حكم النذر:
قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [البقرة: 270] دلَّت هذه الآية على أن النذر جائز لما فيها من إقرار الله له، ولعل كراهيته مأخوذة من الآية التالية.
قال الله تعالى: ﴿ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [المائدة: 89] قال ابن القيم: (النَّذْر دَاخِل فِي مُسَمَّى الْيَمِين فِي لُغَة مَنْ نَزَلَ الْقُرْآن بِلُغَتِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ حَقِيقَته هِيَ حَقِيقَة الْيَمِين فَإِنَّهُ عَقَدَهُ لِلَّهِ مُلْتَزِمًا لَهُ كَمَا أَنَّ الْحَالِف عَقَدَ يَمِينه بِاَللَّهِ مُلْتَزِمًا لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ)[1].
1384- عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ النَّذْرِ وَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ البَخِيلِ»، متفق عليه.
- النذر: هو التزام المكلف شيئًا ليس بلازم عليه.
- يُستخرج به من البخيل: معناه: أن البخيل لا يعطي طاعة إلا في عوض ومقابل يحصل له، فيكون النذر هو السبب الذي استخرج منه تلك الطاعة[2].
1 - النَّذر يكون مُنْجَزًا أو معلَّقًا، فالمنجَز نحو: لله عليَّ صيام ثلاثة أيام، والمعلَّق نحو: إن شفى الله مريضي؛ فلله عليَّ أتصدق بألف ريال.
2 - في الحديث دليل على أن النذر مكروه ابتداءً، قال ابن قدامة رحمه الله: (ولا يستحب؛ لحديث ابن عمر، وهذا نهي كراهة، لا نهي تحريم؛ لأنه لو كان حرامًا لما مدح الموفين به؛ لأن ذنبهم في ارتكاب المحرَّم أشد من طاعتهم في وفائه، ولأن النذر لو كان مستحبًا لفعله النبي ﷺ وأفاضل أصحابه) [3].
3 - وقد يقال: النهي محمول على من عُلِم من حاله عدم القيام بما التزمه من النذر؛ لضعف ونحوه، ويكون معنى قوله: «إِنَّهُ لا يَأْتِي بِخَيرٍ»: أن عقباه لا تُحمد؛ فإن الناذر قد لا يفي، وقد يتعذَّر الوفاء به، وقد يأتي به كارهًا مستثقلًا[4]، وهذا الجمع قال به جماعة من الشافعية[5]، وهو قول الحنفية[6].
4 - وفي الحديث ما يدل على أن ما يفعله المكلف من أعمال البر ابتداءً أفضل مما يلتزمه بالنذر.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - قدَّر الله تعالى الواجبات على العباد بقدر يسهل عليهم أداؤه، وجعل الزائد نوافل حتى لا يُثقِل على الناس العبادات. وهذا باب واسع، من تتبعه، عرف أن العبد إذا أولج نفسه فيما لم يوجبه الله عليه كان مُعَرَّضًا لعدم الوفاء، وأنه لا يفي بما ألزم به نفسه إلا القليل؛ وذلك لتقصير النفس، وتثبيط الشيطان له، وقد أشار الله تعالى إلى القليل الموفين بعهدهم فقال: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ [الأحزاب: 23][7].
2 - قال ابن العربي: (النذر شبيه بالدعاء؛ فإنه لا يرد القدر ولكنه من القدر، وقد ندب إلى الدعاء ونهي عن النذر؛ وذلك لأن الدعاء عبادة عاجلة ويظهر به التوجه إلى الله تعالى والتضـرع والخضوع، والنذر فيه تأخير العبادة إلى حين الحصول وترك العمل إلى حين الضرورة).
الأصل في النهي التحريم، ولكن صُرِف النهي عن النذر من التحريم إلى الكراهة لورود الآيات بمدح الموفين بالنذر وعدِّهم من الأبرار؛ قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ٥ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ٦ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴾ [الإنسان:٥ - ٧] ولا يتأتى المدح على ما هو معصية ابتداء، فاقتضى الجمع بين الأدلة أن نقول بأن النذر مكروهٌ ابتداءً، واجب الوفاء به مآلًا، إلا أن يكون نذرًا بمحرم أو مفوتًا لما هو أفضل منه فلا يجب الوفاء به حينئذ وفيه كفارة يمين.
قال الله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [المائدة: 89] قال ابن تيمية: (وما كان من نذر شرك أو يمين شرك فعليه أن يتوب إلى الله من عقدها؛ ليس فيها وفاء ولا كفارة إنما ذلك فيما كان لله أو بالله...وما كان محرَّما لا يجوز الوفاء به، لكن إذا لم يوف بالنذر لله فعليه كفارة يمين عند أكثر السلف وهو قول أحمد، وهو قول أبي حنيفة قيل: مطلقًا، وقيل: إذا كان في معنى اليمين)[8].
1385- عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ اليَمِينٍ»، رواه مسلم، وزاد الترمذي فيه: «إِذَا لَمْ يُسَمَّ»، وصحَّحه. [ضعَّف هذه الزيادة الألباني في الإرواء (2586)].
1386- ولأبي داود من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ»، وإسناده صحيح إلا أن الحفاظ رجَّحوا وقفه. [صوَّب الوقف أبو حاتم وأبو زرعة في العلل (1326) وغيرهما].
1 - دل حديث عقبة بن عامر على أن من نذر أي نذر من مال أو غيره؛ فكفارته كفارة يمين، ولا يجب الوفاء به، وإلى هذا ذهب جماعة من فقهاء أهل الحديث.
وذهب آخرون إلى التفصيل في المنذور به: فإن كان المنذور به فعلًا: فالفعل إن كان غير مقدور فهو غير منعقد، وإن كان مقدورًا عليه لزم الوفاء[9].
2 - ذهب الجمهور إلى أن الواجب في النذر المطلق كفارة يمين لا غير، والنذر المطلق مثل أن يقول: لله علي نذر، ولا يسمِّي شيئًا، فيلزمه كفارة يمين[10].
3 - أجمع المسلمون على صحة النذر ووجوب الوفاء به إذا كان الملتزم طاعة، فإن كان معصية أو مباحًا كدخول السوق لم ينعقد النذر، ولا كفارة عليه عند جمهور العلماء، وقال أحمد وطائفة: فيه كفارة يمين، وسيأتي الكلام على نذر المعصية.
4 - وفي حديث ابن عباس دليل على أن كفارة النذر المطلق كفارة يمين، وأما النذر بالمعصية فكفارته كفارة يمين كما صرح به الحديث، سواء فعل المعصية أم لا، وكذلك من نذر نذرًا لا يطيقه عقلًا ولا شرعًا؛ كطلوع السماء، وحجتين في عام: لا ينعقد، وتلزمه كفارة يمين[11].
5 - المشقة المعتبرة التي يسقط معها وجوب الوفاء بالنذر هي: المشقة التي يعجز معها العبد أن يقوم بفعل ما نذره، فإذا نذر المسلم نذرًا لا يطيقه ولا يحتمله، أو نذر نذرًا يطيقه لكنه عجز عن الوفاء به عجزًا كليًا، ففي هذه الحال يسقط عنه الوفاء بذلك النذر، وتلزمه كفارة اليمين[12].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - من رحمة الله بعباده وتيسيره عليهم أنه شرع لهم كفارات تخرجهم مما قد يقعون فيه من الحرج، وأسقط النذر عما يعجز عنه الناذر مقابل أن يكفر كفارة يمين.
2 - إذا تمنى العبد على الله أن يمن عليه بجلب نعمة أو دفع بليّة ونقمة، فالأولى به ألا يُلزم نفسه بنذر قد يعجز عن الوفاء به، فضلًا عن أن يأتي بنذر مستحيل الوقوع والوفاء، وإنما يبادر بالإكثار من الدعاء والابتهال والاستغفار والذكر والتلاوة والصلاة والصدقة وسائر الطاعات؛ فإنها سبب لجلب النعم ودفع النقم، وفوق هذا يعزم في نفسه أن لو حقق الله مراده أن يزداد من الطاعات شكرًا لله تعالى.
ظاهر حديث عقبة أن الإنسان مخير في جميع أنواع النذر بين الوفاء وبين كفارة اليمين، ولكنه مخصوص بنذر الطاعة؛ فيجب الوفاء به؛ لقوله ﷺ: «من نذر أن يطيع الله، فليطعه».