ما لا كفارة فيه من الأيمان:
قال الله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ [البقرة: 225]، [المائدة: 89].
قال ابن كثير: (الْأَيْمَان اللَّاغِيَة، وَهِيَ الَّتِي لَا يَقْصِدُهَا الْحَالِفُ، بَلْ تَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ عَادَةً مِنْ غَيْرِ تَعْقِيدٍ وَلَا تَأْكِيدٍ، و- نقل ابن كثير عن ابن أبي حاتم بسنده- عَنْ عَائِشَةَ: «هُوَ الشَّـيْءُ يَحْلِفُ عَلَيْهِ أَحَدُكُمْ، لَا يُرِيدُ مِنْهُ إِلَّا الصِّدْقَ، فَيَكُونُ عَلَى غَيْرِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ»). اهـ بتصرف.
وقال الله تعالى: ﴿ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ﴾ [المائدة: 89].
قال ابن كثير: (أَيْ: بِمَا صَمَّمْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَيْمَانِ وَقَصَدْتُمُوهَا). اهـ وتدخل فيها اليمين الكاذبة.
وعقد اليمين لغة يقتضي أن لا تعليق فيها على المشيئة مع إمكان البر والحنث.
وقال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 77]، الوعيد في الآية يتناول الأيمان الكاذبة.
1377- عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ الله، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ»، رواه الخمسة، وصحَّحه ابن حبان. [أشار غير واحد من الأئمة إلى تعليله بالوقف؛ ينظر: سنن الترمذي (1351)، السنن الكبير للبيهقي (20/ 113)].
1378- وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله»، فقيل له: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فطاف بهن، فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان. قال: فقال رسول الله ﷺ: «لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركًا لحاجته»، متفق عليه.
1379- وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَا الكَبَائِرُ؟ فَذَكَرَ الْـحَدِيثَ، وَفِيهِ: «اليَمِينُ الغَمُوسُ»، قُلْتُ: وَمَا اليَمِينُ الغَمُوسُ؟ قَالَ: «الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ»، أخرجه البخاري.
1380- وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر في شيء لا يملكه»، متفق عليه.
- الحِنثُ: عدم الوفاء بموجب اليمين.
- لأطوفن: المراد بذلك المجامعة.
- دركًا لحاجته: أي سببًا لإدراكها والوصول إليها.
- الغَمُوس: أي الكاذبة التي تغمس صاحبها في الإثم.
- من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبًا: بأن قال: إن كنتُ فعلت كذا فأنا يهودي أو بريء من الدين، وكان قد فعله.
1 - لا تنعقد اليمين، ولا يترتب عليها مقتضاها -وهو فعل ما حلف على فعله أو ترك ما حلف على تركه، أو الكفارة إذا حنث- إلا بثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يكون الحالف مكلفًا، وهو البالغ العاقل، فإن صدرت اليمين من غير مكلف؛ كصبِي ومجنون ونائم لم تنعقد.
والشرط الثاني: أن يحلف مختارًا لليمين، فإن حلف مُكرهًا لم تنعقد يمينه على قول الجمهور.
والشرط الثالث: هو أن تكون اليمين منعقدة، أي تكون على أمر مستقبل[1].
2 - في حديثي ابن عمر وأبي هريرة دليل على أن اتباع اليمين بالمشيئة يرفع حكم اليمين، فلا يحنث الحالف إذا استثنى، مثل: والله لأزورنك هذا اليوم إن شاء الله، فإن لم يفعل فلا حنث عليه ولا كفارة. وفي الحديثين إشارة إلى أن الاستثناء يكون بالقول ولا تكفي فيه النية.
3 - يشترط في الاستثناء أن يكون متصلًا باليمين حقيقة أو حكمًا، فالمتصل حقيقة: هو المباشر لليمين بحيث لا يفصل بينهما فاصل، والمتصل حكما: ما فصل بينه وبين اليمين بفاصل لا يمكن دفعه، كالسُّعال والعطاس ونحوهما[2].
4 - اليمين إما أن تكون على أمر ماض، أو على أمر مستقبل، فإن كانت على أمر مستقبل ممكن فهي اليمين المنعقدة، وهي التي يمكن فيها البر والحنث، وهذا لا يلزمه شيء ابتداءً، بل ينظر في حاله، فإن بقي مُصِرًّا على يمينه؛ فهو بارٌّ بيمينه، ولا شيء عليه، وإن لم يفعل ما حلف عليه فهو حانث، وعليه الكفارة.
5- وفي حديث عبد الله بن عمرو بيان لليمين الغموس، وهي التي يحلف بها كاذبًا عالمًا بكذبه، وقيل: هي التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب، وهذا هو الأظهر، والأُولى تسمى يمينًا فاجرة، والحلف على أمر مضى يمين غير منعقدة؛ لأن شرط الانعقاد إمكان البر والحنث، وذلك في الماضي متعذر.
6- اليمين الغموس ليس فيها كفارة على الأظهر من قولي أهل العلم؛ لأنها أعظم من أن تمحو ذنبها الكفارة، وهي من الكبائر؛ للخبر، ويحب المبادرة بالتوبة النصوح بأن لا يعود إليها؛ لأن الرسول ﷺ عدَّها من الكبائر ولم يذكر كفارة [3].
7 - وفي حديث ثابت بن الضحاك دليل على أن الحلف بالكفر على فعل شيء أو تركه منكر لا يجوز، فإن حلف بالكفر قاصدًا الكفر مريدًا إياه، فهو كافر بهذا القصد، وأما إن حلف بالكفر على شيء ألا يفعله؛ منعًا لنفسه من الفعل، ونفورًا منه، ثم فعله، لم يكفر بفعله، وعليه كفارة يمين؛ قال ابن تيمية: (لو قال: هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا، أو إن فعل كذا فهو كافر ونحو ذلك؛ فإن الأئمة متفقون على أنه إذا وجد الشرط فلا يكفر بل عليه كفارة يمين عند أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه، وعند مالك والشافعي لا شيء عليه)[4].
8 - قال ابن علان: (قوله: (فهو كما قال) أي: إذا أراد التدين بذلك، والعزم على الكفر إن فعل ذلك، فيصير كافرًا حالًا؛ لأن العزم على الكفر كفر، أما إذا أراد المبالغة في منع نفسه من ذلك، وألا يفعله ألبتة من غير عزم على ذلك المحلوف به ألبتة، فمعصية يستغفر الله منها)[5].
9 - الراجح أن من حلف بذلك يلزمه كفارة يمين، قال الشيخ العثيمين: (وإذا قال الرجل: «هو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو بريء من الإسلام، أو شيوعي إن فعل كذا وكذا»، فهذا حكمه حكم اليمين؛ لأن هذه الأمور مكروهة عنده، ولهذا جعل فعل هذا الشيء وكراهته له ككراهته أن يكون يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو شيوعيًّا، أو ما أشبه ذلك، وعلى هذا؛ فيكون حكمه حكم التحريم، أي: تحريم المباح، فيلزمه كفارة يمين، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، ومذهب الحنفية، وهو مروي عن ابن عمر رضي الله عنهما وغيره من السلف)[6].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - من الأدب مع الله عزّ وجل قول: (إن شاء الله) عندما يخبر المسلم عن أمر ينوي فعله مستقبلًا؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا ٢٣ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ [الكهف: 23 - 24].
2 - يتبين من الأحاديث خطورة ظلم الناس وأخذ أموالهم بغير وجه حق، وخطورة الحلف بالله كاذبًا، وخطورة قتل النفس، كلها منكرات يتساهل فيها كثير من الناس إما لضعف الإيمان أو لقلة العلم.
1 - دلَّ على أنه يشترط في الاستثناء أن يكون متصلًا باليمين: قوله: «فَقَالَ»، بعد قوله: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ»، فالفاء تقتضي الترتيب والتعقيب.
2 - دلَّ على أن اليمين الغموس لا كفارة فيها؛ أن النبي ﷺ عدَّها من الكبائر، ولم يذكر كفارة، قال سعيد بن المسيب: هي من الكبائر، وهي أعظم من أن تُكَفَّر[7].
قال الله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 225] قال ابن كثير: (الْأَيْمَان اللَّاغِيَة، وَهِيَ الَّتِي لَا يَقْصِدُهَا الْحَالِفُ، بَلْ تَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ عَادَةً مِنْ غَيْرِ تَعْقِيدٍ وَلَا تَأْكِيدٍ تفسير، و-نقل ابن كثير عن ابن أبي حاتم بسنده- عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: «هُوَ الشّـيْءُ يَحْلِفُ عَلَيْهِ أَحَدُكُمْ، لَا يُرِيدُ مِنْهُ إِلَّا الصِّدْقَ، فَيَكُونُ عَلَى غَيْرِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ»). اهـ بتصرف.
1381- وعن عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ [البقرة:225]، قَالَتْ: «هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ: لَا وَالله، بَلَى وَالله»، أخرجه البخاري، ورواه أبو داود مرفـوعًا. [رجَّح الوقف أبو داود في السنن (3235)، والدارقطني في العلل (8/ 146)].
1382- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ ﷺ: «لَا، وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ»، رواه البخاري.
1383- وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ، فَقَالَ لِفَاعلَّه: جَزَاك الله خَيْرًا، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ». أخرجه الترمذي، وصحَّحه ابن حبان. [قال البخاري فيما نقله الترمذي في العلل الكبير (589): منكر، وقال أبو حاتم في العلل (2197): هذا حديث عندي موضوع بهذا الإسناد، وقال مرة أخرى في العلل (2570): هذا حديث منكر بهذا الإسناد].
- اللغو: السقط وما لا يعتد به من الكلام[8]. والمراد به هنا اليمين التي لا تنعقد لكونها غير مقصودة.
1 - في حديث عائشة بيان معنى لغو اليمين؛ قيل: لغو اليمين نوعان:
الأول: ما يجري على لسان المرء المؤمن من الأيمان دون قصد منه؛ كقوله: لا والله وبلى والله.
الثاني: أن يحلف على الشيء يظن صدق نفسه، فينكشف خلافه، روي ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهو أحد قولي ابن عباس رضي الله عنهما[9]، وهو المذهب عند الحنابلة[10].قال ابن المنذر: وهو قول أكثر العلماء[11].
2 - تفسير عائشة رضي الله عنها أقرب، وأما الصورة الثانية ففيها نظر، والصحيح أنها ليست بلغو؛ لأن الحالف قد قصد اليمين، لكن لا حنث فيها ولا كفارة[12]، لأن الحالف بارٌّ بيمينه؛ لأنه حلف على شيء يعتقد صدقه فيه، فيمكن أن تسمى: يمين لغوٍ؛ باعتبار عدم الكفَّارة[13].
3 - وأما حديث ابن عمر، فقوله: «لا، ومقلب القلوب»: (لا) لنفي الكلام السابق، و«مقلب القلوب» هو المقسم به، والمراد بتقليب القلوب: تقليب أحوالها، لا تقليب ذواتها. بل صرفها عن رأي إلى رأي.
4 - وفيه جواز تسمية الله بما ثبت من صفاته على وجه يليق به، قال القاضي أبو بكر بن العربي: (في الحديث جواز الحلف بأفعال الله تعالى إذا وصفه بها، ولم يذكر اسمه تعالى) [14].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- في حديث أسامة بن زيد أن من أحسن إليه إنسان بأي إحسان، فكافأه بقول: (جزاك الله خيرًا)، فقد بلغ في الثناء عليه مبلغًا عظيمًا، ولا يدل على أنه قد كافأه على إحسانه، بل دل على أنه ينبغي الثناء على المحسن. قال الصنعاني: (ولا يخفى أن ذكر الحديث هنا غير موافق لباب الأيمان والنذور، وإنما محله باب الأدب الجامع)[15].
2 - من حسن الأدب، وكمال المروءة، وطيب المقابلة: أن يكافئ الإنسان المحسن إليه على إحسانه ومعروفه، وألا يهمله ويتركه؛ فإنه من الجفاء، وبلادة الطبع.
3 - وإذا كانت مكافأة المخلوق المحسن مستحبة وجميلة، وهو ليس له من المعروف والإحسان إلا أنه سبب، وإنما المعطي هو الله تعالى، فكيف يكون وجوب شكر المنعم الأول، وصاحب النعم العظمى والهبات الكبرى، الذي لا ينقطع مدده، ولا يتوقف إحسانه؟!
فالواجب أن يكون دائم الشكر لله تعالى على إحسانه وامتنانه، قال الله تعالى: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7]، والمراد هنا كفر النعم وجحدها، بعدم أداء الشكر فيها، اعتقادًا، وقولًا، وعملًا، والله الموفق[16].
تفسير عائشة رضي الله عنها أقرب؛ لأنها شَاهَدَتِ التنزيل، وهي عارفة بلغة العرب، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ﴾ [المائدة: 89]، فهذا يدل على أن اللغو هي اليمين من غير قصد.