من لا تقبل شهادته:
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 6].
قال ابن كثير:( يَأْمُرُ تَعَالَى بِالتَّثَبُّتِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ ليُحتَاطَ لَهُ، لِئَلَّا يُحْكَمَ بِقَوْلِهِ فَيَكُونَ -فِي نَفْسِ الْأَمْرِ-كَاذِبًا أَوْ مُخْطِئًا، فَيَكُونَ الْحَاكِمُ بِقَوْلِهِ قَدِ اقْتَفَى وَرَاءَهُ، وَقَدْ نَهَى الله عَنِ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُفْسِدِينَ).
قال الله تعالى: ﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ﴾ [البقرة: 282]، دلَّ اشتراط الرضا في الشهود على عدم قبول شهادة من فيه مظنة المحاباة؛ كشهادة القريب لصالح قريبه، أو من فيه مظنة العداوة كشهادة المتخاصمين بعضهم على بعض؛ لأن ذلك مظنة عدم أداء الشهادة على وجهها. والله أعلم.
قال القرطبي: (وَالْعُمُومَاتُ فِي الْقُرْآنِ الدَّالَّةُ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الْعُدُولِ تُسَوِّي بَيْنَ الْبَدَوِيِّ وَالْقَرَوِيِّ، قَالَ الله تَعَالَى: ﱡ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ﴾ ). اهـ. هذا هو الأصل وقد يستثنى منه عند قيام المعارض الأقوى، والله أعلم.
1412- عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ القَانِعِ لِأَهْلِ البَيْتِ»، رواه أحمد وأبو داود. [قوَّاه ابن حجر في التلخيص الحبير (6/ 3216)].
1413- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ قال: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ»، رواه أبو داود وابن ماجه. [أعلَّه البيهقي في معرفة السنن (14/ 344)، وقال الذهبي فيما نقله المناوي في فيض القدير (6/ 391): هو حديث منكر على نظافة إسناده].
- ولا ذي غمر: فسره أبو داود بالحِنَة، وهي الحقد والشحناء.
- ولا تجوز شهادة القانع: القانع هو الخادم لأهل البيت، والمنقطع إليهم للخدمة وقضاء الحوائج، وهو الذي ينفق عليه أهل البيت.
- البدوي: من سكن البادية.
- صاحب قرية: هو الحضري الذي يسكن القرى والمدن، والقرية لفظ يُطلق على كل مكان اتصلت به الأبنية، واتُّخذَ قرارًا، وتقع على المدن وغيرها.
1 - حديث عبد الله بن عمرو دليلٌ على أن شهادة الخائن لا تقبل، والخائن هو من يخون ما ائتمنه الناس عليه من الأموال والودائع والأمانات. قال القاضي: ويحتمل أن يكون المراد به الأعم منه، وهو الذي يخون فيما اؤتمن عليه، سواء ما ائتمنه الله عليه من أحكام الدين أو الناس من الأموال، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 27]، فيكون المراد بالخائن الفاسق، وهو من فعل كبيرة أو أصر على الصغائر.
2 - ولا تقبل شهادة ذو الغمر صاحب الحقد والشحناء؛ فإن ذا الحقد مظنة عدم صدق خبره؛ لمحبته إنزال الضرر بمن يحقد عليه.
3 - إنما منع من شهادة الخادم لمن هو قانع لهم؛ لأنه مظنة تهمة، إذ هو يحب دفع الضـر عنهم وجلب الخير إليهم.
4 - واستدل الأئمة الأربعة بهذا الحديث على أن شهادة الوالد لولده -وإن نزل- لا تقبل، وشهادة الولد لوالده -وإن علا- لا تقبل[1]، وعلَّلو ذلك بمظنة التهمة؛ لقوة القرابة بينهما التي قد تدعو الشاهد إلى أن يشهد بما يخالف الواقع.
5 - ومنع هؤلاء جميعًا من الشهادة: دليل على اعتبار العدالة في الشاهد، وعليه دلَّ قوله تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ [الطلاق: 2]، والعدل: هو المرضي الذي تسكن النفس إلى خبره ويرضى به القلب، ولا يُضطَرب من خبره ويرتاب منه[2].
6 - وحديث أبي هريرة فيه دليل على عدم صحة شهادة البدوي على صاحب القرية، وأنها على بدوي مثله تصح، وإلى هذا ذهب أحمد في رواية[3]. وإليه ذهب مالك[4]. وذهب الأكثرون إلى قبول شهادتهم، وهذا قول جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة في المشهور[5]، وحملوا الحديث على من لا تعرف عدالته من أهل البادية؛ إذ الأغلب أن عدالتهم غير معروفة[6]. فالراجح: قبول شهادة من عرف بالعدالة منهم على أنفسهم وعلى الحاضرة، وهذا هو الأصل ما دام أنه لم يوجد مانع من موانع الشهادة، والله أعلم[7].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - علَّة الخيانة متعدية من الخيانة في حقوق الناس إلى الخائن المضيّع لحقوق الله تعالى، فمن كان كذلك في حقوق الله لا تقبل شهادته، قال أبو عبيدة: (لا نراه خصَّ به الخيانة في أمانات الناس دون ما افترض الله على عباده وائتمنهم عليه، فإنه قد سمََّّى ذلك أمانة؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 27]، فمن ضيَّع شيئًا مما أمر الله تعالى به أو نهى عنه، فلا ينبغي أن يكون عدلًا)[8].
2 - وعلة عدم قبول شهادة الخائن: أنه ليس له تقوى ترده عن ارتكاب محظورات الدين التى منها الكذب، فلا يحصل الظن بخبره؛ لأنه مظنة تهمة.
1 - العلة ظاهرة في حديث عبد الله بن عمرو، وهي مظنة التهمة، فالخائن والحاقد مظنة عدم إيقاع الشهادة على وجهها، وكذلك الخادم لأهل البيت.
2 - قوله ﷺ: «ولا ذي غمر على أخيه»: أي: أخيه المسلم المشهود عليه، وهو محمول على التغليب، ولهذا فالكافر مثله؛ لا يجوز أن يشهد ذو حقد عليه إذا كانت العداوة بسبب غير الدين.
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ ١٠٦ فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ١٠٧ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [المائدة:106-108].
قال ابن سعدي: (وحاصل هذا أن الميت -إذا حضره الموت في سفر ونحوه، مما هو مظنة قلة الشهود المعتبرين- أنه ينبغي أن يوصي شاهدين مسلمين عدلين، فإن لم يجد إلا شاهدين كافرين، جاز أن يوصي إليهما، ولكن لأجل كفرهما فإن الأولياء إذا ارتابوا بهما فإنهم يحلفونهما بعد الصلاة، أنهما ما خانا، ولا كذبا، ولا غيَّرا، ولا بدَّلا، فيبرآن بذلك من حق يتوجه إليهما، فإن لم يصدقوهما ووجدوا قرينة تدل على كذب الشاهدين، فإن شاء أولياء الميت فليقم منهم اثنان، فيقسمان بالله: لشهادتهما أحق من شهادة الشاهدين الأولين، وأنهما خانا وكذبا، فيستحقون منهما ما يدَّعون). اهـ
وفي الآيات القضاء بالأيمان مع الشهادة، وقال ابن فارس في مقاييس اللغة: (شهد) الشين والهاء والدال أصل يدل على حضور وعلم وإعلام، لا يخرج شيء من فروعه عن الذي ذكرناه.
1414- عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: «إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ وَإِنَّ الوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمْ الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ»، رواه البخاري.
1415- وعن أبي بكرة رضي الله عنه: «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ عَدَّ شَهَادَةَ الزُّورِ فِي أَكْبَرِ الكَبَائِرِ»، متفق عليه في حديث طويل.
1416- وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ»، أخرجه مسلم وأبو داود، والنسائي وقال: إسناده جيد. وعن أبي هريرة مثله، أخرجه أبو داود والترمذي، وصحَّحه ابن حبان.
- كانوا يؤخذون بالوحي: أي كان يُعرف صادقهم من كاذبهم بواسطة إعلام الله تعالى رسوله ﷺ بواسطة الوحي.
- شهادة الزور: هي تعمُّد الكذب في الشهادة، وأصل الزور: تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق.
1- استدلَّ العلماء بكلام عمر على قبول شهادة من لم يظهر منه ريبة؛ نظرًا إلى ظاهر الحال، وأنه يكفي في التعديل ما يظهر من حال الشاهد من الاستقامة من غير كشف عن حقيقة سريرته؛ لأن ذلك متعذر إلا بالوحي وقد انقطع[9].
2- لا يقبل المجهول، لعدم معرفة عدالته، ويدل له ما ذكره ابن كثير في الإرشاد: أنه شهد عند عمر رجل، فقال له عمر: «لست أعرفك، ولا يضـرك أن لا أعرفك، ائت بمن يعرفك»، قال ابن كثير: رواه البغوي بإسناد حسن[10].
3- وفي حديث أبي بكرة تحريم شهادة الزور، وأنها من أكبر الكبائر، ولا خلاف بين المسلمين في ذلك.
4- ودلَّ حديث ابن عباس على أنه يثبت القضاء بشاهد ويمين، إن لم يتيسر شاهدان اثنان، وإليه ذهب جماهير من الصحابة والتابعين وغيرهم، وهو مذهب جمهور الفقهاء منهم الأئمة الثلاثة؛ مالك والشافعي وأحمد[11]. وإنما يثبت عندهم القضاء بشاهد واحد ويمين صاحب الحق إذا كانت الشهادة على ما هو مال أو بمعنى المال؛ كالبيع، والإقالة، والحوالة، والضمان، والحقوق المالية، كالخيار، والأجل، وغير ذلك[12].
5- ذهب زيد بن علي وأبو حنيفة وأصحابه إلى عدم الحكم باليمين والشاهد[13]، مستدلِّين بقوله تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ [الطلاق : 2] وقوله: ﴿ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ﴾ [البقرة : 282] قالوا: وهذا يقتضـي الحصـر، فلا يكون بغير ذلك، والصواب ما ذهب إليه الجمهور عملًا بقضائه ﷺ بالشاهد واليمين كما في الحديث.
6- يستثنى من جواز الحكم بالشاهد واليمين على القول به: الحد والقصاص؛ للإجماع على أنهما لا يثبتان بذلك[14]، وكذلك النكاح وحدوده لا تثبت بشاهد ويمين[15].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - الواجب هو الحكم على الناس بحسب ما ظهر منهم، وعدم التألِّي عليهم وإطلاق الظنون فيهم، أو إصدار الأحكام جزافًا بمحض التخرُّص دون أن يظهر منهم ما يُدانون به؛ فالبواطن والخفايا مردّها إلى الله، ولا أحد يملك الفصل فيها.
2 - إنما اهتم ﷺ بإخبارهم عن شهادة الزور وجلس، وأتى بحرف التنبيه، وكرر الإخبار؛ لكون قول الزور، وشهادة الزور أسهل على اللسان، والتهاون بها أكثر، ولأن الدوافع إليها كثيرة من العداوة والحسد وغيرها، فاحتيج إلى الاهتمام بشأنها، فهي سبب لتضليل الحكام، ولإضاعة الحقوق، وحرمان صاحب الحق من حقه، ويظلم بها البريء.
أثر عمر رضي الله عنه ليس مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وليس له حكم الرفع، لكن كأن المصنف - الحافظ ابن حجر- أورده لأن عمر خطب به، وأقرَّه من سمعه من الصحابة، فكان إجماعًا سكوتيًا، فيقوى الاحتجاج به، كما أنه يعد سنة أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا الرسول ﷺ بالعض عليها بالنواجذ.