حكم الإناء الذي ولغ فيه الكلب:
قال الله تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7]
قال ابن عاشور: (الإيتاء مستعار لتبليغ الأمر إليهم؛ جعل تشـريعه وتبليغه كإيتاء شيء بأيديهم؛ كما قال الله تعالى: ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾ [البقرة: 63 و93]. واستعير الأخذ أيضًا لقبول الأمر والرضى به والعمل، وقرينة ذلك مقابلته بقوله تعالى: ﴿ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ وهو تتميم لنوعي التشريع. وهذه الآية جامعة للأمر باتباع ما يصدر من النبي ﷺ من قول وفعل فيندرج فيها جميع أدلة السنة)[1]. وما لا نعقله من أوامر الشـرع يجب علينا التسليم به والانقياد له؛ ومن ذلك الحديث الآتي.
11- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ اَلْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ»، أخرجه مسلم. وفي لفظٍ له: «فَلْيُرِقْهُ» [وهي زيادة شاذة أعلَّها النسائي في السنن (66)، وحمزة الكناني فيما نقله المزي في تحفة الأشراف (12441)، وابن منده فيما نقله ابن الملقن في البدر المنير (1/545)، وابن عبد البر في التمهيد (6/481)]، وللترمذي: «أُولَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ». [صحَّحه الترمذي في السنن (91)].
12- ولمسلم من حديث عبد الله بن مغفل: «فاغسلوه سَبْعًا، وعَفِّرُوهُ الثَامِنَةَ بِالتُّرَابِ».
عبد الله بن مغفل: هو عبد الله بن مغفل بن عبد نهم بن عفيف المزني، صحابي جليل من أهل بيعة الرضوان، كان من البكَّائين، ومن الذين بعثهم عمر إلى البصـرة يُفقهونهم، سكن المدينة ثم البصرة، توفي سنة (57هـ) وقيل غير ذلك.
- وَلَغَ الكلبُ: أي: شرب بطَرَف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحرَّكه.
- فليُرِقْه: أي: ليفرغ الإناء ويصبَّه على الأرض.
- عفِّروه: ترِّبُوه، أي: اغسلوه بالتراب، وهو من العَفَر- بالتحريك- وهو التراب.
1 - في الحديث دلالة على نجاسة لعاب الكلب عند جمهور العلماء.
2- نجاسة الإناء الذي ولغ فيه الكلب، وهو مذهب الجمهور.
3- وجوب غسل ما ولغ فيه الكلب أو لعقه أو لحسه سبع مرات بالماء، ومرة بالتراب بحيث يكون مخلوطًا مع الماء في الغسلة الأولى، كما جاء في رواية مسلم: «وعفِّروه الثامنة بالتراب»، والمراد: الثامنة من حيث العدد، لا من حيث الترتيب، والأولى البداءة به[2] لأنه أصح رواية[3] ومعنى؛ لأن تتريب الغسلة الأخيرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه.
4- الغسلات سبع، باعتبار أن جمع الماء مع التراب في الغسلة الأولى يعتبر غسلة واحدة، وثمان باعتبار استقلال مادة التراب عن مادة الماء، فكانت كأنها غسلتان.
5- وجوب استعمال التراب في التطهير من ولوغ الكلب للنص عليه، ولا يقوم غيره مقامه[4].
6- يغسل الإناء الذي ولغ فيه الخنزير سبعًا إحداهن بالتراب؛ لأنه أسوأ حالا، وهو مذهب الشافعية والحنابلة[5].
7- الحديث دليل على أن حكم النجاسة يتعدى عن محلها إلى ما يجاورها بشرط كونه مائعًا وعلى تنجيس المائعات إذا وقع في جزء منها نجاسة وعلى تنجيس الإناء الذي يتصل بالمائع.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - من مقاصد الإسلام: عنايته بطهارة المسلم وصحته ونظافة بيئته، وتشـريع الأحكام لحفظه من كل ما قد يؤذيه أو يجلب له الضرر.
