حجم الخط:

محتوى الدرس (66)

مستحبَّات الصِّيام ومكروهاته:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة: 187].

دلَّت الآية على استحباب تعجيل الفطر ونُهي عن الوصال؛ لأن الله جعل نهاية صيام اليوم بدخول الليل، ثم حثَّ على الأكل والشرب، والأصل المسارعة إلى الامتثال.

[الأحاديث]

658- عن سهـل بن سعد رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ»، متفق عليه.

659- وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: قَالَ الله عز وجل: «أَحَبُّ عِبَادِي إلىَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا»، رواه الترمذي. [ضعَّفه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (5/ 339) ].

660- وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس؛ فقد أفطر الصائم»، متفق عليه.

661- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»، متفق عليه.

662- وعنه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: «تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قام إلى الصلاة. قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية»، متفق عليه.

663- وعن سلمان بن عامر الضبي رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ»، رواه الخمسة، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.

664- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْـمُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ يَا رَسُولَ الله تُوَاصِلُ؟ قَالَ: «وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي». فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الهِلَالَ، فَقَالَ: «لَوْ تَأَخَّرَ الهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ»، كَالْـمُنَكِّلِ لَـهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا. متفق عليه.

665- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر»، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله. قال: «لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقين»، رواه البخاري.

ترجمة الراوي:

سلمان بن عامر الضبي، له صحبة، نزل البصرة، وله بها دار بقرب الجامع، قال مسلم: لم يكن فى الصحابة ضبِّيٌ غيره، وردَّ ذلك ابن حجر، عاش إلى خلافة معاوية.

التوضيح:

- إذا أقبل الليل من ههنا: أي: من جهة المشرق.

- وأدبر النهار من ههنا: أي: ذهب من جهة المغرب.

- فقد أفطر الصائم: أي: دخل وقت فطره.

- الوصال: أن يصل صوم النهار بإمساك الليل مع صوم الذي بعده من غير أن يطعم شيئًا.

- يطعمني ربي ويسقيني: المراد: ما يعطيه الله تعالى من قوة الطاعم والشارب؛ لاستغنائه عن الطعام والشراب بما في قلبه من ذكر الله تعالى، والأنس بمناجاته، فلا يتأثر بالوصال، وأما غيره ﷺ، فلا يحصل له ذلك، وليس الحديث على ظاهره وهو أنه طعام وشراب حسـي؛ لأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلًا.

- لو تأخر لزدتكم: أي: لو تأخر الشهر لزدتكم في الوصال إلى أن تعجزوا عنه، فتسألوا التخفيف عنكم بتركه.

- كالمنكِّل لهم: أي: كالمعاقب لهم.

- كهيئتكم: حالكم وصفتكم.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث سهل، وحديث أبي هريرة الأول، دليل على استحباب تعجيل الإفطار حين غروب الشمس، وأن من حرص على السنن يستحق محبة الله تعالى.

2 - ضابط التعجيل المشروع ما ذكره شيخ الإسلام، قال: (ويستحب التعجيل إذا غاب القرص مع بقاء تلك الحمرة الشديدة، ويستدل على مغيبها باسوداد ناحية المشرق، وإذا تيقن أو غلب على ظنه مغيبها جاز له الفطر، وليس عليه أن يبحث بعد ذلك. قاله أصحابنا، فأما مع الشك فلا يجوز له الفطر، والاختيار أن لا يفطر حتى يتيقن الغروب)[1].

3 - قال ابن دقيق العيد: (فيه دليل على الرد على المتشيعة الذين يؤخرون إلى ظهور النجم، ولعل هذا هو السبب في كون الناس لا يزالون بخير ما عجلوا الفطر؛ لأنهم إذا أخروه كانوا داخلين في فعل خلاف السنة، ولا يزالون بخير ما فعلوا السنة)[2].

