حجم الخط:

محتوى الدرس (152)

باAdobe Systemsب الأضاحي

صفات الأضحية وحكمها وزمنها:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات: 107] أي فديناه بكبش كما قال مجاهد وغيره. قال القرطبي: (فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ بِالْغَنَمِ أَفْضَلُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ). اهـ . وفي وصف الذِبح بالعظمة دليل على استسمان الأضحية.

وقال تعالى عن التسمية على الذبيحة: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [الحج:34].

[الأحاديث]

1359- عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، أَقْرَنَيْنِ، وَيُسَمِّي، وَيُكَبِّرُ، وَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِما»، وفي لفظ: «ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ»، متفق عليه، وفي لفظ: «سَمِينَيْنِ»، ولأبي عوانة في صحيحه: «ثَمِينَيْنِ» بِالـمُثَلَّثَةِ بَدَلَ السِّين، وفي لفظ لمسلم، ويقول: «بِسْمِ الله، وَالله أَكْبَرُ».

1360- وله من حديث عائشة رضي الله عنها: أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ، يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ؛ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: «يَا عَائِشةُ هَلُمِّي المُدْية»، ثُمَّ قال: «اشْحَذِيهَا بِحَجْر»، فَفْعَلَتْ ثُمَّ أَخَذَهَا، وأَخَذَهُ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِسْمِ الله، اللهمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمّةِ مُحَمَّدٍ»، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ.

1361- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا». رواه أحمد وابن ماجه، وصحَّحه الحاكم، ورجَّح الأئمة غيره وقفه. [كالترمذي فيما نقله البيهقي في الكبير (19044)، والدارقطني في العلل (5/ 205)، وغيرهما].

1362- وعن جندب بن سفيان رضي الله عنه قال: شَهِدْتُ الأَضْحَى مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فَلَمَّا قَضـى صَلَاتَهُ بِالنَّاسِ، نَظَرَ إِلَى غَنَمٍ قَدْ ذُبِحَتْ، فَقَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ شَاةً مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ الله»، متفق عليه.

1363- وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: خطبنا النبي ﷺ يوم الأضحى بعد الصلاة فقال: «من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له»، فقال أبو بردة بن نيار خال البراء: يا رسول الله؛ فإني نسكت شاتي قبل الصلاة وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، وأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي، فذبحت شاتي وتغديت قبل أن آتي الصلاة. قال: «شاتك شاة لحم»، قال: يا رسول الله فإن عندنا عناقًا لنا جذعة هي أحب إلى من شاتين أفتجزي عني؟ قال: «نعم، ولن تجزئ عن أحد بعدك»، متفق عليه واللفظ للبخاري.

ترجمة الراوي:

جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي، أبو عبد الله، له صحبة، سكن الكوفة، ثم البصـرة، وهو القائل: «كنا مع النبى ، ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيمانا»، توفي بعد (60).

التوضيح:

- الأضحية: اسم لما يذبح من الإبل والبقر والغنم يوم النحر، وأيام التشريق؛ تقربًا إلى الله تعالى.

- أَمْلَحَيْن: الأملح: هو ما فيه سواد وبياض، والبياض أكثر.

- أَقَرْنَيْن: أي: لكل منهما قرنان معتدلان حسنان.

- صِفَاحِهِمَا: جمع صَفْح، وهو الجنب، وقيل: جمع صفحة، وهو عرض الوجه.

- يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ: المعنى: أن قوائمه، وبطنه، وما حول عينيه أسود.

- هَلُمِّي الـمُدْيَة: أي هاتي السكين واشحذيها.

- النسك: الذبح.

- والنسيكة: الذبيحة.

- العناق: الأنثى من ولد المعز، لم تتم الحول.

الدلالات الفقهية:

1 - الأضحية مشـروعة بالكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر: 2]، وأما السنة: فالأحاديث الواردة في الباب، وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على مشروعية الأضحية[1].

2 - في حديث أنس دليل على مشروعية الأضحية، وذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها؛ لأنها تذبح في يوم مخصص تقربًا إلى الله عز وجل بذبحها، والصدقة مشروعة في كل وقت، ولأنه ﷺ وخلفاءه من بعده واظبوا عليها، وعدلوا عن الصدقة بثمنها، وهم لا يواظبون إلا على الأفضل، ولأن الإيثار بثمنها على ذبحها يفضي إلى ترك سنة الأضحية[2].

3 - اتفق العلماء على أن الضحايا لا تجوز بغير بهيمة الأنعام، وهي الغنم والبقر والإبل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج: 28] [3].

4 - وفيه استحباب وضع الرجل على صفحة عنق الأضحية الأيمن، واتفقوا على استحباب إضجاعها على الجانب الأيسر، فيضع رجله على الجانب الأيمن؛ ليكون أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين، وإمساك رأسها بيده اليسار[4]، فإن كان الذابح أعسـر فلا بأس أن يضجعها على الجانب الأيمن ويأخذ السكين بيده اليسرى.

5 - وفي الحديثين دليل على مشـروعية التسمية، فيقول الذابح حين يحرك يده بالذبح: (بسم الله)، والتسمية عند الذبح واجبة كما سبق بيانه.

6 - وفي الحديثين دليل على استحباب التكبير عند الذبح، واستحباب الدعاء بالقبول.

7 - وفيه دليل على استحباب أن يذبح المسلم ذبيحته بيده، وهذا مجمع عليه[5].

8- وفي حديث أبي هريرة دليل لأبي حنيفة على أن الأضحية واجبة، والجمهور ومعهم أبو يوسف، ومحمد بن الحسن يرون أنها سنة مؤكدة [6]، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: (بلغنا أن أبا بكر الصديق، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما كانا لا يضحيان؛ كراهية أن يقتدى بهما، فيظن من رآهما أنها واجبة)[7].

9 - وفي حديثي جندب والبراء دليل على أن ذبح الأضحية يبدأ بعد صلاة العيد، ولو أخرت صلاة العيد، فلا يجزئ الذبح قبلها، وهذا مذهب الحنابلة، والحنفية[8].

10 - يستمر الذبح طوال أيام التشريق الثلاثة على الراجح، وهو مذهب الشافعي وأحد القولين في مذهب أحمد، فتكون أيام الذبح أربعة، يوم العيد، وثلاثة أيام بعده، وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم[9]؛ لحديث جبير بن مطعم مرفوعًا: «وكل أيام التشـريق ذبح»، رواه أحمد، وهو حديث حسن[10].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1- الذبح -ومنه الأضاحي- عبادة من العبادات المحضة التي لا ينبغي أن تُصرف إلا لله تعالى كالصلاة، ولذا قرنها الله بالصلاة في أكثر من آية، فقال تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر: 2]، وقال: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: 162]، فكان صرفها لغير الله شركًا.

2- إن اختيار الأضحية الحسنة والطيبة هو من تعظيم شعائر الله، قال تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ ۖ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج: 32] قال ابن عباس: «تعظيمها: استسمانها واستحسانها».

3- لا ينبغي القيام بهذه الشعائر العظيمة بسرف أو مخيلة، أو اعتيادها بشكل صوري دون استشعار المعاني السامية لها، ومن هنا كان ذبح الأضحية والعقيقة أولى من التصدق بأثمانها، كما استُحب أن يذبح المضحي أضحيته بيده ليزيد استحضاره لروح العبادة واحتسابه لأجرها وشكره لمولاه الذي أحل له من بهيمة الأنعام، وهذه المعاني هي التي تحقق التقوى التي ذكرها الله في قوله: ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ [الحج:37] فليست العبرة باللحم والدم، بقدر ما هي في الصدق والإخلاص والإخبات والشكر، فهي عبادات قلبية يتفاوت فيها العباد، ولا يفقهها إلا الأقلون.

4 - في قوله تعالى: ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ إيماء إلى أن إراقة الدماء وتقطيع اللحوم ليسا مقصودين بالتعبد، ولكنهما وسيلة لنفع الناس بالهدايا؛ إذ لا ينتفع بلحومها وجلودها وأجزائها إلا بالنحر أو الذبح، وأن المقصد من شرعها انتفاع الناس المهدين وغيرهم، فأما المهدون فانتفاعهم بالأكل منها في يوم عيدهم ولو بالادخار منه، وأما غيرهم فانتفاع من ليس له أضحية بالأكل مما يهديه إليهم أقاربهم وأصحابهم، وانتفاع المحاويج بالشبع والتزود منها والانتفاع بجلودها وجلالها وقلائدها[11].

5 - واعلم أن توهُّم التقرُّب بتلطيخ دماء القرابين وانتفاع المتقرب إليه بتلك الدماء عقيدة وثنية قديمة[12].

طريقة الاستدلال:

1 - مشروعية التسمية في الحديثين جاءت حكاية لفعل النبي ﷺ، ولكنها واجبة؛ لأدلة أخرى سبق ذكرها في كتاب الأطعمة والصيد.

2 - قوله: (ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ» ثُمَّ ضَحَّى بِهِ): قال النووي: (هذا الكلام فيه تقديم وتأخير، وتقديره: فأضجعه، ثم أخذ في ذبحه قائلًا: «باسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد»، وأمته مضحيًا به. فلفظه: (ثُمَّ) هنا متأولة على ما ذكرته، بلا شك).

3 - الأضحية سنة مؤكدة غير واجبة؛ لما تقدم، ولما رواه مسلم من أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمسن من شعره وبشره شيئًا»، فالنبي ﷺ علَّق التضحية على الإرادة، فلو كانت واجبة ما علَّقها بها؛ لأن الواجب لا يعلق بالإرادة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة