حجم الخط:

محتوى الدرس (173)

إثم التجسس:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَجَسَّسُوا [الحجرات: 12].

[الأحاديث]

1507- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ تَسَمَّعَ حَدِيثَ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ القِيَامَةِ»، يعني الرصاص. أخرجه البخاري.

التوضيح:

- الآنك: الرصاص الخالص[1].

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث ابن عباس دليل على تحريم استماع حديث من يكره سماع حديثه، ويعرف ذلك بالقرائن وبالتصريح، قال ابن عبد البر: (لا يجوز لأحد أن يدخل على المتناجين في حال تناجيهما)[2].

2 -قال ابن حجر: (ولا ينبغي للداخل القعود عندهما ولو تباعد عنهما إلا بإذنهما، لأنهما لما افتتحا حديثهما سرًّا وليس عندهما أحد دلَّ على أن مرادهما ألا يطَّلع أحد على كلامهما).

2 - وفيه تحريم التجسس، وهو البحث عن العورات والمعايب، وكشف ما ستره الناس.

التحذير من الغدر والخداع:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ [الأنفال: 58] وقال الله تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء: 34].

وقال الله تعالى في وصف المنافقين: ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة: 9].

[الأحاديث]

1508- عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «إذا جمع الله عز وجل الأولين والآخرين يرفع لكل غادر لواء، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان»، متفق عليه.

1509- وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الـجنَّةَ خِبٌّ، وَلَا بَخِيلٌ، وَلَا سَيِّءُ الـمَلَكَةِ»، أخرجه الترمذي، وفرَّقه حديثين، وفي إسناده ضعف. [ضعَّفه أحمد فيما نقله الدارقطني في تعليقاته على المجروحين (1/217)، وابن عدي في الكامل (6/254)].

التوضيح:

- الغدر: ترك الوفاء ونقض العهد مطلقًا في لحظة لم تكن متوقعة ولا منتظرة.

- خب: هو الخدّاع، أو اللئيم الذي يسعى بين الناس بالفساد.

- ولا سيء الملكة: هو من يترك ما يجب عليه من حق المماليك، أو يتجاوز الحد في عقوبتهم.

الدلالات الفقهية:

1 - في هذا الحديث ونحوه من الأحاديث بيان غلظ تحريم الغدر، لا سيما من صاحب الولاية العامة؛ لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثيرين[3].

2 - يشمل الغدر المتوعَّد عليه، كل من ائتمن على دمٍ، أو عِرْضٍ، أو سِرٍّ، أو مال فخانه، وأخلف ظن من ائتمنه.

3 - قوله: «لا يدخل الجنة خِبٌّ ولا بخيل» أي دخولًا أوليًا، والخِبُّ هو اللئيم الخداع الساعي بين الناس بالشر والفساد، والبخيل: هو من يمنع الواجب من المال، فهؤلاء لا يدخلون الجنة إلا بالتوبة عنها في الدنيا، أو بالعقوبة بقدرها تمحيصًا في العقبى[4].

4 - قوله: «ولا سيء الملكة»: هو من يترك ما يجب عليه من حق المماليك، أو يتجاوز الحد في عقوبتهم، ومثله تركه لتأديبهم بالآداب الشرعية من تعليم فرائض الله وغيرها، وكذلك سوء الملكة في البهائم يكون بإهمالها عن الطعام، وتحميلها ما لا تطيقه من الأحمال والمشقة عليها بالسير والضرب العنيف وغير ذلك[5].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

قال النووي: («لكل غادر لواء» أي: علامة يشتهر بها في الناس؛ لأن موضوع اللواء والمراد به شهرة مكان الرئيس وعلامة موضعه، وكانت العرب تنصب الألوية في الأسواق الحَفِلَة لغدرة الغادر؛ لتشهيره بذلك) [6].

غش الرعية والمشقة عليهم:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال: 27].

وقال الله تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ٧٢ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب: 72، 73].

[الأحاديث]

1510- عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ الله رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ الله عَلَيْهِ الـجنَّةَ»، متفق عليه.

1511- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «اللهمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِم؛ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ»، أخرجه مسلم.

التوضيح:

- يسترعيه الله رعية: أي يفوض إليه رعاية رعية.

- وهو غاش: أي خائن.

- فَشَقَّ عَلَيْهِم: أي أدخل عليهم المشقة، أي: المضرة.

الدلالات الفقهية:

1 - الحديث دليل على أنه يجب على الوالي تيسير الأمور على من وليهم، والرفق بهم، ومعاملتهم بالعفو والصفح، وإيثار الرخصة على العزيمة في حقهم؛ لئلا يدخل عليهم المشقة، ويفعل بهم ما يحب أن يفعل به الله.

2 - ومن المشقَّة على الخلق تولية من ليس فيه كفاءة على العمل، ولا قدرة له عليه، ولا معرفة له به، وعليه فيجب على كل من ولي شيئًا من أمر المسلمين أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع أصلح من يقدر عليه وأمثلهم وأفضلهم، أداء للأمانة وبعدًا عن الخيانة [7].

3 - يدخل في الولاة رب الأسرة، قال ابن القيم -رحمه الله-: (فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى: فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قِبَل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه؛ فأضاعوهم صغارًا، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كبارًا) [8].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - قال ابن بطال: (هذا وعيد شديد على أئمة الجور، فمن ضيع من استرعاه الله عليهم أو خانهم أو ظلمهم، فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة، فكيف يقدر على التحلل من ظلم أمة عظيمة؟!)[9].

2 - جاء الدعاء من النبي ﷺ في حديث عائشة بالمشقة على من شق على رعيته؛ جزاءً من جنس الفعل، وهو عام لمشقة الدنيا والآخرة، وتمام الحديث: «ومن ولي من أمر أمتي شيئًا، فرفق بهم فارفق به».

طريقة الاستدلال:

1 - في الأحاديث دليل على تحريم غش الرعية، وأنه من الكبائر لورود الوعيد عليه بعينه؛ فإن تحريم الجنة وعيد الكافرين في القرآن كما قال الله تعالى: ﴿ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ [المائدة: 72].

2 - قوله: «اللهمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا»: كلمة (شيئًا): نكرة جاءت في سياق الشـرط، فتعم كل شيء، فيدخل في ذلك الموظف، ورب الأسرة، وكل مسؤول على قوم كثروا أو قلوا.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة