من أحكام النذر:
قال تعالى: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ٢٩ ذَٰلِكَ ۖ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴾ [الحج: 29، 30] في الآيات أوامر تفيد وجوب عدة أمور منها الوفاء بالنذر واجتناب الأوثان وقول الزور.
1387- للبخاري من حديث عائشة رضي الله عنها: «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ الله فَلَا يَعْصِهِ»، ولمسلم من حديث عمران: «لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ».
1388- وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ الله حَافِيَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ»، متفق عليه واللفظ لمسلم، وللخمسة: فقال: «إِنَّ الله لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا، مُرْهَا فَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ».
1389- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رضي الله عنه رَسُولَ الله ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، تُوُفِّيَتْ قَبْلِ أَنْ تَقْضِيَهُ؟ فَقَالَ: «اقْضِهِ عَنْهَا»، متفق عليه.
1390- وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَأَتَى رَسُولَ الله ﷺ فَسَألهُ: فَقَالَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ يُعْبَدُ؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟» فَقَالَ: لَا. فَقَالَ: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ الله، وَلَا فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ»، رواه أبو داود والطبراني، واللفظ له، وهو صحيح الإسناد. [صحَّحه ابن عبد الهادي في المحرر (785)، والحافظ في التلخيص الحبير (6/ 3151)]. وله شاهد من حديث كردم عند أحمد. [إسناده ضعيف].
1 - سعد بن عبادة بن دليم الخزرجي الأنصاري، كان جوادًا، ينطلق بثمانين من أهل الصفة كل ليلة ليطعمهم، مات بحوران من أرض الشام لسنتين ونصف مضتا من خلافة عمر رضي الله عنه، سنة (15).
2 - ثابت بن الضحاك بن خليفة الأنصاري، شهد بيعة الرضوان، مات في أيام ابن الزبير رضي الله عنه، سنة (64).
- وَثَنٌ يُعْبَدُ: الوثن: كل ما عبد من دون الله، من شجر، أو حجر، سواء نحت أو لم ينحت. والصنم يختص بما صنعه الآدمي.
- عيد: العيد: اسم لما يعود أو يتكرر، والعود بمعنى الرجوع، أي: هل اعتاد أهل الجاهلية أن يأتوا إلى هذا المكان ويتخذوا هذا اليوم عيدًا؟
1 - ينقسم النذر بالنسبة لحكم الوفاء به إلى ستة أقسام:
الأول: ما يجب الوفاء به، وهو نذر الطاعة، لقوله ﷺ: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»[1].
الثاني: ما يحرم الوفاء به، وهو نذر المعصية، لتتمة الحديث السابق: «ومن نذر أن يعصـي الله فلا يعصه»، وقوله: «لا وفاء لنذر في معصية الله»[2].
الثالث: ما يجري مجرى اليمين، وهو نذر المباح، فيخير بين فعله وكفارة اليمين، مثل لو نذر أن يلبس هذا الثوب، فإن شاء لبسه وإن شاء لم يلبسه، وكفر كفارة يمين.
الرابع: نذر اللجاج والغضب، وسمي بهذا الاسم؛ لأن اللجاج والغضب يحملان عليه غالبًا، وليس بلازم أن يكون هناك لجاج وغضب، وهو الذي يقصد به معنى اليمين: الحث، أو المنع، أو التصديق، أو التكذيب. مثل لو قال: حصل اليوم كذا وكذا، فقال الآخر: لم يحصل، وإن كان حاصلًا فعلي لله نذر أن أصوم سنة، فالغرض من هذا النذر التكذيب، فإذا تبين أنه حاصل، فالناذر مخير بين أن يصوم سنة، وبين أن يكفر كفارة يمين؛ لأنه إن صام فقد وفى بنذره، وإن لم يصم حنث، والحانث في اليمين يكفر كفارة يمين.
الخامس: نذر المكروه، فيكره الوفاء به، وعليه كفارة يمين.
السادس: النذر المطلق، وهو الذي ذكر فيه صيغة النذر، مثل أن يقول: لله علي نذر، فهذا كفارته كفارة يمين كما قال النبي ﷺ: «كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين»[3].
