حجم الخط:

محتوى الدرس (88)

حكم الإقالة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: 134] والإقالة عفو وتنازل من المسلم لأخيه.

[الأحاديث]

849- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ، أَقَالَ الله عَثْرَتَهُ»، رواه أبو داود وابن ماجه، وصحَّحه ابن حبان والحاكم.

التوضيح:

- أقال: الإقالة: أن يقبل البائع من المشتري إرجاعه السلعة إليه، ويرد له ثمنها؛ فيقبل بذلك فسخ العقد والرجوع فيه بعد أن كان لازمًا.

- أقال الله عثرته: أي رفعه من سقوطه، وتسامح معه.

الدلالات الفقهية:

في الحديث دليل على استحباب الإقالة، وهي مشروعة إجماعًا، ولا بد من لفظ يدل عليها، وهو: (أقلت) أو ما يفيد معناه عُرفًا[1].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

هذه قُربة عظيمة إلى الله تعالى، وسببٌ لدفع البلايا والكُرَب في الدنيا والآخرة، لكونها تدل على معنى الإحسان والإيثار، والتسامي على حظوظ النفس، وإيثار رضا الله تعالى.

طريقة الاستدلال:

ذكر المسلم في الحديث جاء على سبيل التغليب، فلا يشترط أن يكون المقال مسلمًا، وإنما ذكره لكونه حكمًا أغلبيًا، وإلا فثواب الإقالة ثابت في إقالة غير المسلم، وقد أخرجه ابن حبان (5029) بلفظ: «من أقال نادمًا بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة».

باب الخيار

[أحكام الخيار]

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء: 29].

قال ابن عطية عن التراضي: (قالت طائفة تمامه وجزمه بافتراق الأبدان بعد عقدة البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه اختر فيقول قد اخترت، وذلك بعد العقدة أيضًا فينجزم حينئذ، هذا هو قول الشافعي وجماعة من الصحابة).

[الأحاديث]

850- عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدَ وَجَبَ البَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ»، متّفق عليه.

851- وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا -أو قال: حتى يتفرقا- فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما»، متفق عليه.

852- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «البَائِعُ وَالْـمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ»، رواه الخمسة إلا ابن ماجه، والدارقطني وابن خزيمة وابن الجارود. [لا يصح، وقوله: «لا يحل له أن يفارقه...» قال ابن عبد البر في التمهيد (8/ 496): لفظ منكر]، وفي رواية: «حتى يتفرقا من مكانهما». [زيادة منكرة].

853- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ذَكَرَ رَجُلٌ لرسولِ الله ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي البُيُوعِ فَقَالَ: «إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خَلَابَةَ»، متّفق عليه.

التوضيح:

- الخيار: طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو رده.

- البَيِّعان: هما البائع والمشتري.

- وإن كتما وكذبا: أي كتم أحدهما أو كلاهما عيبًا، أو كذب أحدهما في شيء من الصفات.

- محقت: أي: ذهبت بركته، وهي زيادته ونماؤه.

- ذَكَرَ رَجُلٌ: هو حبان بن منقذ، وكان قد شج في بعض مغازيه مع النبي ﷺ بحجر فأصابته في رأسه مأمومة، فتغير بها لسانه وعقله قليلًا.

- لا خَلَابة: أي: لا خديعة، ولا تلزمني خديعتك إن خدعتني.

الدلالات الفقهية:

1 - الأصل في العقود اللزوم، والخيار أمر عارض لها، وطارئ عليها، فهو على خلاف الأصل، والخيار إما أن يرجع إلى الشرع، فيمضي ولو لم يشترطه المتعاقدان، أو يرجع إلى اشتراط المتعاقدين، أو أحدهما.

2 - في الأحاديث دليل على ثبوت خيار المجلس في البيع، وهذا هو مذهب الجمهور[2].

3 - المجلس: هو موضع الجلوس، والمراد به هنا: استمرار الاتصال بين المتبايعين، ولو تحركا ولم يثبتا في مكان واحد، فلو قاما وتحركا إلى مكان آخر، فلا يزالان في خيار المجلس ما داما معًا.

4 - مرجع التفرُّق إلى العرف؛ فإذا كانا في مسجد كبير، أو سوق؛ فيحصل التفرق بأن يمشـي أحدهما مستدبرًا صاحبه خطوات، وإن كانا في بيت، فصعد أحدهما إلى الطابق الثاني، أو دخل الحمام، فقد حصل التفرق، ونحو ذلك مما يقضي له العرف بأنه تفرق.

