حجم الخط:

محتوى الدرس (177)

باب الAdobe Systemsذكر والدعاء

فضل الذكر:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [البقرة: 152].

وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ٤١ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ٤٢ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ٤٣ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا [الأحزاب: 41-44].

[الأحاديث]

1541- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يَقُولُ الله تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي، وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ»، أخرجه ابن ماجه، وصحَّحه ابن حبان، وذكره البخاري تعليقًا. [في إسناده امرأة مجهولة].

1542- وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ الله مِنْ ذِكْرِ الله»، أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني بإسناد حسن. [أعلَّه بالوقف: الدارقطني في العلل (3/43)].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - في الحديثين بيان فائدتين من الفوائد الكثيرة للذكر، وعدّ ابن القيِّم رحمه الله في كتابه القيِّم (الوابل الصّيِّب) ما يزيد على السَّبعين فائدة للذِّكر، ومن ذلك ما جاء في حديث أبي هريرة، من أنّ الذَّاكر قريبٌ من مذكوره -وهو الله تعالى- وأنه تعالى معه، وهذه المعيَّة معيَّةٌ خاصةٌ غير معيَّة العلم والإحاطة العامة، فهي معيَّةٌ بالقرب والولاية، والمحبَّة والنُّصرة، والإعانة والتَّوفيق.

2 - وفي حديث معاذ: أن من فوائده: أنّه يحطُّ الخطايا ويُذهبها، ويُنجّي الذّاكر من عذاب الله.

3 - ومن فوائد الذِّكر: أنّه يطرد الشيطان ويقمعُه ويكسـره، يقول الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزُّخرف: 36]، قال ابن القيم رحمه الله: (فلو لم يكن في الذّكر إلا هذه الخصلة الواحدة؛ لكان حقيقًا بالعبد أن لا يفتُرَ لسانه من ذكر الله تعالى، وأن لا يزال لهجًا بذكره)[1].

4 - ومن فوائد ذكر الله العظيمة: أنّه يجلُبُ لقلب الذَّاكر الفرَحَ والسرور والرَّاحة، ويورث القلب السكون والطُّمأنينة، كما قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: 28]، بل إنّ الذكر هو حياة القلب حقيقةً، وهو قوت القلب والرّوح، فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته، فلا حياة للقلب حقيقةً إلاّ بذكر الله، ولهذا يقول شيخ الإسلام:(الذِّكرُ للقلب مثل الماء للسَّمك، فكيف يكون حال السَّمك إذا فارق الماء؟!)[2].

فضل مجلس الذكر:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: 28].

وقال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ٣٠ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت: 30، 31].

وقال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف: 204].

وقال صالح عليه السلام لقومه فيما حكى الله عنه: ﴿ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النمل: 46].

ويدل على أن الصلاة على النبي ﷺ من الذكر قوله تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:4] قال ابن كثير: (قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا أُذْكرُ إِلَّا ذُكِرتَ مَعِي).

[الأحاديث]

1543- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا، يَذْكُرُونَ الله فَيهِ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْـمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَّيهِمِ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ الله فِيمَنْ عِنْدَهُ»، أخرجه مسلم.

1544- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرُوا الله فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ القِيَامَةِ»، أخرجه الترمذي، وقال: حسن. [صحَّحه ابن حبان في الصحيح (591)، والألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1513)].

التوضيح:

- حفتهم الملائكة: أي أحاطت بهم ملائكة الرحمة والبركة.

- وغشيتهم الرحمة: أي: علتهم وغمرتهم وعمَّتهم الرحمة.

- السكينة: حالة يطمئن بها القلب فيسكن عن الميل إلى الشهوات وعند الرعب.

- فيمن عنده: من الأنبياء وكرام الملائكة.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - مجالسُ الذِّكر هي أزكى المجالس وأشرفها، وأنفعها وأرفعها، وهي أعلى المجالس قدرًا عند الله، وأجلُّها مكانةً عنده، وقد دلَّ الحديث الأول على أن مجالس الذِّكر سبب لنزول السّكينة، وغشيان الرَّحمة، وحفوف الملائكة بالذَّاكرين وذكر الله لهم فيمن عنده[3].

2 - ودلَّ على فرح الله تعالى بطاعة خلقه له، وعبادتهم إياه، مع غناه عنهم وعن عبادتهم، ولكنه يرضى ذلك لعباده، لكمال فضله ورحمته بعباده، وتحقيق حكمته من خلق عباده[4].