2- مما يزيدنا إيمانًا ويقينًا أن العلم الحديث أثبت أن لعاب الكلب يحمل جراثيم وميكروبات ممرضة، لا يمكن التخلص منها إلا بالتراب، ولا تزول بغيره من المطهرات الحديثة[6].
1- دل على نجاسة لعاب الكلب السبر والتقسيم؛ فإن لفظ الطهور في قوله: «طهور إناء أحدكم» لا يكون إلا من حدث أو نجاسة، ولا حدث على الإناء، فتعين حمله على النجاسة.
2- (ال) في الكلب للاستغراق (للعموم)، فتشمل جميع أنواع الكلاب؛ وعليه؛ فلا فرق بين الكلب المأذون فيه -ككلب الصيد والحراسة والزرع- وغير المأذون فيه، وخُصَّ في قول في مذهب مالك بالكلب غير المأذون في اتخاذه؛ لأن إيجاب الغسل عليه مع المخالطة فيه عسر وحرج، لا يناسبه الإذن والإباحة في الاتخاذ، والأقرب العموم.
3- دل فحوى الخطاب على نجاسة عين الكلب؛ لأنه إذا كان هذا كله في فم الكلب وهو أطيب ما فيه لكثرة ما يلهث، فبقية أجزائه نجسة من باب أولى[7].
4- ما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، فإنما نُصَّ على الولوغ لكونه الغالب، وإلا فما لعقه الكلب أو لحسه أو سقط فيه من عرقه أو دمه أو بوله يغسل سبعًا كذلك عند الجمهور، ويقول الظاهرية: إن الغسل سبعًا خاص بنجاسة الولوغ، وأما بول الكلب ودمه وعرقه فيغسل كسائر النجاسات، وهو ما أقرَّ النووي بقوة دليله، ومذهب الجمهور أحوط.
5- وجوب استعمال التراب في تطهير ما ولغ فيه الكلب لأن النص إذا ورد بشـيء معين، واحتمل معنى يختص بذلك الشيء لم يجز إلغاء النص، واطِّراح خصوص المعيَّن فيه.
قال الله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78] وقال الله تعالى ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ [النور: 58]
قال أبو عبيد -عن الهرة المذكورة في حديث أبي قتادة الآتي-: (جعلها بمنزلة المماليك؛ ألا تسمع إلى قوله سبحانه: ﴿ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ )[8]، وقال ابن كثير: (وَيُغْتَفَرُ فِي الطَّوَّافِينَ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهِمْ؛ ثم ساق حديث أبي قتادة في الهرة)[9].
13- عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال -في الهرة-: «إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم» أخرجه الأربعة، وصحَّحه الترمذي، وابن خزيمة. [وقال الدارقطني فيما نقله ابن عبد الهادي في تعليقه على العلل (ص:130): (إسناد حسن ورواته ثقات معروفون)، وصحَّحه مالك فيما نقله الترمذي في السنن (92)، وابن حبان في الصحيح (1299)، والبيهقي في الكبير (2/240)].
أبو قتادة: هو أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري الخزرجي، شهد غزوة أُحد وما بعدها، فارس رسول الله ﷺ، المحفوظ بدعاء النبي ﷺ، حيث دعا له بقوله: «حفظك الله بما حفظت به نبيَّه» أخرجه مسلم، توفي بالمدينة سنة (54هـ)، وله اثنان وسبعون سنة.
أن كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة- قالت إن أبا قتادة دخل، فسكبت له وضوءًا، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إنها ليست بنجس..» الحديث.
- ليست بنجس: النَجَس: -بفتحتين- هو عين النجاسة، والمراد أنها ليست نجسة الذات، وأما النَّجِسُ: -بفتح فكسر- فهو الشيء المتنجس.
ـ الطوَّافين: الطَوَّاف: هو من يكثر من الطواف، والطواف هو الدوران حول الشـيء والمراد كثرة دورانها في البيوت ودخولها فيها.
1- دل حديث أبي قتادة على طهارة الهرة وطهارة سؤرها، وهو قول جمهور الفقهاء[10].
2- فيه دليل على أن كل ما يُكْثِرُ التطواف على الناس من الحيوان ويشق الاحتراز منه فهو كالهرة، محكوم بطهارته.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
من محاسن الشريعة: الرفق بالحيوانات وإطعامها والإحسان إليها، وترك التحرُّز مما ليس نجسًا منها.
1 - في قوله: «إنما هي من الطوافين عليكم» بيان علة عدم نجاسة الهرة، وهي كثرة الملابسة للبشر ومقتنياتهم الرطبة واليابسة، والقاعدة أنه إذا ظهرت العلة؛ فإنه يجب تعدية الحكم لكل ما وجدت فيه تلك العلة، فيدخل في حكم الهرة الحمار والبغل ونحوهما على الصحيح من أقوال أهل العلم.
2- قاعدة: (المشقة تجلب التيسير) أو (إذا ضاق الأمر اتسع)، والتيسير في الشـريعة يأتي لأسباب عدة، من أهمها العسر وعموم البلوى، مثل: سؤر الهرة عُفي عنه؛ لكثرة طوافها، وعموم البلوى بها[11].
حكم الماء الذي وقعت فيه الذبابة:
قال الله تعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ٢٦ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴾ [الجن: 26، 27]. وما في حديث الذباب من الغيب الذي أطلع الله عليه رسوله ﷺ، وواجبنا أن نؤمن ونصدق ونسمع ونطيع.
14- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا وَقَعَ اَلذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي اَلْآخَرِ شِفَاءً»، أخرجه البخاري، وأبو داود، وزاد: «وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ اَلَّذِي فِيهِ اَلدَّاءُ». [صحَّحه ابن خزيمة في الصحيح (105)، وابن حبان في الصحيح (1246)].
- فليغمسه: فليدخله.
- لينزعه: ليخرجه.
1 - دلَّ حديث أبي هريرة على طهارة الذباب، وأنه لا يُنجِّس ما وقع فيه من طعام أو شراب؛ إذ لو كان نجسًا لما أمر بغمسه.
2 - ميتة ما لا دم له سائل -كالعنكبوت والخنفساء والنحل والبقّ والبعوض ونحوها- طاهرة، فإذا وقع في مائع لم ينجسه، قياسًا على الذباب، وهو مذهب الجمهور خلافًا للشافعية[12].
3 - من أراد أن يشرب سائلًا وقع فيه الذباب، فعليه غمس الذباب أولًا ثم إخراجه ورميه؛ دفعًا للمرض عن نفسه.
4 - جواز قتل الذباب دفعًا للضرر؛ لأن الأمر بالغمس يقتضي قتله خاصة إذا كان الشراب حارًا.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
في حديث الذباب علم من أعلام النبوة، ودليل على أن ما جاء به النبي ﷺ من عند الله رب العالمين، فقد أثبت العلم الحديث على أن الذباب يحمل تحت جناحه الذي يسقط عليه مكروبات ضارَّة، ويحمل تحت الجناح الآخر مكروبات أخرى قاتلة لتلك المكروبات الضارة، ولا يتحقق خروج المكروبات المضادة إلا بغمس الذباب وإرغامه على إخراج تلك المواد المضادة [13].
1- ما لا يسمى شرابًا من المائعات له حكم الشراب إن وقع فيه ذباب بطريق القياس؛ لأن الحكم في لفظ الشارع إنما كان بسبب وصْفٍ في الذباب الواقع، لا على ما يقع فيه، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا[14].
2- يقاس على الذباب غيره -مما لا نفس له سائلة- في عدم تنجيس ما يقع فيه؛ لأن العلة في عدم نجاسة الذباب هي كونه لا نفس له سائلة، فيلحق به كل ما كان كذلك[15].