5- ودل حديث حكيم بن حزام على مشروعية خيار المجلس أيضًا.

6- وفيه وجوب الصدق وتحريم الكذب في البيع بذكر مقدار أصل الثمن في الإِخبار، وما في الثمن أو السلعة من عيب وغيره.

7 - خيار العيب مجمع عليه بشرط أن يكون العيب موجودًا في المبيع قبل البيع، لا أنه حدث بعد قبض المشتري، فإن كان العيب قد حدث بعد القبض، فهو من ضمان المشتري، وهذا مجمع عليه كذلك[3].

8 - ودل حديث عمرو بن شعيب على تحريم التحايل لإسقاط خيار المجلس، فليس لأحد المتعاقدين في المجلس أن يبادر بالمفارقة؛ خشية أن يرجع الآخر عن البيع.

9 - ودل حديث ابن عمر على إثبات الخيار في حالة الغبن، وقد قال بمشروعية خيار الغبن الحنابلة، والظاهرية، ومالك في أحد قوليه[4]، ويثبت خيار الغبن عند الحنابلة في ثلاث صور: تلقي الركبان، النجش -وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها- المسترسل الجاهل بالقيمة من بائع ومشتر ولا يحسن أن يماكس فله الخيار إذا غبن الغبن المذكور[5]. واشترط الحنابلة لصحة هذا الخيار شرطين:

الأول: أن يكون الغبن فاحشًا خارجًا عن العادة، فالغبن اليسير لا يؤثر؛ لأنه نادرًا ما تسلم منه العقود.

والثاني: أن يكون المغبون جاهلًا غير عالم بالغبن ووقوعه فيه عند التعاقد، لأنه إذا كان عالمًا بالغبن، ومع هذا أمضى العقد، فإنه يدل على رضاه به.

10- لا يتطلب ثبوت الخيار التعبير بصيغة معينة، فكما يحصل بلفظ اشتراط (الخيار) يحصل بكل لفظ يدل على ذلك المراد، قال النووي: (اشتهر في الشـرع أن قوله: «لا خلابة» عبارة عن اشتراط الخيار ثلاثة أيام، فإذا أطلق المتعاقدان هذه اللفظة، وهما عالمان بمعناها كان كالتصريح بالاشتراط، وإن كانا جاهلين لم يثبت الخيار).

11 - وفيه دليل كذلك على إثبات خيار الشرط، وجواز اشتراط الخيار هو قول الجمهور خلافًا للظاهرية[6]، والراجح قول الجماهير، فقد جعل النبي ﷺ للمشتري اشتراط الخيار في بيعه، وأن وجود مثل هذا الشـرط لا ينافي العقد، فدل ذلك على صحته، وجوازه.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

قال ابن القيم: (أثبت الشارع خيار المجلس في البيع حكمة ومصلحة للمتعاقدين، وليحصل تمام الرضا الذي شرطه الله تعالى فيه بقوله: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء: 29]؛ فإن العقد قد يقع بغتة من غير ترو ولا نظر في القيمة، فاقتضت محاسن هذه الشريعة الكاملة أن يجعل للعقد حريمًا يتروى فيه المتبايعان، ويعيدان النظر، ويستدرك كل واحد منهما عيبًا كان خفيًا، فلا أحسن من هذا الحكم، ولا أرفق لمصلحة الخلق، فلو مكن أحد المتعاقدين الغابن للآخر من النهوض في الحال، والمبادرة إلى التفرق؛ لفاتت مصلحة الآخر، ومقصود الخيار بالنسبة إليه)[7].

طريقة الاستدلال:

1 - ذكر العلماء أن مرجع التفرق إلى العرف؛ لأن كل ما لم يضع الشارع له حدًا فإنه يرجع فيه إلى العرف، والقاعدة: أن كل ما ورد به الشرع مطلقًا، ولا ضابط له فيه، ولا في اللغة، فإنه يرجع فيه إلى العرف، ومثَّلوه بالحرز في السرقة، والتفرُّق في البيع[8].

2- الخيار ينقطع ولو فارق أحد الطرفين عمدًا وحيلة خشية أن يستقيل الطرف الآخر؛ لوجود التفرق، فإنه متى حصل التفرق لزم العقد، قصدا ذلك أو لم يقصداه، علماه أو جهلاه، لأن النبي ﷺ علق الخيار على التفرق، وقد وجد.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة