التعدي على الناس أو أموالهم أو أعراضهم:
قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: 58].
وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ [النساء: 29].
1512- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول ﷺ: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَجتَنبِ الوَجْهَ»، متفق عليه.
1513- وعن خولة الأنصارية رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ رِجَالًا يتخوَّضون فِي مَالِ الله بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَـهُمْ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ»، أخرجه البخاري.
1514- وعن أبي صرمة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا ضَارَّهُ الله، وَمَنْ شَاقَّ مُسَلِمًا شَقَّ الله عَلَيْهِ»، أخرجه أبو داود، والترمذي وحسَّنه. [ضعيف؛ ضعَّفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (5/786)].
1515- وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ، لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ»، أخرجه الترمذي، وحسَّنه، وسنده منقطع. [قال أبو زرعة الرازي في سؤالات البرذعي (508): منكر].
1516- وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ»، أخرجه البزار بإسناد حسن. [ذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة (122)، وضعَّفه الألباني في ضعيف الجامع برقم: (3644)].
1 - خولة الأنصارية: هي خولة بنت قيس الأنصارية النجارية، لها صحبة، كانت تحت حمزة ابن عبد المطلب رضي الله عنه فقُتل عنها، وخلف عليها النعمان بن عجلان الأنصاري، روى لها البخاري حديثًا، والترمذي آخر.
2 - أبو صرمة مالك بن قيس، الأنصاري المازني مشهور بكنيته، مختلف في اسمه، شهد مع النبي ﷺ المشاهد؛ بدرًا وما بعدها، وكان شاعرًا محسنًا رضي الله عنه.
- يتخوَّضُون: أَي يتصرفون فِيهِ ويتقحمون فِي استحلاله.
- من ضارّ مسلمًا: أي: أدخل على مسلم مضرة في ماله أو نفسه أو عرضه بغير حق.
- ضارّه الله: أي: جازاه من جنس فعله، وأدخل عليه المضرة.
- ومن شاقّ مسلمًا: أي نازع مسلمًا ظلمًا وتعديًا.
- شقّ الله عليه: أي: أنزل الله عليه المشقة جزاء وفاقًا.
- عَيَّرَ أَخَاهُ: من التعيير، أي عابه.
- طوبى: مصدر من الطيب، أو اسم شجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها.
1 - في حديث أبي هريرة دليل على أنه لا يجوز ضرب المسلم على وجهه بأي نوع من أنواع الضرب، قال الحافظ ابن حجر: (ويدخل في النهي كل من ضرب في حد أو تعزير أو تأديب) [1].
2 - وفي حديث خولة دليل على أنه يحرم على من لم يستحق شيئًا من مال الله -وذلك بألا يكون من المصارف التي عينها الله تعالى- أن يأخذه ويتملكه، وأن ذلك من المعاصي الموجبة للنار. وفي قوله: «يتخوضون» دلالة على أنه يقبح توسعهم منه زيادة على ما يحتاجون، فإن كانوا من ولاة الأموال أبيح لهم قدر ما يحتاجونه لأنفسهم من غير زيادة [2].
3 - والحديث يشمل أموال الناس التي بأيديهم وتخصهم، فلا يجوز لهم أن يتصرفوا فيها إلا بما يحبه الله تعالى؛ لتكون عونًا لمرضاته فيما يقيم دينه، وفيما ينفع عباده في دنياهم.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - قال النووي: (إنما نُهي عن ضرب الوجه؛ لأنه لطيف يجمع المحاسن، وأكثر ما يقع الإدراك بأعضائه، فيخشى من ضربه أن تبطل أو تتشوه كلها أو بعضها، والشَّين فيها فاحش لظهورها وبروزها، بل لا يسلم إذا ضرب غالبًا من شين)[3].
2 - على الولاة أن يصرفوا مال الله تعالى فيما يعزِّز دينه، ويعلي كلمته، وعلى ما ينفع الرعية والبلاد، من المشاريع النافعة، والزراعة، والصناعة، والتعليم، والمرافق العامة التي تنفع عموم الرعية، وفيما ينفع عباده في دنياهم[4].
3 - وأما حديث أبي صرمة، ففيه أن من أدخل على مسلم مضرة في ماله أو نفسه أو عرضه بغير حق؛ ضارّه الله، أي: جازاه من جنس فعله، وأدخل عليه المضرة.
والمشاقة: المنازعة؛ أي: من نازع مسلمًا ظلمًا وتعديًا أنزل الله عليه المشقة؛ جزاء وفاقًا، فالحديث تحذير من أذى المسلم بأي شيء، وبأي شكل[5].
4 - يقول ابن القيم -رحمه الله-: (تظاهر الشرع والقدر على أن الجزاء من جنس العمل)[6]، وهذه قاعدة عظيمة مطردة سبق الكلام عليها، وقد تواطأت النصوص في الكتاب والسنة على تأكيد ذلك، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن: 60].
5 - في حديث معاذ ذم الشماتة، وأن يعيِّر الرجل أخاه المسلم بذنب، وأن من فعل ذلك لم يمت حتى يعمل ذلك الذنب الذي عير به أخاه، وكأن من عير أخاه يُجازي بسلب التوفيق، حتى يرتكب ما عيّر أخاه به.
قال ابن القيم: (تعييرك لأخيك بذنبه أعظم إثمًا من ذنبه، وأشد من معصيته؛ لما فيه من صولة الطاعة وتزكية النفس وشكرها، والمناداة عليها بالبراءة من الذنب، وأن أخاك باء به، ولعل كسرته بذنبه وما أحدث له من الذلة والخضوع والإزراء على نفسه، والتخلص من مرض الدعوى والكبر والعجب، ووقوفه بين يدي الله ناكس الرأس خاشع الطرف منكسر القلب: أنفع له، وخير من صولة طاعتك، وتكثرك بها، والاعتداد بها، والمنة على الله وخلقه بها) [7].
6 - وفي حديث أنس فضل من شغله النظر في عيوبه، وطلب إزالتها، أو الستر عليها عن الاشتغال بذكر عيوب غيره، والتعرف لما يصدر منهم من العيوب؛ وذلك بأن يُقدِّم النظر في عيب نفسه إذا أراد أن يعيب غيره؛ فإنه سيجد من نفسه ما يردعه عن ذكر غيره[8].
قال بعضهم: تقيدت ببيت سمعته:
لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها *** لنفسي في نفسي عن الناس شاغل
وقال آخر: لا أحسب أحدًا لا يتفرغ لعيب الناس إلا عن غفلة غفلها عن نفسه، ولو اهتم لعيب نفسه ما تفرغ لعيب أحد [9].
1 - ظاهر حديث أبي هريرة التحريم، ويؤيده ما رواه مسلم من حديث سويد بن مقرن الصحابي: أن جارية له لطمها إنسان، فقال له سويد: أما علمت أن الصورة محرمة، فقال: «لقد رأيتني وإني لسابع إخوة لي مع رسول الله ﷺ، وما لنا خادم غير واحد، فعمد أحدنا فلطمه، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نعتقه»[10].
2 - عموم حديث أبي هريرة يدل على أنه لا يجوز ضرب المسلم على وجهه بأي نوع من أنواع الضرب، سواء كان ذلك على سبيل التأديب، أو التعليم، أو الرياضة، أو الدفاع عن النفس، أو في إقامة حد أو تعزير.
3 - حديث معاذ موضوع، والموضوع لا يترتب عليه أي حكم، ولكن دلت الأدلة عمومًا على تحريم الشماتة، والتعيير.
قال الله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ٢٠٤ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ٢٠٥ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ [البقرة: 204 - 206].
وقال الله تعالى في ذم المكذبين لرسالة النبي ﷺ: ﴿ وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ [الزخرف: 58].
1517- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تُمَارِ أَخَاكَ، وَلَا تُمَازِحْهُ، وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَتُخْلِفَهُ»، أخرجه الترمذي بسند فيه ضعف.
1518- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى الله الالدُّ الـخَصِمُ»، متفق عليه.
- لَا تُمَارِ: المراء: هو الجدال وكثرة الملاحاة للشخص لبيان غلطه وإفحامه.
- الألدُّ: هو شديد اللّدد، كثير الخصومة.
- الخَصِمُ: الذي يخصم أقرانه ويُحـَاجُّهم بالباطل، ولا يقبل الحق.
1 - جاء النهي عن المراء في حديث ابن عباس، وحقيقة المراء: طعنك في كلام غيرك؛ لإظهار خلل فيه لغير غرض سوى تحقير قائله، وإظهار مزيتك عليه، والجدال هو ما يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها، والخصومة لجاج في الكلام ليستوفي به أو غيره، ويكون تارة ابتداء وتارة اعتراضًا، والمراء لا يكون إلا اعتراضًا، والكل قبيح إذا لم يكن لإظهار الحق وبيانه، وإدحاض الباطل وهدم أركانه[11].
2 - وأفاد الحديث النهي عن ممازحة الأخ، والمزاح: الدعابة. والمنهي عنه: ما يجلب الوحشة، أو كان بباطل، أما ما فيه بسط الخلق، وحسن التخاطب، وجبر الخاطر، فهو جائز؛ أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة أنهم قالوا: يا رسول الله، إنك لتداعبنا، قال: «إني لا أقول إلا حقًّا».
3 - وأفاد الحديث النهي عن إخلاف الوعد، وتقدَّم أنه من صفات المنافقين، وظاهره التحريم، والمحرَّم أن تعده وأنت مضمر لخلافه، وأما إذا وعدته وأنت عازم على الوفاء؛ فعرض مانع، فلا يدخل تحت النهي.
4 - وفي حديث عائشة ذم الرجل كثير الخصومة وشديدها، والخصم الذي كلما احتج عليه بحجة أخذ في جانب آخر، وقد جاءت أحاديث عديدة في ذم الخصومة.
5 - الذم إنما هو لمن خاصم بباطل وبغير علم، وكذلك من يحمله على الخصومة محض العناد؛ لقهر خصمه وكسره، بخلاف المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد وإسراف[12].
1- قوله: «لَا تُمَارِ أَخَاكَ، وَلَا تُمَازِحْهُ»: ظاهرها التحريم، وهو كذلك إذا كان على جهة الباطل، وما يجلب الوحشة وإيغار الصدور، وأما إذا كان ليس كذلك فهو جائز لأدلة أخرى، كما سبقت الإشارة إليه في الدلالات.
2- قوله: «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى الله الالدُّ الـخَصِمُ»: هذه الصيغة الواردة في الحديث تدلُّ على أن الاتصاف بتلك الصفة من الكبائر.
وقال الله تعالى: ﴿ وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا ﴾ [الإسراء:11].
قال الله تعالى: ﴿ خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ ﴾ [الأنبياء: 37].
وقال الله تعالى: ﴿ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ [الإسراء: 64].
وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [النساء: 94].
1519- عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الأَنَاةُ مِنْ اللهِ، والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ»، أخرجه الترمذي وقال حسن. [ضعَّفه العراقي في المغني عن حمل الأسفار (1371)].
- الأناة: التَّأنِّي والتَّثبُّت وترك العجلة.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - العجلة هي السرعة في الشيء، وهي مذمومة فيما كان المطلوب فيه الأناة، محمودة فيما يطلب تعجيله من المسارعة إلى الخيرات ونحوها.
2- التَّأنِّي كلّه خير ومحمود العاقبة، وهو سببٌ لنيل محبَّة الله سبحانه؛ فقد قال النبي ﷺ لأشجِّ عبد القيس: «إنَّ فيك خصلتين يحبُّهما الله: الحلم، والأناة» [13].
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ١١ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ١٢ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات:10-13].
1520- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَانًا، الْـمُسْلِمُ أَخُو الْـمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَا هُنَا، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مِرَاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْـمُسْلِمَ، كُلُّ الْـمُسْلِمِ عَلَى الْـمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ»، أخرجه مسلم.
1521- وعن قطبة بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهمَّ جَنِّبْنِي مُنْكَرَاتِ الأَخْلَاقِ، وَالْأَعْمَالِ، وَالْأَهْوَاءِ، وَالْأَدْوَاءِ»، أخرجه الترمذي، وصحَّحه الحاكم واللفظ له.
1522- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ: البُخْلُ، وَسُوءُ الخُلُقِ»، أخرجه الترمذي، وفي سنده ضعف.
1523- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «الشُّؤْمُ: سُوءُ الخُلُقِ»، أخرجه أحمد، وفي إسناده ضعف.
1524- وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: قال: قال رسول الله ﷺ: «ويل للذي يحدث، فيكذب: ليضحك به القوم، ويل له، ثم ويل له» أخرجه الثلاثة، وإسناده قوي. [حسنه الترمذي في السنن (2315)، والألباني في صحيح الجامع برقم (7136)].
قطبة بن مالك الثعلبي، من بني ثعلبة بن ذبيان، له صحبة، سكن الكوفة، توفي في حدود (60).
- لا تدابروا: أي: لا تقاطعوا.
- منكرات الأعمال: هي الكبائر، وذكر النبي ﷺ هذا مع عصمته منها؛ تعليمًا للأمة.
- والأهواء: جمع هوى، ويكون هوى النفس منكرًا عندما يكون ميلها إلى الشهوات.
- والأدواء: الأمراض.
1 - في حديث أبي هريرة توكيد تحريم الأموال، والدماء، والأعراض، والتحذير من ذلك، وقد سبق الكلام على كل جزئية منه في بابي الحدود والجنايات.
2 - وفيه تحريم التحاسد، والنجش، وهو أن يزيد في السلعة المعروضة للبيع وهو لا يريد شراءها، وهو محرم؛ لما فيه من الخداع والتغرير بالمشتري، وقد سبق الكلام عليه، وكذلك تقدم الكلام عن التحابّ بين المسلمين، والنهي عن الهجر، وهو التدابر الوارد في الحديث.
3- وتضمن حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده النهي عن الكذب؛ قال النووي رحمه الله: (قد تظاهرت نصوص الكتاب والسنة على تحريم الكذب في الجملة، وهو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب، وإجماع الأمة منعقد على تحريمه مع النصوص المتظاهرة)[14].
4 - والحديث دليل على تحريم الكذب لإضحاك القوم، وهذا تحريم خاص، ويحرم على السامعين سماعه إذا علموه كذبًا؛ لأنه إقرار على المنكر، بل يجب عليهم النكير أو القيام من المجلس.
5 - واعلم أنه يجوز الكذب اتفاقًا في ثلاث صور، كما أخرجه مسلم في الصحيح، قال ابن شهاب: (لم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها).
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - في حديث أبي هريرة إشارة إلى أن أكرم الخلق عند الله من اتصف بالتقوى لا بالجاه والنسب والرئاسة والمال؛ فرب من يحقره الناس -لضعَّفه، وقلة حظه من الدنيا- هو أعظم قدرًا ممن له قدره في الدنيا؛ قال الله تعالى: ﱡ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات:13][15].
2 - إن أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية لا يستطيع أفراده أن يعيشوا متفاهمين متعاونين سعداء، ما لم تربط بينهم روابط متينة من الأخلاق الكريمة. ومتى فقدت الأخلاق التي هي الوسيط الذي لا بد منه لانسجام الإنسان مع أخيه الإنسان: تفكك أفراد المجتمع، وتصارعوا، وتناهبوا مصالحهم، ثم أدى بهم ذلك إلى الانهيار، ثم إلى الدمار.
3 - دلَّت التجربات الإنسانية، والأحداث التاريخية، أن ارتقاء القوى المعنوية للأمم والشعوب ملازم لارتقائها في سلم الأخلاق الفاضلة، ومتناسب معه، وأن انهيار القوى المعنوية للأمم والشعوب ملازم لانهيار أخلاقها، ومتناسب معه، فبين القوى المعنوية والأخلاق تناسب طردي دائمًا[16].
4 - استعاذ النبي ﷺ من منكرات الأخلاق لأنها تكون سببًا لجلب كل شر ودفع كل خير.
5 - قوله: «خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ: البُخْلُ، وَسُوءُ الخُلُقِ»: أي لا ينبغي أن يجتمعا في مؤمن كامل الإيمان.
6 - والبخل جنس تحته أنواع كبائر، وغير كبائر[17]، فيكون البخل كبيرة إن كان قد بخل وامتنع عن واجب كالزكاة، وصلة الرحم، وقرى الضيف، وترك الإعطاء في النوائب، وترك الإنفاق في سبيل الله.
7 - قال ابن القيم: (لما كان البخيل محبوسًا عن الإحسان، ممنوعًا عن البرِّ والخير، وكان جزاؤه من جنس عمله؛ فهو ضيق الصدر، ممنوع من الانشراح، ضيق العطن، صغير النفس، قليل الفرح، كثير الهمِّ والغمِّ والحزن، لا يكاد تقضى له حاجة، ولا يعان على مطلوب) [18].
8 - وفي حديث عائشة بيان حقيقة سوء الخلق، وأنه الشؤم، وأن كل ما يلحق من الشـرور فسببه سوء الخلق [19].
9- قال الصنعاني: (وهذا نظر في حكمة الله تعالى، ومحبته لاجتماع القلوب: كيف حرَّم النميمة -وهي صدق- لما فيها من إفساد القلوب، وتوليد العداوة والوحشة. وأباح الكذب؛ وإن كان حرامًا؛ إذا كان لجمع القلوب، وجلب المودة، وإذهاب العداوة)[20].
1 - قوله: «خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ»: أي مؤمن كامل الإيمان، ولا بد من هذا التأويل، وإخراج اللفظ عن ظاهره؛ لما جاء من النصوص الدالة على أن المؤمن قد يعتريه ذلك وغيره من النقص، فينقصه عن درجة كمال الإيمان، لا عن أصل الإيمان.
2 - قوله: «الشُّؤْمُ: سُوءُ الخُلُقِ»: (ال) في الشؤم للاستغراق، أي: كل شؤم إنما هو من سوء الخلق، والمراد هنا المبالغة؛ وأن ذلك هو الغالب، هذا إن صح الحديث، وإلا فهو ضعيف.