3 - ودلَّ على أهمية حفظ الوقت والحرص عليه، وأن أفضل ما تنفق فيه الأوقات، هو ذكر الله تعالى، وأن من ذكر الله: مجالس العلم، وتعلم أحكام الله تعالى من أصول الدين وفروعه[5].

4 - ودلَّ الحديث الثاني على أن مجالس الذِّكر والصلاة على النبي ﷺ تُؤمِّنُ العبد من الحسـرة والنّدامة يوم القيامة، بخلاف مجالس اللّهو والغفلة، فإنَّها تكون على صاحبها حسرةٌ وندامةٌ يوم القيامة، وقد روى أبو داود بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «من قعدَ مقعدًا لم يذكُر اللهَ تعالى فيه، كانت عليه من اللهِ تعالى تِرَةٌ » أي: نقصٌ وتبعةٌ وحسرةٌ.

5 - ومن شرف مجالس الذِّكر وعلوِّ مكانتها عند الله، أنَّ الله تعالى يُباهي بالذَّاكرين ملائكته، كما روى مسلمٌ عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ مر على حلقة من الصحابة في المسجد يذكرون الله، فقال النبي ﷺ: «أتاني جبريل فأخبرني أنَّ الله تبارك يُباهي بكم الملائكة»، فهذه المباهاة من الرّبِّ دليل على شرف الذِّكر عند الله، ومحبّته له، وأنّ له مزيّةً على غيره من الأعمال[6].

6 - ومجالس الذِّكر سببٌ عظيم من أسباب حفظ اللِّسان، وصونه عن الغيبة والنَّميمة، والكذب والفُحش والباطل، فإنّ العبد لا بُدَّ له من أن يتكلّم، فإن لم يتكلّم بذكر الله تعالى؛ وذكر أوامره وبالخير والفائدة؛ تكلّم ولا بُدَّ بهذه المحرّمات أو بعضها، فمن عوَّد لسانه على ذكر الله صان لسانه عن الباطل واللّغو، ومن يَبَسَ لسانه عن ذكر الله نطق بكلِّ باطل ولغو وفحش[7].

فضائل أذكار مخصوصة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف: 46].

[الأحاديث]

1545- عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وَهَوَ عَلَى كُلَّ شَّيءٍ قَدِير عَشْرَ مَرَّاتٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ»، متفق عليه واللفظ لمسلم.

1546- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ»، متفق عليه.

1547- وعن جويرية بنت الحارث رضي الله عنها قالت: قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ اليَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ»، أخرجه مسلم.

1548- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «البَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَسُبْحَانَ الله، وَالله أَكْبَرُ، وَالْـحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله»، أخرجه النسائي، وصحَّحه ابن حبان والحاكم. [إسناده ضعيف].

1549- وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَحَبُّ الكَلَامِ إِلَى الله أَرْبَعٌ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ: سُبْحَانَ الله، وَالْـحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ»، أخرجه مسلم.

1550- وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ: «يَا عَبْدَ الله بْنَ قَيْسٍ، الا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الـجنَّةِ؟ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله»، متفق عليه. وصحَّحه الحاكم من حديث أبي هريرة وزاد فيه: «لَا مَلْجَأَ مِنَ الله إِلَّا إِلَيْهِ».

1551- وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح يقول: «اللهم بك أصبحنا، وبك أمسينا، وبك نحيا، وبك نموت، وإليك النشور»، وإذا أمسى قال مثل ذلك: إلا أنه قال: «وإليك المصير» أخرجه الأربعة. [حسَّنه الترمذي في السنن (3391)، وصحَّحه ابن القيم في زاد المعاد (2/337)، والنووي في الأذكار (173)، وابن حجر في نتائج الأفكار (2/ 348)].

ترجمة الراوي:

جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن جذيمة الخزاعية المصطلقية، أم المؤمنين، كان أبوها سيد قومه في الجاهلية، فسبيت مع بني المصطلق، فافتداها أبوها، ثم زوجها لرسول الله ﷺ، وكانت من فضليات النساء أدبًا وفصاحة، توفيت سنة (50).

التوضيح:

- سبحان الله وبحمده: أي: أُنَزِّه الله عن كل نقص تنزيهًامقرونًا بحمده.

- حطت خطاياه: أي: غفرت ذنوبه.

- زبد البحر: هو ما يعلو على وجهه عند هيجانه.

- ومداد كلماته: يجوز أن يكون قطر البحار، كما قال الله تعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي [الكهف: 109]، وقيل: مداد كلماته أي مثل عددها، وقيل: قدر ما يوازيها في الكثرة.

- الباقيات: أي: التي يبقى ثوابها، ويدوم جزاؤها.

- لا حول: الحول: القوة والقدرة على التصرف[8].

- اللهم بك أصبحنا... إلخ: الباء متعلق بمقدر: أي: بقوتك وقدرتك وإيجادك أصبحنا.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - جاء حديث أبي أيوب بلفظ آخر؛ فقد أخرج أحمد من طريق عبد الله بن يعيش عن أبي أيوب وفيه: «من قال إذا صلى الصبح: لا إله إلا الله..الحديث»، فذكره بلفظ: «عشـر مرات، كن كعدل أربع رقاب، وكتب له بهن عشر حسنات، ومحي عنه بهن عشـر سيئات، ورفع له بهن عشر درجات، وكن له حرزًا من الشيطان حتى يمسـي»، وإذا قالها بعد المغرب، فمثل ذلك، وسنده حسن[9].

2 - ذكر العشر الرقاب في بعض الروايات، والأربع في بعضها، كأنه باعتبار الذاكرين في استحضارهم معاني الألفاظ بالقلوب، وإمحاض التوجه والإخلاص لعلام الغيوب، فيكون اختلاف مراتبهم باعتبار ذلك وبحسبه، كما قال القرطبي[10].

3 - وفيه دلالة على عظم شأن كلمة التوحيد: «لا إله إلا الله»، التي هي أجل الكلمات على الإطلاق، وأفضل ما قاله النبيون، ولأجلها قامت الأرض والسموات، وخلقت الخلائق والبريات، وأهلها هم أهل السعادة والفلاح، والفوز في الدنيا والآخرة، فكلمة هذا شأنها حري بالمسلم أن تعظم عنايته بها، والله وحده بيده التوفيق والسداد[11].

4 - قوله: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ»: قال النووي: (إطلاقه يقتضـي حصول هذا الأجر، سواء قالها متوالية أو متفرقة، لكن الأفضل أن يأتي بها متوالية في أول النهار، فتكون حرزًا له في جميع نهاره).

5 - قوله: «حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر»: العلماء يقيدون هذا وأمثاله بصغائر الذنوب، وأما الكبائر فيقولون: إنها لا يمحوها، ولا يكفرها إلا التوبة النصوح، وذكر الإمام النووي أنه إذا لم توجد صغائر، فإنه يرجى أن تخفف الكبائر[12].

6- وفي حديث جويرية دليل على فضل تلك الكلمات، وأن قائلها يدرك فضيلة تكرار القول بالعدد المذكور[13]، فهذا ذكر عظيم مبارك أرشد إليه النبي ﷺ، وبيَّن أنه ذكر مضاعف، يزيد في الفضل والأجر على مجرد الذكر بسبحان الله أضعافًا مضاعفة؛ لأن ما يقوم بقلب الذاكر حين يقوله من معرفة الله وتنزيهه وتعظيمه بهذا القدر المذكور من العدد أعظم مما يقوم بقلب من قال:«سبحان الله» فقط[14].

7 - وقوله: «ورضا نفسه» المراد تسبيحًا هو في العظمة والجلال مساوٍ لرضا نفسه، كما أنه في الأول مخبرٌ عن تسبيح مساوٍ لعدد خلقه، ولا ريب أن رضا نفس الرب أمر لا نهاية له في العظمة والوصف.

8 - وقوله: «وزنة عرشه» فيه إثبات العرش، وإضافته إلى الرب سبحانه وتعالى، وأنه أثقل المخلوقات على الإطلاق؛ إذ لو كان شيء أثقل منه لوزن به التسبيح. فالتضعيف الأول للعدد والكمية، والثاني للصفة والكيفية، والثالث للعظم والثقل وكبر المقدار.

9 - وقوله: «ومداد كلماته» هذا يعم الأقسام الثلاثة ويشملها؛ فإن مداد كلماته سبحانه وتعالى لا نهاية لقدره، ولا لصفته، ولا لعدده، قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [لقمان: 27]، ومعنى هذا أنه لو فرض البحر مدادًا، وجميع أشجار الأرض أقلامًا، والأقلام تستمد بذلك المداد، فستفنى البحار والأقلام، وكلمات الرب لا تفنى ولا تنفد!! والمقصود أن في هذا التسبيح من صفات الكمال ونعوت الجلال ما يوجب أن يكون أفضل من غيره[15].

10 - وفي حديثي أبي سعيد وسمرة دليل على أن خير الكلام وأفضل الذكر بعد القرآن الكريم تلك الأربع الكلمات، وأنّ لهنَّ قدرًا رفيعًا وشأنًا عظيمًا ومكانةً عاليةً في دين الله تعالى.

11 - فمن فضائلهن: أنَّهنَّ أحب الكلام إلى الله تعالى، وأخبر النبي ﷺ أنّهنَّ أحبُّ إليه مما طلعت عليه الشمس، أي من الدنيا وما فيها، ومن فضائلهن أنَّهنَّ مكفِّرات للذنوب، فعن أنس رضي الله عنه: أنَّ رسول الله ﷺ مرّ بشجرة يابسة الورق، فضربها بعصاه فتناثر الورق، فقال رسول الله ﷺ: «إنَّ الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ لَتُساقط من ذنوب العبد كما تَساقط ورق هذه الشجرة»[16].

12 - وفي حديث أبي موسى فضل قول: «لا حول ولا قوة إلاَّ بالله»، وقد تنوّعت الأحاديث في الدلالة على تشريف هذه الكلمة وتعظيمها؛ حيث أخبر النبي ﷺ أنَّها من أبواب الجنّة، وأنَّها من كنز تحت العرش، وأنَّها غِراس الجنَّة، وأنَّها من الباقيات الصالحات التي ينبغي للعبد أن يستكثر منها، وجاءت الأحاديث بالأمر بالإكثار من قولها.

13- ومن الأمور اللازمة في هذا الباب والمتأكّدة على كلِّ مسلم أن يفهم مدلول هذه الكلمة ومعناها؛ فهما كلمتا إسلام واستسلام، وتفويض وتبرّؤ من الحول والقوَّة إلاَّ بالله، وأنَّ العبد لا يملك من أمره شيئًا، وليس له حيلةٌ في دفع شرٍّ، ولا قوّةٌ في جلب خيرٍ إلاَّ بإرادة الله تعالى. فلا تحوّل للعبد من معصية إلى طاعة، ولا من مرض إلى صحة، ولا من وهنٍ إلى قوة، ولا من نقصان إلى كمال وزيادة إلاَّ بالله، ولا قوَّة له على القيام بشأن من شؤونه، أو تحقيق هدفٍ من أهدافه أو غاية من غاياته إلاَّ بالله العظيم.

14 - وأما ما جاء في حديث أبي هريرة فيما يقال في الصباح والمساء، فهو دعاء نبوي عظيم، وذكر مبارك، يجدر بالمسلم أن يحافظ عليه كل صباح ومساء، ويتأمل في معانيه الجليلة ودلالاته العظيمة، وكيف أنه قد اشتمل على تذكير المسلم بعظيم فضل الله عليه وواسع منِّه وإكرامه، فنوم الإنسان ويقظته، وحركته وسكونه، وقيامه وقعوده إنما هو بالله عز وجل، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

15 - وقوله: «وبك نحيا وبك نموت» أي حالنا مستمر على هذا في جميع الأوقات وسائر الأحوال، في حركاتنا كلها وشؤوننا جميعها، فإنما نحن بك، أنت المعين وحدك، وأزِمَّة الأمور كلها بيدك، ولا غنى لنا عنك طرفة عين، وفي هذا من الاعتماد على الله واللجوء إليه والاعتراف بمنه وفضله ما يحقق للمرء إيمانه ويقوي يقينه ويعظم صلته بربه سبحانه.

16 - وقوله في الحديث: «وإليك النشور» أي المرجع يوم القيامة، ببعث الناس من قبورهم، وإحيائهم بعد إماتتهم. وقوله: «وإليك المصير» أي المرجع والمآب، كما قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ [العلق: 8].

17 - وقد جعل ﷺ قوله: «وإليك النشور» في الصباح، وقوله: «وإليك المصير» في المساء؛ رعاية للتناسب والتشاكل؛ لأن الإصباح يشبه النشر بعد الموت، والنوم موتة صغرى، والقيام منه يشبه النشر من بعد الموت، قال الله تعالى: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر: 42] والإمساء يشبه الموت بعد الحياة؛ لأن الإنسان يصير فيه إلى النوم الذي يشبه الموت والوفاة، فكانت بذلك خاتمة كل ذكر متجانسة غاية المجانسة مع المعنى الذي ذكر فيه [17].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة