باب الصداق
قال تعالى: ﴿ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﴾ [النساء: 25] قال ابن كثير: (أَيْ: وَادْفَعُوا مُهُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ).
1049- عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ»، أخرجه أبو داود، وصحَّحه الحاكم. [قال أبو داود في سننه (2117): يخاف أن يكون هذا الحديث ملزقا لأن الأمر على غير هذا].
1050- وعن أبي سلمة بن عبد الرّحمن أنّه قال: «سَألتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ الله ﷺ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا. قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ. فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ الله ﷺ لِأَزْوَاجِهِ»، رواه مسلم.
1051- وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: «لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ: «أَعْطِهَا شَيْئًا»، قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ. قَالَ: «فَأَيْنَ دِرْعُكَ الحُطَمِيَّةُ؟» رواه أبو داود والنسائي، وصحَّحه الحاكم. [وابن حبان في الصحيح (6945)، وغيره].
1052- وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنّ النّبيّ ﷺ قال: «مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ سَوِيقًا، أَوْ تَمْرًا، فَقَدْ اسْتَحَلَّ»، أخرجه أبو داود، وأشار إلى ترجيح وقفه. [وكذلك العقيلي في الضعفاء (3/ 231)، وقال الحافظ في فتح الباري (9/ 211): (قد وردت أحاديث فى أقل الصداق، لا يثبت منها شيء)].
1053- وعن عامر بن ربيعة رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ أَجَازَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ عَلَى نَعْلَيْنِ»، أخرجه التّرمذيّ وصحَّحه، وخولف في ذلك. [قال أبو حاتم في العلل (1276): منكر].
1054- وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: «زَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا امْرَأَةً بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ»، أخرجه الحاكم، وهو طرف من الحديث الطّويل المتقدّم في أوائل النّكاح.
1055- وعن عليٍّ قال: «لَا يَكُونُ الـمَهْرُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ»، أخرجه الدراقطني موقوفًا، وفي سنده مقال. [ضعَّفه البيهقي في الكبير (14/ 504)، وغيره، وانظر تضعيفه في سنن الدارقطني (3/ 244)].
- أُوقِيَّةً: الأوقية: أربعون درهمًا، ووزن الدرهم = 2.97 جم فضة، والمهر خمسمائة درهم، فيكون مقداره بالجرامات (1487) جم فضة تقريبًا، والخسمائة درهم تساوي خمسين دينارًا، لأن الدينار كان يصرف بعشرة دراهم، ووزن الدينار = 4.25 جم ذهب، فيكون مقدار المهر بالجرامات الذهب (212) جم تقريبًا.
- وَنَشًّا: النش نصف أوقية.
- دِرْعُكَ الحُطَمِيَّة: منسوبة إلى حطمة بن محارب، وهم قوم يعملون الدّروع.
- سَوِيقًا: هو دقيق القمح المقليّ أو الذرة أو الشعير أو غيرها.
1 - في الأحاديث دليل على أن المهر واجب للمرأة، وهو أمر مجمع عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ [النساء: 4][1].
2 - وعن حديث أبي سلمة بن عبد الرّحمن قال الإمام النووي: (استدلَّ أصحابنا بهذا الحديث على أنه يستحبُّ كون الصَّداق خمسمائة درهم، والمراد في حق من يحتمل ذلك، فإن قيل: فصداق أم حبيبة زوج النبي كان أربعة آلاف درهم وأربعمائة دينار: فالجواب: أنَّ هذا القدر تبرَّع به النجاشيّ من ماله إكرامًا)[2].
3 - في حديث جابر بن عبد الله، وحديث عامر بن ربيعة، وحديث سهل بن سعد دليل على أنه لا حد لأقل المهر، بل كل ما كان مالًا جاز أن يكون مهرًا، وهذا قول الشافعية والحنابلة، مع استحبابهم ألا ينقص عن عشرة دراهم؛ خروجًا من الخلاف [3].
4 - ودلَّت الأحاديث على أن قبضة السويق، وخاتم الحديد، والنعلين، وتعليم القرآن، وإسلام الزوج: يصح تسميتها مهرًا، وتحل بها الزوجة. كما دلت على أن المغالاة في المهر مكروهة في النكاح، وأنها من قلة بركته وعُسره[4].
5- وأفادت الأحاديث أنه يستحب تسمية المهر للنكاح؛ لأنه أقطع للنزاع وأنفع للمرأة، فلو عقد بغير ذكر صداق صح، ووجب لها مهر المثل بالدخول[5]. ولا يجوز التواطؤ على ترك المهر، ولا يسقط ولو أسقطته المرأة، ولكن لو وهبته له، أو أبرأته منه بعد ثبوته لها، فيجوز ذلك بالإجماع [6].
6- ودلَّ حديث عليّ رضي الله عنه على أنّ الحد الأدنى للمهر هو عشرة دراهم، وهو قول الحنفية، وقال المالكية: أقله ربع دينار ذهبًا، أو ثلاثة دراهم فضة. وهذا قياس منهم على حد السرقة، فنصاب السرقة الذي فيه القطع عند الحنفية: عشرة دراهم، وعند المالكية: ربع دينار ذهبًا، أو ثلاثة دراهم فضة[7]. وفي الأحاديث السابقة، وقوله ﷺ: «التمس ولو خاتما من حديد» ردٌّ عليهم، بالإضافة إلى ضعف حديث علي.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - في حديث عقبة بن عامر دليل على أفضلية النكاح مع قلة المهر، وأن الزواج بمهر قليل مندوب إليه؛ لأن المهر إذا كان قليلًا لم يستصعب النكاح من يريده، فيكثر الزواج المرغب فيه، ويقدر عليه الفقراء، ويكثر النسل الذي هو أهم مطالب النكاح، بخلاف ما إذا كان المهر كثيرًا، فإنه لا يتمكن منه إلا أرباب الأموال، فيكون الفقراء الذين هم الأكثر في الغالب غير مزوجين، فلا تحصل المكاثرة التي أرشد إليها النبي ﷺ [8].
2 - الصداق لم يقصد على أنه عوض فقط، وإنما قصد على أنه نحلة وهدية، يكرم بها الرجل زوجته عند دخوله عليها، ومقابلته لها، جبرًا لخاطرها، وإشعارًا بقدرها[9].
3 - في حديث ابن عباس دليل على أن الأولى في حق الفقير أن يكون المهر المقدم منه للمرأة يسيرًا، فقد زوج النبي ﷺ ابنته لعليّ رضي الله عنه، وطلب إليه لما يعلم من حاله أن يصدقها درعه الحطمية، كما زوج عليه ﷺ المرأة التي وهبت نفسها له من الصحابي الفقير، وجعل صداقها ما يحفظ من القرآن، وتزوجت أم سليم أبا طلحة، وجعلا صداق ما بينهما إسلامه، كما تزوج عبد الرحمن بن عوف بزنة نواة من ذهب [10].
4 - وفيها دليل على أن الشارع يرغب في الزواج والإقدام عليه، والحث على تخفيف المهر لئلا يكون حجر عثرة في سبيل طريق هذا العقد الخيري الذي يحصل به إعفاف الجنسين، وحصول الذرية، وتحقيق مباهاة النبي ﷺ بتكثير سواد أمته في الدنيا، ليكونوا قوة في وجه عدوهم، وفي القيامة حينما يباهي بكثرتهم الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام[11].
1 - أحيانًا يطلق الكل ويراد به الأكثر -كما سبق معنا في صيام شعبان- وإطلاق الحديث بأن جميع الزوجات كان صداقهن ما سبق ذكره؛ محمول على الأكثر، وإلا فخديجة وجويرية بخلاف ذلك، وصفية كان عتقها صداقها، وأم حبيبة أصدقها عنه النجاشي أربعة آلاف درهم[12].
