعية مبيحةَ فَتَحِلُّ، وكونها غير مذكاة فلا تحل، فحُظِرَتْ تغليبًا لجانب التحريم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة