من جوامع الآداب والأخلاق:
قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ [طه: 131].
وقال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28]
وقال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 4].
وقال الله تعالى عن إخفاء العمل: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [البقرة: 271].
وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ١٠١ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ ﴾ [المائدة: 101، 102].
وقال الله تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31].
وقال الله تعالى في وصف ابن آدم: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72].
وقال الله تعالى: ﴿ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ [التوبة: 74].
وقال الله تعالى عن الصمت: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [النساء: 114].
1480- عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي الله، وَأَحَبَّنِي النَّاسُ. فـَقَالَ: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ الله، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ»، رواه ابن ماجه وغيره، وسنده حسن. [أنكره أحمد فيما نقله ابن رجب في جامع العلوم والحكم (2/853)، وأبو حاتم في العلل (1815)، وغيرهما].
1481- وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الله يُحِبُّ العَبْدَ التَّقِيَّ، الغَنِيَّ، الخَفِيَّ»، أخرجه مسلم.
1482- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ، تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ»، رواه الترمذي، وقال: حسن. [أعلَّه بالإرسال البخاري في التاريخ الكبير (4/220)، والترمذي في السنن (2318)، والدارقطني في العلل (4/19)، وغيرهم].
1483- وعن المقدام بن معديكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ»، أخرجه الترمذي وحسَّنه. [فيه انقطاع].
1484- وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»، أخرجه الترمذي وابن ماجه، وسنده قوي. [قال أحمد كما في العلل للخلال (41): منكر].
1485- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الصَّمْتُ حِكْمَةٌ، وَقَلِيلٌ فَاعلُه»، أخرجه البيهقي في الشعب بسند ضعيف، وصحَّح أنه موقوف من قول لقمان الحكيم. [وصحَّح وقفه العراقي في المغني عن حمل الأسفار (2 / 765)].
- الزهد: الاقتصار على قدر الضرورة مما يتيقن حله.
- التقي: من يترك المعاصي امتثالًا للأمر واجتنابًا للنهي.
- الغني: أي: غني النفس، وهو الغنى المطلوب.
- الخفي: خامل الذكر، المعتزل عن الناس، الذي يُخفي عنهم مكانه ليتعبد.
- خطّاء: أي كثيرو الخطأ؛ إذ هو صيغة مبالغة.
1 - في حديث سهل بن سعد دليل على جواز طلب محبة العباد، والسعي فيما يكسب ذلك، بل هو مندوب إليه أو واجب، كما قال ﷺ: «والذي نفسي بيده: لا تؤمنوا حتى تحابوا»، وأرشد ﷺ إلى إفشاء السلام؛ فإنه من جوالب المحبة، وإلى التهادي ونحو ذلك[1].
2 - وفي المفاضلة بين الكلام والصمت، يقول ابن تيمية: (فالتكلم بالخير خير من السكوت عنه، والصمت عن الشر خير من التكلم به، فأما الصمت الدائم فبدعة منهي عنها)[2].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - حديث سهل بن سعد دليل على شرف الزهد وفضله، وأنه يكون سببًا لمحبة الله لعبده، ولمحبة الناس له؛ لأن من زهد فيما هو عند العباد أحبوه؛ حيث جبلت الطبائع على استثقال من أنزل بالمخلوقين حاجاته، وطمع فيما في أيديهم.
2 - الغني: هو الذي استغنى بربه عن الناس، لا يسأل الناس شيئًا، ولا يتعرض لهم بتذلل، بل هو غني عنهم مستغن بربه، لا يلتفت إلى غيره.
3 - الخفي: هو الذي لا يظهر نفسه، ولا يهتم أن يظهر عند الناس، أو يشار إليه بالبنان، أو يتحدث الناس عنه.
4 - في الحديث إشارة إلى فضل العزلة، وقد ذكروا للعزلة فوائد منها:
أ - التفرغ للعبادة، والاستئناس بمناجاة الله سبحانه.
ب - التخلص من المعاصي التي يتعرض لها الإنسان بالمخالطة، من الفتن، والرياء، ونحوهما.
ج - الخلاص من الفتن والخصومات.
د - الخلاص من شر الناس[3].
5 - وأما حديث أبي هريرة، فهو من جوامع الكلم النبوية، قال الإمام الغزالي: (وحدُّ ما لا يعنيك في الكلام: أن تتكلم بكل ما لو سكتَّ عنه لم تأثم، ولم تتضـرر في حال ولا مآل، فإنك به مضيع زمانك؛ لأنك به أنفقت وقتك الذي خير لك لو صرفته في الفكر والذكر، فمن قدر على أن يأخذ كنزًا من الكنوز، فأخَذ بدله مدراة لا ينتفع بها، كان خاسرًا)[4].
6- ودلَّ حديث المقدام بن معديكرب على ذم التوسع في المأكول والشبع والامتلاء والإخبار عنه بأنه شر؛ لما فيه من المفاسد الدينية والبدنية، فإن فضول الطعام مجلبة للسقام، ومثبطة عن القيام بالأحكام.
7- ومنافع قلة الطعام للجسد لا تخفى، وأما منافعه بالنسبة للقلب وصلاحه: فإن قلة الغذاء توجب رقة القلب، وقوة الفهم، وانكسار النفس، وضعف الهوى والغضب، وكثرة الغذاء توجب ضد ذلك.
8 - ودلَّ حديث أنس على أنه لا يخلو من الخطيئة إنسان؛ لما جبل عليه هذا النوع من الضعف وعدم الانقياد لمولاه في فعل ما إليه دعاه، وترك ما عنه نهاه، ولكنه تعالى بلطفه فتح باب التوبة لعباده، وأخبر أن خير الخطائين التوابون المكثرون للتوبة، والمسارعون إليها كلما وقعوا في الخطيئة.
9 - وفي حديث أنس ونحوه من الأحاديث في بابه دلالة على أن العبد إذا عصـى الله، وتاب: تاب الله عليه، ولا يزال كذلك، ولن يهلك على الله إلا هالك[5].
10 - وفي الأثر الأخير دليل على فضل الصمت، وعلى حسنه ومدحه، والمراد به الصمت عن فضول الكلام.
1 - قوله: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ الله»: مفهومه: أنك إذا أحببتها وتعلقت بحطامها أبغضك الله.
2 - في قوله ﷺ: «من حسْن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» ثلاث فوائد ذكرها الأصوليون:
الأولى: قال أبو داود: يكفي الإنسان لدينه أربعة أحاديث: حديث: «الأعمال بالنيات»، وحديث: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وحديث: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن»، وحديث: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا»[6].
الثانية: ذكر العلماء في آداب المستفتي: أنه لا ينبغي للمستفتي أن يسأل عما يبعد وقوعه أو لا يمكن وقوعه؛ للحديث[7].
الثالثة: شرط بعض العلماء في جواز رواية الخبر بالمعنى: أن لا يكون الخبر من جوامع الكلم، فإن كان من جوامع الكلم -كقوله ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»- فإنه لا يصح روايته بالمعنى[8].
3 - قوله: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ»: عام، وقد خُصَّ من هذا العموم: يحيى بن زكريا عليه السلام؛ فإنه قد ورد أنه ما هم بخطيئة، فقد قال النبي ﷺ: «ما من أحد من ولد آدم إلا قد أخطأ، أو همّ بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا»[9].