2 - في الأحاديث بيان حرمة نذر المعصية؛ كشرب خمر، وقطعية رحم، ونحو ذلك، فهذا ينعقد، لكن لا يجوز الوفاء به؛ لقوله ﷺ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلا يَعْصِهِ»، وعدم جواز الوفاء به مجمع عليه[4].
3 - إذا انعقد؛ هل تلزمه كفارة أو لا؟ قولان للعلماء:
الأول: أنّ عليه الكفارة، وهو مروي عن جماعة من الصحابة، وهو الصحيح من مذهب أحمد، واختاره الحافظ البيهقي، وابن القيم[5]. ويدل لذلك عموم حديث عقبة رضي الله عنه: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِين»، فإنه يتناول نذر المعصية؛ لأنه لم يخصَّ نذرًا دون نذر.
والجمهور على أن نذر المعصية ليس فيه كفارة، وهذا قول الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة[6]، واستدلوا بحديث عائشة: «ومَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِـيَ اللهَ فَلا يَعْصِه»، فنهى عن الوفاء بنذر المعصية، ولم يأمر الناذر بكفارة. ولو كان هنالك حكم لبينه للمرأة؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
الراجح أن عليه الكفارة في نذر المعصية؛ لما تقدم، ولأن المعنى يقتضي ذلك، فإن الناذر نذر معصية ارتكب إثمًا بمجرد نذره، فهو أحوج إلى الكفارة لمحو هذا الإثم وإزالته.
وأما الأحاديث التي لم تذكر الكفارة فليست دليلًا على عدم وجوبها؛ لأنها لم تنفِ الكفارة، والأحاديث الأخرى نطقت بما سكتت عنه هذه الأحاديث، فتكون دلالتها مقدمة[7].
4 - دلَّ حديث عقبة بن عامر على أن من نذر أن يمشي إلى بيت الله لا يلزمه الوفاء، وله أن يركب لغير عجز، وإليه ذهب الشافعي، وهو من أدلة من يوجب الكفارة في النذر بمعصية[8].
5 - ودلَّ حديث ابن عباس أنه يلحق الميت ما فُعل له من بعده؛ من عتق أو صدقة أو نحوهما، وقد تقدم ذلك في كتاب الجنائز.
6 - ذهب الجمهور إلى أنه لا يجب على الوارث أن يقضي النذر عن الميت إذا كان ماليًا ولم يخلف تركة، وكذا غير المالي، وقالت الظاهرية: يلزمه ذلك لحديث سعد[9].
7 - وفي حديث ثابت بن الضحاك دليل على أنّ تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع؛ لقوله: «أوفِ بنذرك»، وسواء كانت هذه الموانع واقعة أو متوقعة. فالواقعة: أن يكون فيها وثن أو عيد من أعياد الجاهلية. والمتوقعة: أن يخشى من الذبح في هذا المكان تعظيمه، فإذا خشي، كان ممنوعًا، مثل: لو أراد أن يذبح عند جبل، فالأصل أنه جائز، لكن لو خشي أن العوام يعتقدون أن في هذا المكان مزية، كان ممنوعًا.
8 - وفيه المنع من الوفاء به إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله؛ لقوله: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية؟»، لأن «كان» فعل ماض، والمحظور بعد زوال الوثن باقٍ، لأنه ربما يعاد.
9 - وفيه المنع منه إذا كان فيها عيد من أعيادهم، ولو بعد زواله؛ لقوله: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟».
10 - قوله: «ولا فيما لا يملك ابن آدم»: الذي لا يملكه ابن آدم يحتمل معنيين: الأول: ما لا يملك فعله شرعًا؛ كما لو قال: لله عليَّ أن أعتق عبد فلان، فلا يصح؛ لأنه لا يملك إعتاقه. الثاني: ما لا يملك فعله قدرًا كما لو قال: لله عليّ نذر أن أطير بيدي، فهذا لا يصح؛ لأنه لا يملكه، والفقهاء -رحمهم الله- يمثلون بمثل هذا للمستحيل[10].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - لا ينبغي النذر بمعصية، ولا بما يشق على النفس مما ليس فيه مصلحة ولا قُربة.
2 - مشروعية بر الوالدين، وأن من أعظم البر وفاء ما عليهما من الديون، والحقوق، والواجبات، سواء أكانت لله تعالى أو للآدميين[11].
3 - إجزاء وفاء دين النذر عن الميت من لطف الله تعالى بخلقه، وبره بهم، ليخفف عنهم أعباء الواجبات وتبعة الحقوق.
4 - وجوب الحذر من مشابهة الكفار في عباداتهم وأعيادهم، ووجوب البعد عن الأمكنة التي يقيمون فيها لهم عيدًا؛ فإن هذا يفضـي إلى تشابه عبادة المسلمين وأعيادهم بعبادة الكفار وأعيادهم، فإن كان في عقد النذر أو الوفاء به شائبة من ذلك، فإنه لا يجوز عقده، وإذا عقده حرم عليه الوفاء به؛ قال شيخ الإسلام: (وهذا يقتضي أن كون البقعة مكانًا لعيدهم مانع من الذبح بها -وإن نذر- كما أن كونها موضع أوثانهم كذلك، وإلا لما انتظم الكلام وحسن الاستفصال، ومعلوم أن ذلك إنما هو لتعظيم البقعة التي يعظمونها بالتعييد فيها، أو لمشاركتهم في التعييد فيها، أو لإحياء شعار عيدهم فيها، ونحو ذلك؛ إذ ليس إلا مكان الفعل أو الفعل نفسه أو زمانه، وإذا كان تخصيص بقعة عيدهم محذورًا، فكيف عيدهم نفسه؟)[12].
ينعقد نذر المعصية: لأن النبي ﷺ قال: «من نذر أن يعصي الله، فلا يعصه»، ولو قال: من نذر أن يعصي الله فلا نذر له، لكان لا ينعقد، ففي قوله: «فلا يعصه» دليل على أنه ينعقد لكن لا ينفذ، ودل عليه كذلك أن النهي للوفاء بالنذر، لا لكونه لم ينعقد، حيث قال: «لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ». فتلزمه الكفارة؛ لأن الرسول ﷺ ذكر في حديث آخر أن كفارته كفارة يمين، وكون الأمر لا يذكر في حديث لا يقتضي عدمه، فعدم الذكر ليس ذكرًا للعدم، نعم، لو قال الرسول ﷺ: لا كفارة، صار في الحديثين تعارض، وحينئذ نطلب الترجيح، لكن الرسول ﷺ لم ينف الكفارة، بل سكت، والسكوت لا ينافي المنطوق، فالسكوت وعدم الذكر يكون اعتمادًا على ما تقدم. وليس بلازم أن كل مسألة فيها قيد أو تخصيص يذكرها الرسول ﷺ عند كل عموم، فلو كان يلزم هذا لكانت تطول السنة، لكن الرسول ﷺ إذا ذكر حديثًا عامًّا وله ما يخصصه في مكان آخر حمل عليه، وإن لم يذكره حين تكلم بالعموم[13].
1391- عن جابر رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَوْمَ الفَتْحِ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ فَتَحَ الله عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الـمَقْدِسِ، فَقَالَ: «صَلِّ هَا هُنَا». فَسَألهُ، فَقَالَ: «صَلِّ هَا هُنَا». فَسَألهُ، فَقَالَ: «شَأْنُكَ إِذًا»، رواه أحمد وأبو داود، وصحَّحه الحاكم. [وابن دقيق العيد في الإلمام (879)، وابن عبد الهادي في المحرر (786)، وابن الملقن في البدر المنير (9/ 509)، وغيرهم].
1392- وعن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال رسول الله ﷺ: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك»، متفق عليه.
1393- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْـحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى، وَمَسْجِدِي»، متفق عليه، واللفظ للبخاري.
1394- وعن عمر رضي الله عنه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الـجاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الـمَسْجِدِ الْـحَرَامِ. قَالَ: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ»، متفق عليه، وزاد البخاري في رواية: «فَاعْتَكِفْ لَيْلَةً».
1- في حديث جابر انعقاد النذر المعلق على حصول مطلوبٍ؛ كـإنْ شفى الله مريضه، فلله عليه كذا من صدقة أو صيام أو صلاة، انعقد نذره، ووجب عليه الوفاء بما نذره إذا حصل شرطه المعلق عليه.
2 - وفيه أنَّ من نذر الصلاة في بيت المقدس، أنه يجزئ أنْ يصليها في المسجد الحرام؛ لأنَّ المسجد الحرام أفضل من الأقصى، لكن لو عيَّن الأفضل، كالمسجد الحرام، لم يجز فيما دونه، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، أمَّا أبو حنيفة: فيرى أنَّ الصلاة لا تتعيَّن في مسجد بحال، وتجزئه في أي مكان.
3 - وظاهر الحديث أن المكان لا يتعين في النذر ولو عيّن، وهو دليل الحنفية.
4 - وفيه أنَّ كثرة السؤال، والإلحاح فيه، والتنطع في الأمور، مكروه، وأنَّه يفضي صاحبه إلى إضجار المسؤول، وارتكاب الخطأ.
5 - أذن النبي ﷺ للرجل بالصلاة في مكة؛ لأنها أفضل، وإن كان ذهابه لبيت المقدس فيه نوع من المشقة والتعب، فتقصد التعب في العبادة ليس بمشروع؛ لقوله تعالى: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾ [النساء: 147][14].
6 - ومن نذر أن يتصدق بجميع ماله؛ أجزأ عنه إخراج الثلث؛ لقوله ﷺ لأبي لبابة رضي الله عنه حين قال: إِنَّ مِنْ تَوبَتِي أن أَنْخَلِع مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ: «يُجْزِئُ عنكَ الثُّلُثُ»[15]، وهذا قول المالكية والحنابلة[16]. وقيل: يجب عليه أن يتصدق بجميع ماله، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي[17]، لقوله ﷺ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَليُطِعْهُ»، واسم المال يقع على الجميع. واختار ابن القيم أنه يتصدق بجميع ماله، ويُبقي لنفسه ولمن يعول ما يغنيهم عن سؤال الناس، وهو قول ابن حزم[18]، وبعض المالكية، وهو ظاهر رواية كعب بن مالك: «أَمْسِكْ عَلَيكَ بَعْضَ مَالِكَ»[19].
7 - وأما حديث أبي سعيد الخدري، فقد تقدم في آخر باب الاعتكاف، ولعل المصنف أورده هنا للإشارة إلى أن النذر لا يتعين فيه المكان، إلا أحد الثلاثة المساجد.
8 - ذهب الجمهور إلى لزوم الوفاء بالنذر بالصلاة في أي المساجد الثلاثة، وخالفهم أبو حنيفة فقال: لا يلزم الوفاء، وله أن يصلي في أي محل شاء، وإنما يجب عنده المشي إلى المسجد الحرام إذا كان لحج أو عمرة. وأما غير الثلاثة المساجد، فذهب أكثر العلماء إلى عدم لزوم الوفاء لو نذر بالصلاة فيها إلا ندبًا[20].
9 - وأما حديث عمر رضي الله عنه فقد دلَّ على أنه يجب على الكافر الوفاء بما نذر به إذا أسلم، وإليه ذهب البخاري وابن جرير وجماعة من الشافعية لهذا الحديث، وذهب الجماهير إلى أنه لا ينعقد النذر من الكافر، وتأولوا الحديث[21]، وحمل بعضهم الأمر على الاستحباب.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - أهمية معرفة المقاصد الشرعية ومناط المصلحة، فلا ينبغي تقصُّد المشقة والتشدد فيما لم يأمر به الشارع ولا مصلحة فيه، فالرجل ألحَّ على النبي ﷺ في الذهاب إلى بيت المقدس، وهذا حرص في غير محله.
2 - في حديث كعب بن مالك دليل على أن الأفضل للمسلم ألا يتصدق بماله كله؛ ليتمكن من أداء النفقات الواجبة عليه، وأن من نذر الصدقة بماله كله فإنه يبقى منه ما يكفيه ويكفي من يعول، ويخرج الباقي.
الراجح أنه يتصدق بجل ماله، ويُبقي لنفسه ولمن يعول ما يغنيهم عن سؤال الناس؛ جمعًا بين عموم الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالنذر، وبين عدم جواز التصدق بما ينقص كفايته وكفاية أهله؛ لأن نذره في هذه الحالة لا يكون نذر طاعة، فلا يجب الوفاء به.
وهذا ظاهر رواية كعب بن مالك، وأما قصة أبي لبابة فليس فيها ما يدل على النذر، وإنما هي صدقة، وفرق بين من يلتزم إخراج ماله بالنذر، وبين من يريد أن يتصدق[22].