2 - قياس أقل المهر على أول ما يقطع به يد السارق قياس ضعيف، قال ابن القيم: (وهو من أفسد القياس، وأين النكاح من اللصوصية؟! واستباحة الفرج من قطع اليد؟!)[13].
جعل العتق صداقًا وما يهدى للمرأة:
قال تعالى: ﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ٢٧ قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ۖ وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ [القصص: 27، 28].
دلالة الآية واضحة وقد سمى الله المهر أجرًا في مواضع من كتابه، وهو يقع على الجزاء المقابل سواء كان مالًا أو منفعة.
1056- عن أنس رضي الله عنه: «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا»، متّفق عليه.
1057- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ عَلَى صَدَاقٍ، أَوْ حِبَاءٍ، أَوْ عِدَةٍ، قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ، فَهُوَ لَهَا، وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ، فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ، وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ ابْنَتُهُ أَوْ أُخْتُهُ»، رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي. [ضعيف لانقطاعه، فيما نقله الترمذي في العلل الكبير (ص:108)].
- أيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ: أي تزوجت.
- حِبَاء: هو عطية خاصة، وتسمى: الحلوان. وهو ما تعطاه المرأة أو غيرها زيادة على مهرها.
- عِدَةٍ: أي وعد بعطية.
1 - في حديث أنس دليل على جواز أن يجعل الصداق عتقًا، وأن العتق والمهر صحيحان[14].
2 - وفي حديث عمرو بن شعيب دليل على أن المرأة تستحق جميع ما يذكر قبل العقد من صداق أو حباء أو عدة؛ ولو كان ذلك الشيء مذكورًا لغيرها، وأن ما يذكر بعد عقد النكاح فهو لمن جُعل له، سواء كان وليًّا أو غير ولي، أو المرأة نفسها [15].
3 - يجوز للمهدي الرجوع عن الهدايا في حال العدول عن الخطبة إذا لم يكن هو المتسبب في العدول، بل كان العدول من الطرف الآخر، فإن كان العدول من طرفه هو، فلا يحق له أن يستردّ شيئًا من الهدايا سواء كانت قائمة أو مستهلكة، وهو قول الحنابلة، والأوجه عند المالكية، واختيار شيخ الإسلام[16].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
دل زواجه ﷺ بصفية على كمال رأفته، فهذه أرملة فقدت أباها مع أسرى بني قريظة المقتولين، وفقدت زوجها في خيبر، وهما سيدا قومهما، ووقعت في الأسر، وبقاؤها تحت أتباعه زوجة أو أمة ذل وكسر لعزها، ولا يرفع شأنها، ويجبر قلبها إلا أن تنقل من سيد إلى سيد، فكان هو أولى بها ﷺ[17].
الجواب على القول بخصوصية ما جاء في حديث أنس: أن الأصل عدم الخصوصية؛ قال ابن القيم: (ولم يقل النبي ﷺ: هذا خاص بي، ولا أشار إلى ذلك مع علمه باقتداء أمته به، ولم يقل أحد من الصحابة: إن هذا لا يصلح لغيره، بل رووا القصة ونقلوها إلى الأمة، ولم يمنعوهم ولا رسول الله ﷺ من الاقتداء بـه في ذلك)[18].
استحقاق المرأة للصداق والمتعة:
قال الله تعالى: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ٢٣٦ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾ [البقرة: 236، 237] في الآية التفصيل في الصداق بين المدخول بها وغير المدخول بها.
وقال الله تعالى ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 241].
قال ابن كثير: (وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى وُجُوبِ المُتْعَةِ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُفَوَّضَةً أَوْ مَفْرُوضًا لَهَا أَوْ مُطَلَّقًا قَبْلَ الْمَسِيسِ أَوْ مَدْخُولًا بِهَا، وَهُوَ قَوْلٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ -رَحِمَهُ الله- وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ).
