من آفات اللسان: (السب واللعن):
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الحجرات: 11].
وقال سبحانه: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ١ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ٢ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾ [المؤمنون: 1 - 3].
وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [النور: 21].
1497- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «سِبَابُ الْـمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»، متفق عليه.
1498- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الْـمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا، فَعَلَى البَادِئِ، مَا لَمْ يَعْتَدِ الـمَظْلُومُ»، أخرجه مسلم.
1499- وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الله يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ»، أخرجه الترمذي وصحَّحه.
1500- وعن ابن مسعود رضي الله عنه رفعه: «لَيْسَ الْـمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانُ، وَلَا الفَاحِشَ، وَلَا البَذِيءَ»، أخرجه الترمذي وحسنه، وصحَّحه الحاكم، ورجَّح الدراقطني وقفه.
1501- وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لعن المؤمن كقتله»، متفق عليه.
1502- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا»، أخرجه البخاري.
1503- وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُفَعَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ»، أخرجه مسلم.
- السب: الشتم والتكلم فى عرض الإنسان بما يعيبه.
- والفسق في اللغة: الخروج، والمراد به في الشرع: الخروج عن الطاعة.
- المستبان: الرجلان يسب كل منهما الآخر.
- ما قالا: أي: إثم ما قالاه من السب والشتم.
- فعلى البادئ منهما: لأنه السبب لتلك المخاصمة.
- ما لم يعتدِ المظلوم: أي: يتعدَّى الحدّ في السب، فلا يكون الإثم حينئذ على البادئ فقط بل عليهما.
- الفاحش: الذي يرسل لسانه بما لا ينبغي، وذو الفحش هو: قبيح الأقوال والأفعال.
- البذيء: الذي يجري لسانه بالسفه ونحوه من لغو الكلام.
- لعن المؤمن كقتله: أي: أنهما سواء في أصل التحريم، وإن كان القتل أغلظ[1]، وقيل: لعن المؤمن كقتله لأن القاتل يقطعه عن منافع الدنيا، وهذا يقطعه عن نعيم الآخرة ورحمة الله تعالى[2].
1 - حديث ابن مسعود الأول دليل على أن سب المسلم بغير حقّ حرام، وهذا بإجماع الأمة، وفاعله فاسق كما أخبر به النبي ﷺ، وأما قتاله بغير حق؛ فلا يكفر به عند أهل الحق كفرًا يخرج به من الملة إلا إذا استحله؛ كما قدمناه فى مواضع كثيرة.
2 - فاذا تقرر ما سبق: فقد قيل في تأويل الحديث أقوال، أحدها: أنه في المستحل، والثاني: أن المراد كفر الإحسان والنعمة وأخوة الإسلام، لا كفر الجحود. والثالث: أنه يؤول إلى الكفر بشؤمه. والرابع: أنه كفعل الكفار، والله أعلم[3].
3 - المراد هنا تحريم سباب المسلم المستور الذي ظاهره العدالة والاستقامة، وأما الذي خلع جلباب الحياء، وجاهر بالمعاصي، فهذا لا غيبة له، ولا لسبابه حرمة؛ فقد قال النبي ﷺ: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين» متفق عليه، وهم الذين جاهروا بمعاصيهم، فهتكوا ما ستر الله عليهم[4].
4 - في حديث أبي هريرة أن المتشاتمين الَّلذَين يسب كل منهما الآخر؛ يكون إثمهما على الذي ابتدأ بالشتم؛ ما لم يتعدَّ المظلوم الحد؛ بأن سبه أكثر وأفحش منه.
5 - قال النووي: (وفيه جواز الانتصار، ولا خلاف فيه، وتظاهر عليه الكتاب والسنة، ومع ذلك؛ فالصبر والعفو أفضل، كما قال الله تعالى: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [الشورى: 43]، وقال ﷺ: «وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا» رواه مسلم) [5].
6- وفي حديثي أبي الدرداء وابن مسعود بيان تحريم الفحش، والفاحش هو: فاعل الفحش أو قائله؛ فهو يشمل الشتم القبيح الذي يقبح ذكره، وأما البذيء، فهو الذي لا حياء له، ذو الفحش في القول.
7 - وفي حديث ابن مسعود، وحديث أبي الدرداء الثاني تحريم اللعن، وسيأتي.
8 - وأما قوله ﷺ: «لا يكونون شفعاء»، فمعناه: لا يشفعون يوم القيامة حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار.
9 - وقوله: «ولا شهداء» فيه ثلاثة أقوال: أصحها وأشهرها: لا يكونون شهداء يوم القيامة على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم الرسالات. والثاني: لا يكونون شهداء في الدنيا، أي: لا تقبل شهادتهم لفسقهم. والثالث: لا يرزقون الشهادة؛ وهي القتل في سبيل الله.
10 - الظاهر أن نفي قبول شهادة كثيري اللعن عامة في الحياة الدنيا وفي الآخرة؛ ففي الدنيا: هم ساقطو العدالة، فلا يصلحون شهودًا في الخصومات لإثبات الحقوق، ولا في الآخرة أيضًا حينما تشهد الأمم أن رسلهم بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، فهؤلاء اللعانون ليسوا من هؤلاء الشرفاء، الذين قاموا بأداء الشهادة، والتزكية لأنبيائهم[6].
11 - وجاء في حديث ثابت بن الضحاك أيضًا تحريم لعن المسلم، وبيان أن لعن الإنسان كقتله في المشاركة في الإثم، وإن لم يستويا في قدره.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - السباب ليس من خلق ذوي الهيئات والمروآت، وإنما هو خلق السفهاء، ومن ليس لهم حياء يردهم عن هجر الكلام، وفاحشه، والبذاءة؛ لذا فإنه يجمل بالمسلم أن يبتعد عن هذه الأخلاق، وأن ينأى عمن ليس عنده خلق حسن؛ فليتأدب معه بآداب القرآن من الإعراض عن الجاهلين، والصفح الجميل، والصبر، والعفو، والمغفرة؛ لينال درجة المتخلقين بالقرآن، والله الموفق[7].
2 - اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ومن صفات المؤمن ألا يكون لعّانًا، ولا طعّانًا، ولا فاحشًا، ولا بذيئًا، إنما ذلك من سمات وأخلاق الفسّاق ناقصي الإيمان -كما سبق- قال النووي: (اعلم أن لعن المسلم المصون حرام بإجماع المسلمين، ويجوز لعن أصحاب الأوصاف المذمومة، كقولك: لعن الله الظالمين، لعن الله الكافرين، لعن الله اليهود والنصارى، لعن الله الفاسقين، لعن الله المصوِّرين، ونحو ذلك) [8].
3 - وفي حديث عائشة نهى النبي ﷺ عن سب الأموات، وبيّن ﷺ أنهم قد وصلوا إلى ما قدموا لأنفسهم، ومذهب أهل السنة والجماعة في أموات المسلمين: أننا نرجو للمحسن أن يوفيه الله أجره، ويرحمه، ولا يعذبه، ونخاف على المسيء أن يؤخذ بذنوبه وإساءته، ولا نشهد لأحد بجنة ولا نار، إلا لمن شهد له النبي ﷺ[9].
1- ليس المراد بالكفر في حديث ابن مسعود الكفر المخرج من الملة؛ وذلك لأنه كما قال ابن حزم: (برهان هذا هو ما ذكرنا قبل من نص القرآن في أن القاتل عمدًا والمقاتل: مؤمنان، وكلامه ﷺ لا يتعارض ولا يختلف)[10].
2 - وصف قتال المسلم بأنه كفر يدل على أن هذا الفعل كبيرة من كبائر الذنوب.
3 - ذكر البذيء بعد الفاحش: إما أن يخص الفاحش بالفعل؛ لئلا يلزم التكرار، أو يحمل الفحش على العموم في القول والفعل، والثاني يكون تخصيصًا بعد تعميم، بزيادة الاهتمام به بالفحش بالقول؛ لكثرة الاعتداء به.
4 - قوله ﷺ: «لعن المؤمن كقتله»: قال ابن دقيق العيد: (فيه سؤال وهو أن يقال: إما أن يكون كقتله في أحكام الدنيا أو في أحكام الآخرة؟ لا يمكن أن يكون المراد أحكام الدنيا؛ لأن قتله يوجب القصاص ولعنه لا يوجب ذلك، وأما أحكام الآخرة: فإما أن يراد بها التساوي في الإثم أو العقاب؟ وكلاهما مشكل؛ لأن الإثم يتفاوت بتفاوت مفسدة الفعل وليس إذهاب الروح في المفسدة كمفسدة الأذى باللعنة، وكذلك العقاب يتفاوت بحسب تفاوت الجرائم. والذي يمكن أن يقرر به ظاهر الحديث في استوائهما في الإثم، وفيها -مع ذلك- تعريضه لإجابة الدعاء فيه بموافقة ساعة لا يسأل الله فيها شيئًا إلا أعطاه، فإذا وقعت الإجابة وإبعاده من رحمة الله تعالى؛ كان ذلك أعظم من قتله؛ لأن القتل تفويت الحياة الفانية قطعًا، والإبعاد من رحمة الله تعالى أعظم ضررًا بما لا يحصى)[11].
5 - إنما قال ﷺ: «لا ينبغي لصدّيق أن يكون لعانًا»، و«لا يكون اللعانون شفعاء» بصيغة التكثير ولم يقل: لاعنًا، ولاعنون؛ لأن هذا الذم في الحديث إنما هو لمن كثر منه اللعن، لا لمرة ونحوها، ولأنه يخرج منه أيضًا اللعن المباح، وهو الذي ورد الشرع به؛ مثل لعنة الله على الظالمين، لعن الله اليهود والنصارى، لعن الله الواصلة، والواشمة، وشارب الخمر، وآكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، والمصورين، ومن انتمى إلى غير أبيه وتولى غير مواليه، وغيَّر منار الأرض، وغيرهم مما هو مشهور في الأحاديث الصحيحة.
قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحجرات: 12].
1504- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أَتَدْرُونَ مَا الغِيبَةُ؟» قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ». قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ»، أخرجه مسلم.
1505- وعن أنس رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «كَفَّارَةُ مَنْ اغْتَبْتَهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ»، رواه الحارث ابن أبي أسامة بإسناد ضعيف. [أورده ابن الجوزي في الموضوعات (1583)، وضعَّفه العراقي في المغني عن حمل الأسفار (2/ 825)].
- بَهَتَّهُ: أي قلت عليه ما ليس فيه، وما لم يفعله؛ من البهتان الذي هو الكذب[12].
1 - دلَّت الأحاديث على تحريم الغيبة، وأنها من الكبائر، يقول ابن حجر الهيتمي: (أنَّها كبيرة، لكنها تختلف عظمًا وضده؛ بحسب اختلاف مفسدتها) [13].
2 - دلَّ حديث أبي هريرة على حقيقة الغيبة، وهي ذكر المرء بما يكره سواء كان في بدن الشخص أو دينه أو دنياه أو نفسه أو خلقه أو ماله أو والده أو ولده أو زوجه أو خادمه أو حركته أو طلاقته أو عبوسته أو غير ذلك مما يتعلق به ذكر سوء، سواء ذكر باللفظ أو بالرمز أو بالإشارة [14].
3 - ودلَّ حديث أنس على أن كفارة الغيبة أن يستغفر لمن اغتابه، والحديث ضعيف، ولهذا فلا بد من التوبة الصادقة التي يصحبها الإقلاع، والندم، وعدم العود، واشترط بعض العلماء أن يطلب من الشخص الذي اغتابه أن يحلله ويعفو عنه، لكن لو خشي أنه إنْ أخبره أن تحدث بينهم وحشة أو تنقدح بينهم شرارة العداوة فليَدْعُ له بظهر الغيب، وليذكر محاسنه عند من اغتابه عندهم من قبل، حتى يرى أن ذمته قد برئت.
4 - قال النووي: اعلم أنَّ الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهو ستة أبواب:
الأول: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما مما له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول: ظلمني فلان كذا.
الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا، فازجره عنه.
الثالث: الاستفتاء، فيقول: للمفتي: ظلمني أبي، أو أخي، أو زوجي، أو فلان بكذا.
الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم.
الخامس: أن يكون مجاهرًا بفسقه أو بدعته، كالمجاهر بشـرب الخمر ومصادرة الناس وأخذ المكس وغيرها.
السادس: التعريف، فإذا كان الإنسان معروفًا بلقب كالأعمش، والأعرج، والأصم، والأعمى، والأحول، وغيرهم جاز تعريفهم بذلك[15]. وجمعها ابن أبي شريف في قوله:
الـذم ليـــس بغيبــــــة فـي ستــةٍ *** متظلــم ومعـــرّف ومحـــــذرِ
ولـمظـهر فســقًـا ومسـتفتٍ ومـن *** طـلب الإعـانة في إزالـة منـكر[16]
هل يجب الاستحلال من الذي اغتيب أو لا يجب؟
قال الغزالي: (اعلم أن الواجب على المغتاب أن يندم ويتوب، ويتأسف على ما فعله؛ ليخرج به من حق الله سبحانه، ثم يستحل المغتاب؛ ليحله؛ فيخرج من مظلمته)[17].
ولكن قال ابن القيم: (والصَّحيح أنَّه لا يحتاج إلى إعلامه، بل يكفيه الاستغفار، وذكره بمحاسن ما فيه في المواطن التي اغتابه فيها، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره. والذين قالوا: لا بد من إعلامه، جعلوا الغيبة كالحقوق المالية، والفرق بينهما ظاهر؛ فإنَّ الحقوق المالية ينتفع المظلوم بعود نظير مظلمته إليه، فإن شاء أخذها، وإن شاء تصدَّق بها، وأما في الغيبة، فلا يمكن ذلك ولا يحصل له بإعلامه إلا عكس مقصود الشارع، فإنَّه يوغر صدره، ويؤذيه إذا سمع ما رمي به، ولعله يهيج عداوته ولا يصفو له أبدًا، وما كان هذا سبيله، فإن الشارع الحكيم لا يبيحه، ولا يجوزه؛ فضلًا عن أن يوجبه، ويأمر به، ومدار الشريعة على تعطيل المفاسد وتقليلها، لا على تحصيلها وتكميلها)[18].
قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ١٠ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ [القلم: 10، 11].
وقال الله تعالى في صفة المنافقين: ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ [التوبة: 47].
قال ابن كثير: (ﱡ وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ﴾ أَيْ: وَلَأَسْرَعُوا السَّيْرَ وَالمَشْـيَ بَيْنَكُمْ بِالنَّمِيمَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَالْفِتْنَةِ، ﱡ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ أَيْ: مُطِيعُونَ لَهُمْ وَمُسْتَحْسِنُونَ لِحَدِيثِهِمْ وَكَلَامِهِمْ، يَسْتَنْصِحُونَهُمْ وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْلَمُونَ حَالَهُمْ، فَيُؤَدِّي هَذَا إِلَى وُقُوعِ شَرٍّ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَفَسَادٍ كَبِيرٍ).
1506- عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الـجَنَّةَ قَتَّاتٌ»، متفق عليه.
- القتّات: هو النمّام، وقيل: الفرق بين القتّات والنمّام: أن النمّام الذي يحضر القصة فينقلها، والقتات الذي يستمع من حيث لا يُعلم به ثم ينقل ما سمعه.
- لا يدخل الجنة: أي ابتداء من أول الأمر.
دلَّ حديث حذيفة على أن النميمة محرمة، وقد تظاهر على تحريمها الدلائل الصـريحة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة[19].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - قال يحيى بن أبي كثير: (يفسد النمام والكذاب في ساعةٍ ما لا يفسد الساحر في سنة)، والنميمة من أنواع السحر؛ لأنها تشارك السحر في التفريق بين الناس، وتغيير قلوب المتحابّين وتلقيح الشرور»[20].
2 - قال الإمام النووي: (وكُلُّ من حُمِلَتْ إليه نميمة، وقيل له: فلان يقول فيك، أو يفعل فيك كذا فعليه ستة أمور:
الأول: أن لايصدّقه، لأن النمّام فاسق.
الثاني: أن ينهاه عن ذلك، وينصحه، ويقبّح له فعله.
الثالث: أن يبغضه في الله تعالى؛ فإنه بغيض عند الله تعالى ويجب بغض من أبغضه الله تعالى.
الرابع: ألا يظن بأخيه الغائب السوء.
الخامس: ألا يحمله ما حُكِيَ له على التجسس والبحث عن ذلك.
السادس: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمّام عنه، فلا يحكي نميمته عنه فيقول: فلان حكى كذا، فيصير به نمّامًا، ويكون آتيًا ما نهى عنه...)[21].
قوله: «لا يدخل الجنة قتات»: قال الحافظ ابن حجر: (قوله: «لا يدخل الجنة» أي في أول وهلة، وابتداء، كما في نظائره الكثيرة في السنة)[22]. وهذا مذهب أهل السنة والجماعة؛ فإنهم لا يُكفّرون أحدًا من أهل القبلة بشيء من المعاصي ما لم يستحلّه، إلا ما خصّه الدليل.