أفضل الاستغفار:
قال الله تعالى: ﴿ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الذاريات: 18] في الآية بيان أفضل أوقات الاستغفار.
1559- عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ، أَنْ يَقُولَ العَبْدُ: اللهمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي، وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي؛ فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ»، أخرجه البخاري.
- سيد الاستغفار: أي: أفضل أنواع صِيَغِه.
- وأنا على عهدك ووعدك: أي: ما عاهدتك عليه وواعدتك من الإيمان بك، وإخلاص الطاعة لك.
- ما استطعت: أي: مدة داوم استطاعتي، ومعناه: الاعتراف بالعجز عن كُنه الواجب من حقه تعالى.
- أعوذ بك من شر ما صنعت: أي من الشر العائد من الذنوب.
- أبوء: أعترف.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - هذا دعاء عظيم جامع لمعاني التوبة والتذلل لله تبارك وتعالى والإنابة إليه، وقد وصفه ﷺ بأنه سيد الاستغفار؛ وذلك لأنه قد فاق سائر صيغ الاستغفار في الفضيلة، وعلا عليها في الرتبة.
2 - ووجه أفضلية هذا الدعاء على غيره من صيغ الاستغفار: أن النبي ﷺ بدأه بالثناء على الله تعالى، والاعتراف بأنه عبد لله مربوب مخلوق له عز وجل، وأنه سبحانه المعبود بحق ولا معبود بحق سواه، وأنه مقيم على الوعد، ثابت على العهد من الإيمان به وبكتابه وبسائر أنبيائه ورسله، وأنه مقيم على ذلك بحسب طوقه واستطاعته، ثم استعاذ به سبحانه من شر كل ما صنع من التقصير في القيام بما يجب عليه من شكر الإنعام وارتكاب الآثام، ثم أقر بترادف نعمه سبحانه وتوالي عطاياه ومننه، واعترف بما يصيب من الذنوب والمعاصي، ثم سأله سبحانه المغفرة من ذلك كله، معترفا بأنه لا يغفر الذنوب سواه سبحانه. وهذا أكمل ما يكون في الدعاء، ولهذا كان أعظم صيغ الاستغفار وأفضلها وأجمعها للمعاني الموجبة لغفران الذنوب[1].
3- أنواع الشرور المستعاذ منها لا تخلو من قسمين: إما شر وقع به من غيره، وإما ذنوب وقعت منه يعاقب عليها، فيكون وقوع ذلك بفعله وقصده وسعيه، ويكون هذا الشر هو الذنوب وموجباتها، وهو أعظم الشرين، وأدومهما، وأشرهما اتصالًا بصاحبه.
والذنوب التي يستعيذ منها بهذا الحديث الشريف: هي من فعل العبد وقصده، فهو يستعيذ من شرها؛ لأنها موجبة للعقاب وللعقوبة إلا أن يعيذه ربه، ويغفر له، ويرحمه، وأقوى سبب لمنع شرها: التوبة النصوح[2].
4 - وفي الحديث دليل على أن المقاصد لا ينبغي أن تطلب إلا بوسائلها الصحيحة، وأسبابها الموصلة، أما التعلل بالخرافات، والبدع، والتوسلات الشـركية والبدعية، فهي لا تزيد الإنسان من ربه إلا بعدًا[3].
سؤال العافية وأهم ما يُستعاذ منه:
قال الله تعالى: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ٥٥ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الأعراف: 55، 56].
وقال الله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾ [الأنعام: 65].
وقال الله تعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ٩٧ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ﴾ [المؤمنون: 97، 98].
وقال الله تعالى ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ١ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ٢ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ٣ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ٤ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾ [الفلق: 1-5].
وقال الله تعالى: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١ مَلِكِ النَّاسِ ٢ إِلَٰهِ النَّاسِ ٣ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ٤ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ٥ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴾ [الناس: 1-6].
1560- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ الله ﷺ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِـي وَحِينَ يُصْبِحُ: «اللهمَّ إِنِّي أَسْألكَ العَافِيَةَ فِي دِينِي، وَدُنْيَايَ، وَأَهْلِي، وَمَالِي، اللهمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي»، أخرجه النسائي وابن ماجه، وصحَّحه الحاكم. [صحَّحه النووي في الأذكار (183)].
1561- وعنه قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقُولُ: «اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ»، أخرجه مسلم.
1562- وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقُولُ: «اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ العَدُوِّ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ»، رواه النسائي، وصحَّحه الحاكم. [إسناده ضعيف].
- اللهم إني أسألك العافية: أي السلامة من الآفات الدينية والشدائد والأسقام والبلايا الدنيوية.
- اللهم استر عوراتي: أي: عيوبي، والعورة: سوءة الإنسان وكل ما يستحيي منه إذا ظهر، ويسوء صاحبه أن يُرى ذلك منه.
- وآمن روعاتي: جمع روعة وهي الفزعة، والمعنى: اجعل خوفي أمنًا وأبدله به.
- اللهم احفظني: أي: ادفع البلاء عني.
- من بين يدي: أي أمامي.
- أن أغتال: أي: أؤخذ بغتة، وأهلك غفلة من تحتي.
- زوال نعمتك: أي: ذهابها.
- وتحوّل عافيتك: أي: تبدلها.
- وفجاءة نقمتك: أي بغتة غضبك.
- وجميع سخطك: أي: سائر الأسباب الموجبة لذلك، وإذا انتفت حصلت أضدادها.
- غلبة الدَّيْن: ثقله وشدّته؛ وذاك حيث لا قدرة على وفائه سيما مع الطلب.
- وشماتة الأعداء: فرحهم ببلية تنزل بعدوهم.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - في الحديث الأول بدأ النبي ﷺ ذاك الدعاء العظيم بسؤال الله العافية في الدنيا والآخرة، والعافية لا يعدلها شيء، ومن أعطي العافية في الدنيا والآخرة فقد كمل نصيبه من الخير، فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «اسألوا الله العفو والعافية، فإن أحدًا لم يعط بعد اليقين خيرًا من العافية»[4].
2 - العافية هي تأمين الله لعبده من كل نقمة ومحنة، بصرف السوء عنه ووقايته من البلايا والأسقام وحفظه من الشرور والآثام، وفي الدين هي الوقاية من كل أمر يشين الدين أو يخل به.
3 - قوله في الحديث الثاني: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك»: أي: ذهاب نعمك الدينية والدنيوية النافعة في الأمور الأخروية من غير بدل. والاستعاذة من زوال النعم تتضمن الحفظ عن الوقوع في المعاصي؛ لأنها تزيلها؛ ألا ترى إلى قول الشاعر:
إذا كنت في نعمة فارعها... فإن المعاصي تزيل النعم
وقال الشوكاني: (استعاذ رسول الله ﷺ من زوال نعمته؛ لأن ذلك لا يكون إلا عند عدم شكرها، وعدم مراعاة ما تستحقه النعم، وتقتضيه من تأدية ما يجب على صاحبها من الشكر والمواساة، وإخراج ما يجب إخراجه).
4 - قوله: «وتحول عافيتك»: أي: تبدلها بالبلاء. قال القاري: (فإن قلت: ما الفرق بين الزوال والتحول؟ قلت: الزوال يقال في شيء كان ثابتًا لشيء ثم فارقه، والتحول: إبدال الشـيء بالشيء، فمعنى زوال النعمة: ذهابها من غير بدل، وتحول العافية: إبدال الصحة بالمرض، والغنى بالفقر، فكأنه سأل دوام العافية، وهي السلامة من الآلام والأسقام، واستعاذ من ذلك؛ لأن من اختصه الله سبحانه بعافيته فاز بخير الدارين، فإن تحولت عنه، فقد أصيب بشر الدارين، فإن العافية يكون بها صلاح من أمور الدنيا والآخرة).
5 - قوله: «وفجاءة نقمتك» قال القاري: (هي المكافأة بالعقوبة، والانتقام بالغضب والعذاب، وخص فجاءة النقمة بالذكر؛ لأنها أشد من أن تصيب تدريجًا، واستعاذ ﷺ من ذلك من حيث لا يكون له علم به، ولا تكون له فرصة ومهلة للتوبة؛ لأنه إن انتقم الله تعالى من العبد؛ فقد أحل به من البلاء ما لا يقدر على دفعه، ولا يستدفع بسائر المخلوقين وإن اجتمعوا جميعًا).
6 - وقوله: «وجميع سخطك» أي: ما يؤدي إليه، يعني سائر الأسباب الموجبة لذلك. وإذا انتفت أسبابها حصلت أضدادها، وهو إجمال بعد تفصيل وتعميم بعد تخصيص، أو المراد جميع آثار غضبك، واستعاذ ﷺ من جميع سخطه؛ لأنه سبحانه إذا سخط على العبد فقد هلك وخاب وخسر، ولو كان السخط في أدنى شيء وبأيسر سبب[5].
7 - الدَّين إذا غلب يسبب الهم والغم، ويكون صاحبه في قلق وتعب بدني وقلبي وفكري، وهذا هو ما استعاذ منه النبي ﷺ؛ لأن حقوق الآدميين مبنية على الشح. ولذا استعاذ النبي ﷺ من المغرم وهو الدين، وقال ﷺ مبينًا آثار الدين السيئة، وعواقبه الوخيمة: «إن الرجل إذا غرم، حدث فكذب، ووعد فأخلف» متفق عليه[6].
8 - وأما شماته الأعداء، فهي فرح العدو بضر أو بلية نزلت بعدوه، قال ابن بطال: (شماتة الأعداء ما ينكأ القلب، وتبلغ به النفس أشد مبلغ، وقد قال هارون لأخيه عليهما السلام: ﴿ فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ ﴾ [الأعراف: 150]، أي: لا تفرحهم بما تصيبني به)[7].
9 - قال الشوكاني: (استعاذ ﷺ من شماتة الأعداء وأمر بالاستعاذة منها؛ لعظم موقعها، وشدة تأثيرها في الأنفس البشرية، ونفور طباع العباد عنها، وقد يتسبَّب عن ذلك تعاظم العداوة المفضية إلى استحلال ما حرَّمه الله سبحانه وتعالى. وإنما تعوَّذ النبي ﷺ من ذلك تعليمًا لأمَّته؛ فإنَّ الله تعالى آمنه من جميع ذلك). قال الحافظ: (ولا يتعيَّن ذلك، بل يُحتمل أن يكون استعاذ بربِّه من وقوع ذلك بأمته)[8].