باب الزه
د والورع
قال الله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 7].
وقال الله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الحج: 11].
وقال الله تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنعام: 32].
1475- عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ -وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ-: «إِنَّ الحَلَالَ بَيِّنٌ، وَالحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، ألا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألا وَإِنَّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ، الا وَإِنَّ فِي الجسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجسَدُ كُلُّهُ، ألا وَهِيَ القَلْبُ»، متفق عليه.
- حِمَى: أي: منطقة كان يحميها عن غيره، ويتوعَّد من اقترب منها بالعقوبة.
- ألا وَإِنَّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ: أي المعاصي التي حرَّمها الله تعالى.
- في الجسد مضغة: أي: قطعة لحم بقدر ما يمضغ تقريبًا؛ والمراد: القلب.
1 - في الحديث سد الذرائع وتحريم الوسائل إلى المحرمات.
2 - وفيه دليل على صحة القياس وتمثيل الأحكام وتشبيهها.
3 - وفيه دليل على أن المصيب من المجتهدين في مسائل الاشتباه واحد، لأنه جعل المشتبهات لا يعلمها كثير من الناس مع كون بعضهم في طلب حكمها مجتهدين، فدلَّ على أن من يعلمها هو المصيب العالم بها دون غيره ممن هي مشتبهة عليه، وإن كان قد يجتهد في طلب حكمها ويصير إلى ما أداه إليه اجتهاده وطلبه.
4 - وقوله ﷺ: «ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام»، يحتمل وجهين؛ أحدهما: أنه من كثر تعاطيه الشبهات يصادف الحرام وإن لم يتعمَّده، وقد يأثم به، وذلك إذا نسب إلى تقصير. والثاني: أنه يعتاد التساهل ويتمرَّن عليه، وينتقل من شبهة إلى شبهة أغلظ من الأولى، وهكذا حتى يقع في الحرام عمدًا، وهذا نحو قول السلف: إن المعاصي بريد الكفر، أي تسوق إليه، عافانا الله من الشرك.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - في الحديث الأخذ بالورع، وهذا الحديث أصل كبير في الأخذ به وترك الشبهات.
2 - جاءت الشريعة بالحث على ترك الشبهات؛ لأن ارتكابها ذريعة إما إلى الوقوع في الحرام بغير قصد، وإما إلى اتخاذها مطية لأغراض فاسدة، فمن احتاط لنفسه؛ فلم يقرب الشبهات، فلا يقع في واحد من هذين المحظورين.
3 - من مظاهر العمل بترك الشبهات في الشريعة: أن الشرع حثَّ المسلم على اجتناب مواطن التهم حتى لا يتعرض لإساءة الظن بدينه، ومن ذلك قصته ﷺ مع صفية حين أراد أن يودِّعَها عندما زارته في اعتكافه، وحديث امتناعه ﷺ أن يأكل التمرة التي رآها ملقاة خشية أن تكون من الصدقة، وغير ذلك كثير[1].
4 - وفي الحديث دليل على أن طلب البراءة للعرض ممدوح كطلب البراءة للدين.
5 - قال ابن القيم: (لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها، معتبرة بها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، فإذا حرَّم الرب تعالى شيئًا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرِّمها، ويمنع منها تحقيقًا لتحريمه، وتثبتًا له، ومنعًا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل المفضية إليه لكان ذلك نقصًا في التحريم، وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى تأبى ذلك)[2].
6 - القلب هو السلطان المدبر لمملكة الأعضاء، وما تأتي من أعمال؛ فعليه مدار فسادها أو صلاحها. فإذا صلح القلب فإنه لن يأمر إلا بما فيه الخير، وسيصلح الجسد كله، وإن فسد فسيأمر بالفساد والشر، وتكون الأعمال معكوسة منكوسة[3].
أخذ العلماء من الحديث قاعدتين:
الأولى: قاعدة: (سد الذرائع). وقد سبق الكلام عليها.
والثانية: قاعدة: (الخروج من الخلاف مستحب): ولهذه القاعدة سندها الشـرعي؛ فهي ضرب من الورع المشروع، والاحتياط في الدين، وترك الشبهات؛ ليسلم للمرء دينه وعرضه[4].
قال الله تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ١٨ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإسراء: 18، 19].
وقال الله تعالى: ﴿ وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: 64].
1476- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالْقَطِيفَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ»، أخرجه البخاري.
1477- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أَخَذَ رَسُولُ الله ﷺ بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ»، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: «إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِسَقَمِك، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ»، أخرجه البخاري.
- تعس: أي عثر فسقط لوجهه.
- القطيفة: نوع من الأكسية، وهي الثوب الذي له خمل.
- الغريب: من لا مسكن له يأويه، ولا سكن يأنس به، ولا بلد يستوطن فيه.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - أراد بعبد الدينار والدرهم: من استعبدته الدنيا بطلبها، وصار كالعبد لها؛ تتصـرف فيه تصرف المالك؛ لينالها وينغمس في شهواتها ومطالبها.
2 - وذكر الدينار والقطيفة مجرد مثال، وإلا فكل من استعبدته الدنيا في أي أمر، وشغلته عما أمر الله تعالى، وجعل رضاه وسخطه متعلقًا بنيل ما يريد، أو عدم نيله؛ فهو عبده.
3 - المذموم من الدنيا: كل ما يبعد العبد عن الله تعالى، ويشغله عن واجب طاعته وعبادته، لا ما يعينه على الأعمال الصالحة، فإنه غير مذموم، وقد يتعين طلبه، ويجب عليه تحصيله.
4 - قوله: «رَضِيَ» أي: عن الله بما ناله من حطامها، وقوله: «وإن لم يعط لم يرضَ» أي: عنه تعالى، ولا عن نفسه، فصار ساخطًا، فهذا الذي تعس، والحديث نظير قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الحج: 11][5].
5 - وفي أثر ابن عمر أن الشخص يجعل الموت بين عينيه، فيسارع إلى الطاعات، ويغتنم الأوقات بالأعمال الصالحات، ويقصر الأمل، فلا يركن إلى غرور الدنيا؛ فإنه كالغريب أو عابر السبيل، لا يدري متى يصل إلى وطنه مساءً أو صباحًا، والمسافة هي أيام العمر القصار[6].
6 - قال ابن بطال: (لما كان الغريب قليل الانبساط إلى الناس، بل هو مستوحش منهم، لا يكاد يمر يوم فيأنس به، فهو ذليل في نفسه خائف، وكذلك عابر السبيل، لا ينفذ في سفره إلا بقوته، وتخفيفه من الأثقال، غير متشبث بما يمنعه عن قطع سفره، معه زاده وراحلته يبلغانه إلى ما يعنيه من مقصده، وفي هذا إشارة إلى إيثار الزهد في الدنيا، وأخذ البُلغة منها؛ إذ لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره، فكذلك المؤمن لا يحتاج في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه المحل).
7 - وفيه الإخبار بأنه لا بد للإنسان من الصحة والمرض، فيغتنم أيام صحته، وينفق ساعاته فيما يعود عليه نفعه، فإنه لا يدري متى ينزل به مرض يحول بينه وبين فعل الطاعة، ولأنه إذا مرض كتب له ما كان يعمل صحيحًا، فقد أخذ من صحته لمرضه حظه من الطاعات.
8 - وقوله: «من حياتك لموتك»: أي خذ من أيام الحياة والصحة والنشاط لموتك بتقديم ما ينفعك بعد الموت[7].
تسمية النبي ﷺ له بكونه عابدًا للدينار والدرهم وما تلاهما فيه دلالة على التحريم؛ فإن ظاهره الشرك، ولكنه محمول على التحريم فقط؛ للأدلة الدالة على أن المسلم قد يقع في ذلك ولا يكفر.
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 104]
قال ابن كثير: (فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى النَّهْيِ الشَّدِيدِ وَالتَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ عَلَى التَّشَبُّهِ بِالْكُفَّارِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَلِبَاسِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ، وَعِبَادَاتِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمُ التِي لم تشرع لنا ولا نُقَرر عَلَيْهَا).
1478- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»، أخرجه أبو داود، وصحَّحه ابن حبان. [إسناده ضعيف، ضعَّفه الزركشـي في اللآلئ المنثورة (ص:101)، وعلَّق البخاري في الصحيح (4/40) طرفًا من هذا الحديث بصيغة التمريض].
1 - التشبه المحرَّم: هو أن يأتي الإنسان بما هو من خصائص الكفار والفساق بحيث لا يشاركهم فيه أحد؛ كلباس لا يلبسه إلا الكفار، فإن كان اللباس شائعًا بين الكفار والمسلمين فليس تشبهًا.
2 - وهل يشترط قصد التشبه أو لا؟ من نظر إلى العلة عرف أنه متى حصل التشابه ثبت الحكم، ولهذا نص شيخ الإسلام على أنه متى حصلت المشابهة -ولو بغير قصد- ثبت الحكم؛ وذلك لأن العلة لا تختلف بالقصد وعدمه؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وبكل حال يقتضي تحريم التشبه بعلة كونه تشبهًا. والتشبه يعم من فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه -وهو نادر- ومن تبع غيره في فعل لغرض له في ذلك، إذا كان أصل الفعل مأخوذًا عن ذلك الغير. فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضًا ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه، ففي كون هذا تشبهًا نظر، لكن قد ينهى عن هذا لئلا يكون ذريعة إلى التشبه، ولما فيه من المخالفة، كما أمر بصبغ اللحى وإحفاء الشوارب، مع أن قوله ﷺ: «غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود» دليل على أن التشبه بهم يحصل بغير قصد منا، ولا فعل بل بمجرد ترك تغيير ما خلق فينا وهذا أبلغ من الموافقة الفعلية الاتفاقية)[8].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - من تشبَّه بالكفار من المسلمين في أمورهم المختصة بهم، فتشبُّهه الظاهر يدعوه إلى شبههم في الباطن، فيرتضي زيهم، وسمتهم، فيكون معهم[9].
2- الوسائل لها أحكام المقاصد، فيجب سد الذرائع المفضية إلى المحرمات والشـرور؛ لئلا تفضي إلى مقاصدها[10].
3- ينبغي للمسلم أن يتحلى بعلو الهمة وسمو النفس، وألا يكون إمّعة يتبع كل ناعق ويقلّد كل من هبّ ودب، كما يحصل من بعض الجهال في تشبههم بالكفار من لاعبين أو ممثلين أو غيرهم، وهذا كله دليل على افتقارهم لتعزيز القدوة الحسنة في نفوسهم ليتحرروا من التخبط في اختيار القدوات السيئة وتقليد الفُساق.
قوله: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»: ليس المراد منه أن من فعل ذلك كان كافرًا بإطلاق، قال شيخ الإسلام: (أقل أحوال هذا الحديث التحريم، وإن كان ظاهره يقتضـي كفر المتشبه بهم فقد يحمل هذا على التشبه المطلق فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك، وقد يحمل على أنه منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه؛ فإن كان كفرًا، أو معصية، أو شعارًا لها كان حكمه كذلك)[11].
قال الله تعالى: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن: 60].
وقال الله تعالى: ﴿ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾ [الجن: 18].
وقال الله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5].
1479- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي ﷺ يومًا، فقال: «يَا غُلَامُ، احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظِ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإِذَا سَألتَ فَاسْأل اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله»، رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. [قال العقيلي في الضعفاء (4/280): هذا المتن يروى عن ابن عباس وغيره، عن النبي ﷺ بأسانيد لينة].
- يا غلام: كان ابن عباس رضي الله عنهما صغيرًا، فقد توفي النبي ﷺ وعمره ثلاث عشرة سنة.
- احفظ الله: أي احفظ حدوده، وحقوقه، وأوامره ونواهيه.
- يحفظك: أي: من الآفات والمكروهات، وفي الآخرة من أنواع العقوبات، جزاء وفاقًا، فبقدر حفظ الإنسان لدين الله يكون حفظ الله تعالى له.
- تجده تجاهك: أي أمامك في كل أحوالك، يحوطك وينصرك ويوفقك ويسددك.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - حفظ الله تعالى يكون بالوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده؛ فلا يتجاوز ما أمر به وأذن فيه إلى ما نهى عنه، فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله.
2 - حفظ الله لعبده الحافظ لدينه، يكون في أمرين:
الأول: حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة، ومن الشهوات المحرّمة، ويحفظ عليه دينه عند موته، فيتوفّاه على الإيمان. هذا هو الأمر الأول، وهو أعظمهما وأشرفهما، فبه يحفظ الله عبده من الزيغ والضلال؛ لأن الإنسان كلما اهتدى زاده الله هدى، وكلما ضل ازداد ضلالًا.
الثاني: حفظ الله للعبد في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله، ومن حفظ الله في صباه وقوته حفظه الله في حال كبره وضعف قوته، ومتّعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله[12].
3 - قوله ﷺ: «احفظ الله تجده تجاهك»؛ أي في كل أحوالك، يحوطك وينصرك ويوفقك ويسددك[13].
4 - قوله ﷺ: «إذا سألت فاسأل الله» سؤال الله تعالى هو دعاؤه والرغبة إليه، فيسأل الله تعالى ولا يسأل غيره من المخلوقين؛ لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على رفع هذا الضرر، وجلب المنافع، ودفع المضار، ولا يصلح الذلُّ والافتقار إلا لله وحده. والله سبحانه يحب أن يُسأل، ويُلَحّ في سؤاله، والمخلوق بخلاف ذلك، يكره أن يُسأل، ويحب أن لا يسأل؛ لعجزه وفقره وحاجته[14].
5 - قوله ﷺ: «وإذا استعنت فاستعن بالله» أي: فاستعن بالله عز وجل دون غيره من الخلق؛ لأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى قول: «لا حول ولا قوة إلا بالله»؛ فإن المعنى: لا تحوُّل للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمة عظيمة وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلها في الدنيا وعند الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله عز وجل، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه، ومن ترك الاستعانة بالله، واستعان بغيره، وكله الله إلى من استعان به فصار مخذولا[15].