1058- عن علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه: «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا العِدَّةُ، وَلَهَا الـمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: قَضَـى رَسُولُ الله ﷺ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ -امْرَأَةٍ مِنَّا- مِثْلَ مَا قَضَيْتَ، فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ». رواه أحمد والأربعة، وصحَّحه التّرمذيّ وجماعة. [كابن مهدي فيما نقله الحافظ في التلخيص الحير (5/2380)، والبيهقي في الكبير (14/516)، وغيرهما].
1059- وعن عائشة رضي الله عنها أَنَّ عَمْرَةَ بِنْتَ الـجوْنِ تَعَوَّذَتْ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ حِينَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ -تَعْنِي لَمَّا تَزَوَّجَهَا- فَقَالَ: «لَقَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ»، فَطَلَّقَهَا، وَأَمَرَ أُسَامَةَ فَمَتَّعَهَا بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ. أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده راو متروك، وأصل القصة في الصحيح من حديث أبي أسيد الساعدي.
أبو أسيد الساعدي: مالك بن ربيعة بن عامر بن عوف بن حارثة الخزرجي الأنصاري، شهد بدرًا، والمشاهد كلها مع النبي ﷺ، اختلف في وفاته اختلافًا عجيبًا، فقيل: توفي سنة (30)، وقيل: توفي سنة (60)، وعليه يكون هو آخر من مات من البدريين.
- ولم يفرض: أي: لم يقدر ولم يعين لها صداقًا.
- ولم يدخل بها: أي: لم يجامعها، ولم يخل بها خلوة صحيحة.
- مثل صداق نسائها: أي: نساء قومها.
- لا وكس: أي: لا نقص.
- ولا شطط: أي: ولا زيادة.
- ابْنَةَ الجَوْن: قال الصنعاني: (اختلف في اسم ابنة الجون المذكورة اختلافًا كثيرًا، ونفع تعيينها قليل، فلا نشتغل بنقله)[19].
- معنى «أعوذ بالله» أي: ألتجئ وأعتصم وأتحرّز وأستجير.
1 - إذا دخل الزوج بزوجته، وكان قد سمى لها مهرًا، فإنه يلزمه كله بالدخول، أو الخلوة الصحيحة؛ لأنه تحقق به تسليم المبدل، وإن كان قد طلقها قبل الدخول بها فإنه يلزمه نصف المهر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ [البقرة: 237].
2 - وفي حديث ابن مسعود دليل على أن المرأة تستحق كمال المهر بالموت إن سُمِّي لها. وإن لم يسمَّ لها ولا دخل بها الزوج تستحق مهر مثلها، وهذا هو قول أبي حنيفة وأحمد [20].
3 - وفي حديث عائشة دليل على مشروعية المتعة للمطلقة قبل الدخول، واتفق الأكثر على وجوبها في حق من لم يسمِّ لها صداقًا؛ وقد قال الله تعالى: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ [البقرة: 236]، وظاهر الأمر الوجوب.
4 - وأما تمتيع من لم يسمِّ الزوج لها مهرًا، ودخل بها، ثم فارقها، فقد اختلف في ذلك، فذهب عليٌّ وعمر والشافعي إلى وجوبها أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 241]، وذهبت الحنفية إلى أنه لا يجب إلا مهر المثل لا غير، قالوا: وعموم الآية مخصوص بمن لم يكن قد دخل بها، والذي خصَّه الآية الأخرى التي أوجب فيها المتعة؛ لأنه شرط فيها عدم المس، وهذا قد مس[21].
5 - إنما طلقها ﷺ لأن قولها ذلك يدل على كرهها له، وقد أخذ أهل العلم منه أن من خصائصه ﷺ حرمة نكاح من كرهت صحبته، قال أبو حفص الأنصاري في غاية السول في خصائص الرسول: (وجدير أن يكون الأمر كذلك لما فيه من الإيذاء، وقيل إنما كان يفارقها تكرُّمًا).
حديث عائشة فيه دلالة فعل من النبي ﷺ، فلا تدل على الوجوب، إلا أن الذي دلَّ على الوجوب هو الأمر بالمتعة في الآية.