حجم الخط:

محتوى الدرس (180)

الدعوات الجامعة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ٢٠١ أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [البقرة: 201، 202].

وقال الله تعالى: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة: 286].

[الأحاديث]

1563- عن أنس رضي الله عنه قال: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ الله ﷺ: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»، متفق عليه.

1564- وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو: «اللهمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي، وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللهمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي، وَهَزْلِي، وَخَطَئِي، وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللهمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْـمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْـمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، متفق عليه.

1565- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقُولُ: «اللهمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ التِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي التِي إِلَيْهَا مَعَادِي، وَاجْعَلْ الْـحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الـمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ»، أخرجه مسلم.

التوضيح:

- ربنا آتنا في الدنيا حسنة: يعني الصحة والكفاية والعفاف والتوفيق.

- وفي الآخرة حسنة: يعني الثواب والرحمة.

- أنت المقدم: أي: تقدم من تشاء من خلقك، فيتصف بصفات الكمال، ويتحقق بحقائق العبودية بتوفيقك.

- وأنت المؤخر: لمن تشاء من عبادك بخذلانك، وتبعيدك له عن درجات الخير.

- ديني الذي هو عصمة أمري: أي: الذي هو حافظ لجميع أموري؛ فإن من فسد دينه فسدت أموره وخاب وخسر.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - قوله: «كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ»: وذلك لكونه دعاء جامعًا، ولكونه مقتبسًا من القرآن، وجعل الله داعيه ممدوحًا.

2 - قوله: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً»: أي: قبل الموت حسنة، وهي كل ما يسمى نعمة، ومنحة عظيمة، وحالة مرضية.

3 - قوله: «وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً»: أي بعد الموت مرتبة مستحسنة، وقيل: المراد بالحسنة كل ما يعطاه العبد في الدنيا مما يلائم طبعه من العيشة الطيبة، والغنى، والعافية، والمرأة الحسنة، وغير ذلك مما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين من المباح والحلال، وكذلك كل ما يعطاه في الآخرة، يكون حسنة بلا واسطة أو بواسطة.

4 - قوله: «وقنا عذاب النار»: أي: احفظنا منه وما يقرب إليه، فإن صدر منا ما يوجبه من التقصير والعصيان؛ فاعف عنا، وقنا عذاب النار.

5 - قال القاضي عياض: (إنما كان يكثر الدعاء بهذه الآية لجمعها معاني الدعاء كلها من أمر الدنيا والآخرة، فسأل نعيم الدنيا والآخرة، والوقاية من العذاب).

وقال ابن كثير في تفسيره: (جمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شر؛ فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، وولد بار، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هني، وثناء جميل، إلى غير ذلك، مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا.

وأما الحسنة في الآخرة؛ فأعلى ذلك دخول الجنة، وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة.

وأما النجاة من النار، والوقاية من عذابه، فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام)[1].

6 - قوله في حديث أبي موسى: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو»: قال الحافظ: (لم أرَ في شيء من طرقه محل الدعاء بذلك، وقد وقع معظم آخره في حديث ابن عباس أنه ﷺ كان يقوله في صلاة الليل، ووقع أيضًا في حديث عليٍّ عند مسلم أنه كان يقوله في آخر الصلاة).

7 - وأما حديث أبي هريرة، فقد تضمن الدعاء بخير الدارين، وليس فيه دلالة على جواز الدعاء بالموت، بل إنما دلَّ على سؤال أن يجعل الموت في قضائه عليه، ونزوله به راحة من شرور الدنيا، ومن شرور القبر؛ لعموم «كل شر» أي: من كل شر قبله وبعده[2].

8 - جمع النبي ﷺ في الحديث تلك الثلاثة: صلاح الدنيا والدين والمعاد، وهي أصول مكارم الأخلاق التي بعث لإتمامها. قال الطيبي: وهذا الدعاء من جوامع الكلم[3].

سؤال العلم والخير:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه: 114].

وقال الله تعالى: ﴿ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [النساء: 32].

[الأحاديث]

1566- عن أنس رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقُولُ: «اللهمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَارْزُقْنِي عِلْمًا يَنْفَعُنِي»، رواه النسائي والحاكم. [إسناده ضعيف].

1567- وللترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه نحوه، وقال في آخره: «وَزِدْنِي عِلْمًا، وَالْـحَمْدُ لله عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَعُوذُ بِالله مِنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ». وإسناده حسن. [ضعَّفه المنهاوي في كشف المناهج (2/348)، والألباني في ضعيف الجامع برقم: (1183)].

1568- وعن عائشة رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهَا هَذَا الدُّعَاءَ: «اللهمَّ إِنِّي أَسْالكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ، عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ، عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، اللهمَّ إِنِّي أَسْألكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَألكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، اللهمَّ إِنِّي أَسْألكَ الـجنَّةَ، وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، وَمَا قَرَّبَ مِنْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْألكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لِي خَيْرًا»، أخرجه ابن ماجه، وصحَّحه ابن حبان والحاكم.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - في حديث أنس وحديث أبي هريرة دليل على أنه لا يطلب من العلم إلا النافع، والنافع: ما يتعلق بأمر الدين والدنيا، فيما يعود فيها على نفع الدين [4].

2 - قوله: «اللهم انفعني بما علمتني» أي: بالعمل بمقتضاه خالصًا لوجهك.

3 - وفيه إشارة إلى طلب الزيادة في السير والسلوك إلى أن يوصله إلى مخدع الوصال، فظهر من هذا أن العلم وسيلة إلى العمل وهما متلازمان. ومن ثم قيل: ما أمر الله ورسوله ﷺ بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم بقوله تعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه: 114]، وهذا من جامع الدعاء الذي لا مطمع وراءه.

4 - قوله: «الحمد لله على كل حال»: من أحوال السراء والضراء، فيحمده تعالى لكونه لم ينزل به أشد من هذا البلاء الذي نزل به، وكم يترتب على الضراء من عواقب حميدة، ومواهب كريمة يستحق الحمد عليها: ﴿ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: 216].

5 - وقوله: «وأعوذ بالله من حال أهل النار»: أي من الكفر والفسوق في الدنيا، والعذاب والعقاب في العقبى[5].

6 - وأما حديث عائشة رضي الله عنها فقد تضمَّن الدعاء بخيري الدنيا والآخرة، والاستعاذة من شرهما، وسؤال الجنة وأعمالها، وسؤال أن يجعل الله كل قضاء خيرًا، وكأن المراد سؤال اعتقاد العبد أن كل ما أصابه خير، وإلا فإن كل قضاء قضى به خير؛ وإن رآه العبد شرًا في الصورة.

7 - وفيه أنه ينبغي للعبد تعليم أهله أحسن الأدعية؛ لأن كل خير ينالونه، فهو له، وكل شر يصيبهم، فهو مضرة عليه[6].

8 - والحديث من جوامع الكلم والدعاء، وأحب الدعاء إلى الله وأعجبه إليه الجوامع. قال الراغب: (وفيه تنبيه على أن حق العاقل أن يرغب إلى الله أن يعطيه من الخير ما فيه مصلحته مما لا سبيل بنفسه إلى اكتسابه، وأن يبذل جهده مستعينًا بالله في اكتساب ما له كسبه عاجلًا وآجلًا، ومطلقًا، وفي كل حال وفي كل زمان ومكان، والخير المطلق هو المختار من أجل نفسه، وهو الذي يتشوفه كل عاقل).

9 - قوله: «اللهم إني أسألك من خير ما سألك....» إلخ قال الحليمي: (هذا من جوامع الكلم التي استحب الشارع الدعاء بها؛ لأنه إذا دعا بهذا، فقد سأل الله من كل خير، وتعوذ به من كل شر؛ ولو اقتصر الداعي على طلب حسنة بعينها، أو دفع سيئة بعينها، كان قد قصر في النظر لنفسه).

10- قوله: «وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرًا»: لا يعارضه قوله ﷺ: «عجبًا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان له خيرًا»؛ لأن المراد هنا طلب دوام شهود القلب: أن كل واقع فهو خير، وينشأ عن ذلك الرضا، ومن جعل الرضا غنيمته في كل كائن من أوقاته- وافق النفس أو خالفها- لم يزل غانمًا بما هو راضٍ بما أوقع الله له، وأقام من حكمته: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين:8]، ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [السجدة:7][7].

الذكر عمل يسير وأجر عظيم:

[الأحاديث]

1569- أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الـمِيزَانِ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله العَظِيمِ».

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - ختم المؤلف كتابه بحديث «كلمتان خفيفتان على اللسان...»، وهو آخر حديث ختم به البخاري صحيحه، وتبعه جماعة من الأئمة في ختم تصانيفهم بهذا الحديث.

2 - وفي الحديث بيان لشيء مما ورد في فضل التسبيح والتحميد، وقد وصفت الكلمتان في الحديث بثلاثة أوصاف جميلة عظيمة، وهي أنهما حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان.

3 - خُصَّ لفظ الرحمن بالذكر هنا؛ لأن المقصود من الحديث بيان سعة رحمة الله تعالى على عباده حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل، والأجر العظيم، فما أيسـر النطق بهاتين الكلمتين على اللسان! وما أعظم أجر ذلك وثوابه عند الكريم الرحمن! وقد وصفت الكلمتان في الحديث بالخفة والثقل، الخفة على اللسان والثقل في الميزان، لبيان قلة العمل وكثرة الثواب. فما أوسع فضل الله، وما أعظم عطاءه!![8].

والحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأزواجه وذريته وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة