ما يجب وما يحرم على القاضي:
قال الله تعالى: ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ٢١ إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ ﴾ [ص:21،22].
وقال الله تعالى: ﱡ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ [ص: 26].
دلَّت الآيات على وجوب الحكم بالحق، وحذرت من الظلم واتباع الهوى، وهذا يلزم منه إيجاد كل ما يساعد لتحقيق العدل، مثل التبيُّن قبل الحكم، وترك الحكم عند وجود موانع تحول عن معرفة الحقيقة أو تشوشها؛ كالغضب وشدة الجوع.
وقال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 188] فيحرم على القاضي أخذ الرشوة لإمضاء حكم لصالح أحد المتخاصمين.
1401- عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحْكُمُ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ»، متفق عليه.
1402- وعن عليّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا تَقَاضَى إِلَيْكَ رَجُلَانِ، فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ، حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الآخَرِ، فَسَوْفَ تَدْرِي كَيْفَ تَقْضِي». قَالَ عَلِيٌّ: «فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا بَعْدُ»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسَّنه، وقواه ابن المديني، وصحَّحه ابن حبان. وله شاهد عند الحاكم من حديث ابن عباس. [الشاهد إسناده ضعيف].
1403- وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ ألْـحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ ما أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ»، متفق عليه.
1404- وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كَيْفَ تُقَدَّسُ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ مِنْ شَدِيدِهِمْ لِضَعِيفِهِمْ؟!»، رواه ابن حبَّان. [إسناده ضعيف]. وله شاهد من حديث بريدة عند البزار. [إسناده ضعيف أيضًا]. وآخر من حديث أبي سعيد عند ابن ماجه.
1 - أخرج أحمد عن علي، قال: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن قاضيًا. فقلت: تبعثني إلى قوم وأنا حدث السن ولا علم لي بالقضاء؟ فوضع يده على صدري، فقال: «ثبَّتك الله وسدَّدك...» وذكر الحديث.
2 - وأخرج البخاري عن أم سلمة عن رسول الله ﷺ: أنه سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: «إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم...» فذكره.
3 - وروى ابن ماجه بإسناده عن جابر قال: لما رجعتْ إلى رسول الله ﷺ مهاجرة البحر، قال: «ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟» قال فتية منهم: بلى يا رسول الله، بينا نحن جلوس مرت بنا عجوز من عجائز رهابينهم، تحمل على رأسها قلة من ماء، فمرت بفتى منهم، فجعل إحدى يديه بين كتفيها، ثم دفعها فخرت على ركبتيها، فانكسرت قلتها، فلما ارتفعت التفتت إليه، فقالت: سوف تعلم يا غدر إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل، بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدًا، قال: يقول رسول الله ﷺ: «صدقت صدقت، كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟!».
- إِذَا تَقَاضَى إِلَيْكَ رَجُلَانِ: أي إذا احتكم إليك خَصْمَان، وجلسا بين يديك؛ لتحكم بينهما.
- فسوف تدري كيف تقضي: أي فسوف يتضح لك من كلام المدَّعِي والمدَّعَى عليه طبيعة الدعوى، ويتبين لك كيف تحكم.
- فما زلتُ قاضيًا بعدُ: أي فما زلت أحسن القضاء بعد سماع توجيه رسول الله ﷺ، والعمل بوصيته ﷺ.
- تختصمون إليّ: أي تترافعون في قضاياكم ومنازعاتكم عندي.
- ألحن بحجته: اللحَن: الفطنة، واللحْن: الخطأ في القول، والمعنى: لعل بعضكم أفطن وأبلغ في حجته من الآخر، وفي رواية مسلم (أبلغ من بعض).
- فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا: أي أعطيته بالقضاء من مال غيره.
- قطعة من النار: يعني باعتبار ما يؤول إليه، فإنه يؤول إلى أنه يعذب بسببه.
- تُقَدَّسُ أُمَّةٌ: التقديس التطهير والتنزيه، والمعنى: كيف يمكن أن تطهُرَ أمةٌ لا تسوّي في أحكامها بين القوي والضعيف؟!
- شديدهم: قويهم وغنيهم.
1 - دل حديث أبي بكرة على المنع من القضاء حالة الغضب؛ وذلك لما يحصل للنفس بسببه من التشويش الموجب لاختلال النظر، وعدم استيفائه على الوجه المطلوب المرضي.
2 - وكما منع من الحكم حال الغضب، فكذلك وهو حاقن، أو في شدة جوع، أو عطش، أو في شدة همٍّ أو ملل أو كسل أو نعاس أو برد مؤلم، أو حر مزعج؛ لأن ذلك كله يشغل الفكر، الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب[1].
3 - وحديث عليٍّ رضي الله عنه دليل على أنه يجب على الحاكم أن يسمع دعوى المدَّعِي أولًا، ثم يسمع جواب المجيب، ولا يجوز له أن يبني الحكم على سماع دعوى المدَّعِي قبل جواب المجيب، فإن حكم قبل سماع الإجابة عمدًا بطل قضاؤه وكان قدحًا في عدالته[2].
4 - وفيه أن الحاكم يحكم على نحو ما يسمع من الخصمين من قوة الحجة وبيان البرهان، فإذا اجتهد فأخطأ فلا إثم عليه.
5- وفيه دلالة على أنه لا يحكم على الغائب لعدم سماعه لكلام الخصم، وهو الأصل.
6 - وفيه أن حكم الحاكم لا يحيل ما في الباطن، ولا يحل حرامًا، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجماهير علماء الإسلام وفقهاء الأمصار من الصحابة والتابعين فمن بعدهم[3]، فإذا حكم له الحاكم مثلًا بالزوجة التي يعلم أنها ليست له زوجة فلا تحل له، أو حكم له بالمال الذي يعلم أنه لايستحقه فلا يحل له، وهكذا[4].
7- وفي حديث جابر وجوب العدل على القضاة والولاة، وألا ينحرفوا عنه لأمر تميل إليه النفوس وشهوات القلب من أجل غنىً أو قرابة، بل يستوي عنده الغني والفقير، والدنيء والشريف، والقريب والبعيد.
8- وفيه دلالة على وجوب إنكار المنكر، ونصرة الضعيف لأخذ الحق له.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - خطورة الغضب وما يسببه من أثر على العقل، وما ينتج عن ذلك من المفاسد والمظالم، ولذا كانت الوصية النبوية المكررة: «لا تغضب».
2 - وفي الأحاديث أن الإسلام قد سبق النظم الحديثة المنظمة للقضاء بإرساء مبدأ حق الدفاع وسائر مبادئه العادلة، وبيان طريق الحكم وصفته وآدابه.
3 - وحديث أم سلمة فيه دليل على إجراء الأحكام على الظاهر، وإعلام الناس بأن النبي ﷺ في ذلك كغيره، وإن كان يفترق مع الغير في اطلاعه على ما يُطلعه الله U عليه من الغيوب الباطنة، وذلك في أمور مخصوصة، لا في الأحكام العامة[5].
4 - وفيه تسلية وعزاء للحكام؛ فإنه إذا كان النبي ﷺ قد يظن غير الصواب لقوة حجة الخصم فيحكم له، فإن غيره من باب أولى وأحرى.
5 - وفي الحديث دليل على عظم إثم من خاصم في باطل حتى لو استحقه في الظاهر، حتى أنه ﷺ قال: «فإنما أقطع له قطعة من النار» فهو تمثيل يفيد شدة التعذيب على من تعاطى ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ﴾ [النساء: 10].
6 - وحديث جابر فيه أنه لا تتطهر أمة من الذنوب، وهو لا ينتصف لضعيفها من قويها فيما يلزمه من الحق له؛ فإنه يجب نصر الضعيف حتى يأخذ حقه من القوي[6].
1 - ظاهر حديث أم سلمة أنه ﷺ يُقَرُ على الخطأ، وقد اتفق الأصوليون على أنه ﷺ لا يُقَرُّ على خطأ في الأحكام، فكيف التوفيق بين هذا الإجماع وهذا الحديث؟
والجواب كما قال النووي: (أنه لا تعارض؛ لأن مراد الأصوليين فيما حكم فيه باجتهاده، وأما الذي في حديث أم سلمة فمعناه: إذا حكم بغير اجتهاد كالبينة واليمين، فهذا إذا وقع منه ما يخالف ظاهره باطنه لا يسمى الحكم خطأ، بل الحكم صحيح بناء على ما استقر به التكليف، وهو وجوب العمل بالشاهدين مثلًا، فإن كانا شاهدي زورٍ أو نحو ذلك؛ فالتقصير منهما، بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد)[7].
2 - حديث أبي بكرة وارد في المنع من القضاء حالة الغضب؛ لما يحصل للنفس بسببه من التشويش الذي قد يؤدي لاختلال الحكم، وقاس عليه الفقهاء كل ما يحصل منه تشويش للفكر كالجوع والعطش وغيره، وهو قياس مظنة على مظنة، فإن كل واحد من الجوع والعطش مشوش للفكر[8]؛ قال في الحاشية: (ولا يستريب عاقل أن من قصر النهي على الغضب وحده، دون الهم المزعج، والخوف المقلق، والجوع، والظمأ الشديد، وشغل القلب المانع من الفهم؛ فقد قل فقهه وفهمه، وكأن الغضب إنما خصَّ لشدة استيلائه على النفس وصعوبة مقاومته)[9].
قال الله تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ [النساء: 34].
وقال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ﴾
[النساء:35] وقال الله تعالى: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ ﴾ [آل عمران:36].
1405- عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النّبيّ ﷺ قال: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً»، رواه البخاريّ.
أنه لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس ملَّكوا عليهم بنت كسرى قال: «لن يفلح قومٌ...».
1 - الحديث فيه دليل على عدم جواز تولية المرأة شيئًا من الأحكام العامة بين المسلمين وهذا مذهب الجمهور، وذهب الحنفية إلى جواز توليتها القضاء في غير الحدود والقصاص، وهو قول ابن حزم[10].
2 - وفي الحديث إخبار عن عدم فلاح أولئك الذين ولي أمرهم امرأة، وهم منهيون عن ذلك.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - فضّل الله الرجال على النساء في أصل الخلقة، وأعطاهم ما لم يُعطهنّ من الحول والقوة، فكان التفاوت في التكاليف والأحكام ناتجًا عن التفاوت في الفطرة والاستعداد ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ ﴾ [آل عمران:36]، فكان في تولية المرأة ما لا يليق بها -كالولايات العامة- مشقة وتكليف لها ما لا تطيقه، وليس ذلك من باب التحقير أو الإهانة لها، بل هو مراعاة لفطرتها، وما جُبلت عليه من الرقة والضعف وغلبة العاطفة. وعليه فالمرأة لا تصلح للولاية من ناحية خلقتها النفسية، فقد أعطيت من الرقة والعطف والرأفة ما أضعف فيها الحزم والصرامة اللازمين للولاية، وفي اشتغالها بالولاية إخلال بوظيفتها الطبيعية الاجتماعية التي لا يقوم مقامها فيها سواها، وهي القيام على مملكة البيت، وتدبير شؤونه، وحفظ النسل، بالاعتناء بالحمل والولادة وتربية الأولاد.قال ابن العربي: المرأة لا يتأتى منها أن تبرز إلى المجالس، ولا تخالط الرجال، ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير، لأنها إن كانت فتاة حرم النظر إليها وكلامها، وإن كانت متجالَّة برزة لم يجمعها والرجال مجلس تزدحم فيه معهم، وتكون مناظرة لهم، ولم يفلح قط من تصور هذا، ولا من اعتقده.
2- ولا يعترض بتولي بعض النساء الملك في الواقع، وازدهار ملك قومها في عهدها، على ندرته، لأن الفلاح المنفي هو الفلاح في لسان الشرع، وهو تحصيل خير الدنيا والآخرة، ولا يلزم من ازدهار الملك أن يكون القوم في مرضاة الله، ومن لم يكن في طاعة الله فليس من المفلحين، ولو كان في أحسن حال فيما يبدو من أمر دنياه، على أن أكثر من ولوا أمرهم امرأة من الأمم إذا قابلهم مثلهم، كانت عاقبتهم أن يغلبوا [11] .
التعبير بعدم الفلاح يدل على تحريم الأمر المسبب له وهو تولية المرأة.
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ٤ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحجرات:4: 5] قال القرطبي: (أَيْ لَوِ انتظروا خروجك لكان أصلح لهم فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. وَكَانَ ﷺ لَا يَحْتَجِبُ عَنِ النَّاسِ إِلَّا فِي أوقات يشتغل فيها بِمُهِمَّاتِ نَفْسِهِ، فَكَانَ إِزْعَاجُهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ سُوءِ الْأَدَبِ).
وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا ﴾ [النساء: 58]. هذه الآية تدل على أن المقصود الأساس هو قضاء حوائج الناس، فقد لا يحتجب القاضي عنهم ولكنه لا يقضـي حوائجهم، فليس النهي عن الاحتجاب مقصودًا لذاته، بل لما يؤدي إليه من تعطيل حوائج الناس ومصالحهم.
1406- عن أبي مريم الأزديّ رضي الله عنه عن النّبيّ ﷺ قال: «مَنْ وَلَّاهُ الله شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْـمُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ عَنْ حَاجَتِهِمْ وَفَقِيرِهِم، احْتَجَبَ الله دُونَ حَاجَتِهِ»، أخرجه أبوداود والترمذي. [صحَّحه الحاكم في المستدرك (7222)، والألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2208)].
أبو مريم الأزدي، ويقال: الأسدي هو: عمرو بن مرة الجهني، صحابي، كان إسلامه قديمًا، وشهد مع رسول الله ﷺ أكثر المشاهد، ومات في خلافة معاوية في الشام.
حُرمة الاحتجاب عن حاجات المسلمين لمن ولَّاه الله شيئًا من أمورهم، بل يجب عليه أن يتصدر لتصريف ما ولي من أمورهم وقضاء حاجاتهم، ولا يشق عليهم بمماطلة أو تأجيل؛ لما يسببه ذلك من فوات مصالحهم وتعطلها.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - في الحديث الوعيد الشديد لمن ولي من أمر المسلمين شيئًا، وحال دون وصول ذوي الحاجة إليه، وإذا كان لا يتمكن لكثرة أشغاله ولعدم تمكنه من أن يكون مع الناس دائمًا وأبدًا، فإنه ينيب عنه من يثق به في قضاء مصالح الناس ورعاية مصالحهم.
2 - وإلا فإن الله تعالى يجازيه بأن يكون معه كذلك، فيحتجب دون خلته وحاجته وفقره، فالجزاء من جنس العمل، فكما أنه يعامل الناس هذه المعاملة، فالله تعالى يعاقبه بهذه العقوبة.
في قوله ﷺ: «مَنْ وَلَّاهُ الله شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْـمُسْلِمِينَ»: كلمة (شيئًا) نكرة في سياق الشـرط، فتعم كل ولاية على المسلمين مهما صغرت، فيجب على من ولي أمرًا من أمور عباد الله ألا يحتجب عنهم؛ ليصل إليه ذو الحاجة المتعلقة بتلك الولاية.
قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 188].
قال ابن عاشور: (وخص هذه الصورة بالنهي بعد ذكر ما يشملها وهو أكل الأموال بالباطل لأن هذه شديدة الشناعة جامعة لمحرمات كثيرة، وللدلالة على أن معطي الرشوة آثم مع أنه لم يأكل مالًا بل آكل غيره، وجوز أن تكون الواو للمعية و(تُدْلُوا) منصوبًا بأن مضمرة بعدها في جواب النهي فيكون النهي عن مجموع الأمرين أي لا تأكلوها بينكم مدلين بها إلى الحكام لتأكلوا وهو يفضي إلى أن المنهي عنه في هذه الآية هو الرشوة خاصة فيكون المراد الاعتناء بالنهي عن هذا النوع من أكل الأموال بالباطل).
1407- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ الرَّاشِيَ وَالْـمُرْتَشِيَ فِي الْـحُكْمِ»، رواه أحمد والترمذي وحسَّنه، وصحَّحه ابن حبان. وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو، عند الأربعة إلا النسائي.
- الراشي: دافع الرشوة.
- المرتشي: آخذ الرشوة.
1 - الحديث دليل على تحريم الرشوة وأنها من الكبائر، وهي حرام بالإجماع؛ سواء كانت للقاضي أو للعامل على الصدقة أو لغيرهما.
2 - فإذا كانت الرشوة حرامًا مطلقًا لا يجوز قبولها، فإنها في باب القضاء والحكم أشد تحريمًا؛ لما يترتب عليها من تضييع الحقوق على أهلها، وتغيير حكم الله تعالى؛ لأن المرتشـي سيحكم بما يرضي الراشي، وهذا فيه تعطيل للأحكام الشرعية، والمحاباة فيها.
3- ذكر العلماء أن حاصل ما يأخذه القضاة من الأموال: رشوة وهدية وأجرة ورزق:
فالأول: وهو الرشوة: إن كانت ليحكم له الحاكم بغير حق، فهي حرام على الآخذ والمعطي، وإن كانت ليحكم له بالحق على غريمه، فهي حرام على الحاكم دون المعطي؛ لأنها لاستيفاء حقه.
وأما الهدية: فإن كانت ممن يهاديه قبل الولاية، فلا تحرم استدامتها -لمن كان بينه وبينه صداقة وصحبة فهو يهديه دائمًا- وإن كان لا يهدي إليه إلا بعد الولاية، وكانت ممن بينه وبين غريمه خصومة عنده؛ فهي حرام على الحاكم والمهدي.
وأما الأجرة: فإن كان للحاكم جراية من بيت المال ورزق؛ حرمت بالاتفاق؛ لأنه إنما أجري له الرزق لأجل الاشتغال بالحكم، فلا وجه للأجرة -من المتخاصمين- وإن كان لا جراية له من بيت المال؛ جاز له أخذ الأجرة على قدر ما يستحق[12].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
ينبغي للمسلم أن يتحلى بأسمى المبادئ؛ كالصدق والإخلاص، والعدل والإنصاف، فمن تحقق الإيمان في قلبه ورسخ الصدق في نفسه كان أبعد الناس عن أخذ الرشوة وتعاطي المال الحرام، وكل ما يوقعه في ظلم للناس، ووأد الحق، فإن ذلك يعرّض صاحبه لسخط الله ولعنته.
قوله في الحديث (لعن رسول الله الراشي ... في الحكم): تنصيص على بعض أفراد العام، وهو لا يقتضي تخصيص حرمة الرشوة في ذلك، بل تحريمها عام في الحكم وغيره، لكن تخصيصها بالحكم أعظم؛ لأن فيه تبديلًا لحكم الشرع بخلاف غيره.
المساواة بين الخصمين في مجلس القضاء:
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90] ومن العدل المساواة بين الخصمين في مجلس القضاء.
1408- عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: «قَضَـى رَسُولُ الله ﷺ أَنَّ الخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْـحَاكِمِ»، رواه أبو داود، وصحَّحه الحاكم. [ضعَّفه عبد الحق في الأحكام الوسطى (3/ 344)، والمنذري في مختصر سنن أبي داود (3588)].
1 - الحديث دليل على مشروعية قعود الخصمين بين يدي الحاكم، وأنه يسوي بينهما في المجلس.
2 - قال الفقهاء: ويجب أن يعدل بين الخصمين في لحظه، ولفظه، ومجلسه، ودخولهما عليه. ويحرم أن يُسارَّ أحدهما، أو يلقنه حجته، أو يضيفه، أو يعلمه كيف يدَّعِي، إلا أن يترك ما يلزمه ذكره في الدعوى؛ كشرط، أو عقد، وسبب إرث، ونحوه، فله أن يسأل عنه ضرورة لتحرير الدعوى، ولأن أكثر الخصوم لا يعلم ذلك، وليتضح للقاضي وجه الحكم[13].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
من مقاصد الشريعة ومحاسن الدين الإسلامي أنه دين الرحمة والعدل والمساواة، فلا فرق بين صغير أو كبير، أو غني أو فقير، أمام شرع الله تعالى، حتى في أبسط مظاهر الحكم والقضاء، وبهذا يسود العدل وتتحقق الطمأنينة والأمان في المجتمعات، ولا يخشى الضعيف من صولة القوي؛ لأنه في ظل دين يحميه ويرد مظلمته كائنًا ما كان خصمه.
باب ال
شهادات
الحالات التي تشرع عندها الشهادة:
قال الله تعالى: ﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ﴾ [البقرة: 282] قال القرطبي: (لما قال الله تَعَالَى: ﱡ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ﴾ دَلَّ عَلَى أَنَّ فِي الشُّهُودِ مَنْ لَا يُرْضَى، فَيَجِيءُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ لَيْسُوا مَحْمُولِينَ عَلَى الْعَدَالَةِ حَتَّى تَثْبُتَ لَهُمْ، وَذَلِكَ مَعْنًى زَائِدٌ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ). وقال ابن كثير: (وَقَدِ اسْتَدَلَّ مَنْ رَدَّ الْمَسْتُورَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ عَدْلًا مُرْضِيًا).
وقال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 140]. تفيد الآية بدلالة العموم أن من أعظم الظلم كتم الشهادة، سواء يعلم بها صاحب الحق الذي تنفعه الشهادة أو لا يعلم بها، ويلزم من هذه الدلالة أن من أعظم العدل الذي يثاب عليه صاحبه الإتيان بالشهادة على وجهها عند الدعوة إليها أو الحاجة لها.
وقال الله تعالى: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴾ [الحج: 30].
قال ابن كثير: (وَقَرَنَ الشِّرْكَ بِاللهِ بِقَوْلِ الزُّورِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 33]، وَمِنْهُ شَهَادَةُ الزُّورِ).
1409- عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ألا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْألهَا»، رواه مسلم.
1410- وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِم السِّمَنُ»، متفق عليه.
1411- وعن ابن عباس رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: «تَرَى الشَّمْسَ»؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ، أَوْ دَعْ»، أخرجه ابن عدي بإسناد ضعيف، وصحَّحه الحاكم فأخطأ. [ينظر: الكامل لابن عدي (9/ 252)].
- القرن: أهل زمان واحد متقارب والراجح أنه مائة عام.
- خير القرون قرني: المراد به المسلمون في عصره، وجلهم من الصحابة.
- ثم الذين يلونهم: وهم التابعون، والذين يلون التابعين: أتباع التابعين.
1 - الشهادة هي إحدى وسائل الإثبات التي تقام بها الحقوق أمام القضاء، ويفصل بها بين المتخاصمين، وأداؤها فرض عين على من تحملها متى دُعِي إليها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ [البقرة: 283].
2 - حديث زيد بن خالد محمول على من عنده شهادة لإنسان بحق، ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد فيأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له. وفيه استحباب المبادرة بأداء الشهادة إذا كان الشاهد يعلم أن الحق يضيع إن تركت الشهادة.
3 - وحديث ابن عباس دليل على أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا على ما يعلمه علمًا يقينًا، كما تعلم الشمس بالمشاهدة، ولا تجوز الشهادة بالظن، فإن كانت الشهادة على فعل فلا بد من رؤيته، وإن كانت على صوت فلا بد من سماع ذلك الصوت ورؤية المصوِّت.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - الشهادة الصادقة من أهم وسائل إقامة العدل بين الناس.
2 - حرص الإسلام على حماية حقوق الناس وصيانتها.
3 - فضل القرون الثلاثة الأولى، والصحابة أفضل الأمة؛ لقربهم من نور النبوة وسبقهم إلى الجهاد ونشر الإسلام. ثم التابعون أفضل من الذين بعدهم، وتابعو التابعين أفضل ممن بعدهم.
4 - ذم التنعُّم في الدنيا من الإقبال على الشهوات والعناية بالمطاعم والمشارب؛ فإن ذلك من أسباب السِمَنْ، والسمن مذموم وأصبح من أمراض العصـر التي يعاني منها الناس، ويبذلون الكثير من الأموال للتخلص منه[14].
1 - حديث زيد بن خالد الجهني فيه أن النبي ﷺ أثنى على الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها، إلا أنه يعارضه الحديث الثاني وهو حديث عمران، وفيه: «ثم يكون قوم يشهدون ولا يستشهدون» في سياق الذم لهم، ولما تعارضا اختلف العلماء في الجمع بينهما على ثلاثة أوجه؛ أقواها: أن المراد بحديث زيد إذا كان عند الشاهد شهادة بحق لا يعلم بها صاحب الحق، فيأتي إليه فيخبره بها، أو يموت صاحبها فيخلف ورثة، فيأتي إليهم فيخبرهم بأن عنده لهم شهادة، قال ابن حجر: (وهذا أحسن الأجوبة وهو جواب يحيى بن سعيد شيخ مالك ومالك وغيرهما)[15].
2 - حديث ابن عباس: «على مثلها فاشهد أو دع» وإن كان ضعيفًا، لكن معناه صحيح؛ لأنه يدل على أن الشاهد لا بد أن يشهد عن علم، وهذا أمر ضروي في الشهادة، ودلت عليه العمومات، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36].