4 - وفي حديث عمر أيضًا دليل على استحباب تعجيل الفطر، وأنه لا يجب إمساك جزء من الليل مطلقًا، بل متى تحقق غروب الشمس حلّ الفطر[3].

5 - قوله: «فقد أفطر الصائم» يحتمل معنيين:

أ - إما أنه أفطر حكمًا بدخول الإفطار ولو لم يتناول مفطرًا، ويكون الحث على تعجيل الفطر في بعض الأحاديث معناه الحث على فعل الإفطار حسًا ليوافق المعنى الشرعي.

ب- وإما أن يكون دخل في وقت الإفطار، كما تقول: أنْجَدَ، لمن دخل (نجدًا)، ويكون الحث على تعجيل الفطر على بابه وهذا أولى. ويؤيده رواية البخاري «فقد حلَّ الإفطار»[4].

6 - ينبني على هذين المعنيين حكم الوصال. فإن قلنا: معنى: «فقد أفطر الصائم»: أفطر حكمًا، فالوصال باطل؛ لأنه لا يمكن. وإن قلنا: معناه فقد دخل في وقت الفطر، فيكره مع اقترانه بالنَّهي عن الوصال.

7 - وفي حديث زيد بن ثابت دليل على استحباب التغليس بصلاة الفجر.

8 - وفي حديثي أنس وزيد دليل على مشروعية السحور، وهو مجمع عليه، قال النووي: (فيه الحث على السحور، وأجمع العلماء على استحبابه، وأنه ليس بواجب)[5].

9 - وفي حديث سلمان بن عامر دليل على أن السنة أن يكون الفطر بالرطب والتمر، والرطب مقدم على التمر؛ لحديث أنس عند الترمذي، فمن لم يجد التمر، فإن السنة أن يفطر على ماء، ويقدمه على غيره.

10- من السنن التي يغفل عنها كثير من الناس التسحر بالتمر فقد روى أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «نعم سحور المؤمن التمر».

11- وفي حديث أبي هريرة الثاني دليل على أن الوصال في الصيام منهي عنه، والجمهور على كراهة الوصال، وذهب الشافعية في أحد الوجهين إلى أنه محرم [6]، والأظهر جواز الوصال إلى السَّحَر، وما زاد على ذلك فهو مكروه، وهو قول أحمد، وإسحاق، وجماعة من المالكية، وابن خزيمة، وطائفة من أهل الحديث[7]، وذلك لما أخرجه البخاري عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لاَ تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ».

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - من يُسر الشريعة وسماحتها: الحث على تعجيل الفطر.

2 - الخير المشار إليه في قوله ﷺ: «لا يزال الناس بخير» هو اتباع السنة، ولا شك أنه سبب خيري الدنيا والآخرة؛ ففي سنن أبي داود: «لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون الإفطار إلى اشتباك النجوم»، ونحوه في الصحيحين، فالشارع الحكيم يطلب من المسلمين ألا يشابهوا أهل الكتاب في عباداتهم، فتعجيل الفطر شعار يفرق بين صيام أهل الإسلام وأهل الكتاب، وبين سوء المخالفة، وحسن الاتباع والاقتداء[8].

3 - البركة الحاصلة من السحور: ما فيه من امتثال الأمر الشرعي، فطاعة الله تعالى هي امتثال أمره، واجتناب نهيه.

ومن بركته: أن السحور يعطي الصائم قوة لا يمل معها الصيام، بخلاف من لا يتسحر، فإنه يجد مشقة تثقل عليه الصيام والعبادة.

ومن بركة السحور: أنه يكون سببًا للانتباه من النوم وقت السحر، وهو وقت استغفار ودعاء، وفيه ينزل الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا، ينادي عباده ليسألوه مطالبهم ورغباتهم.

ومن بركة السحور: صلاة الفجر مع الجماعة، في وقتها الفاضل، ولذا تجد المصلين في صلاة الفجر في رمضان أكثر منهم في غيره من الشهور؛ لأنهم قاموا من أجل السحور[9].

4 - وفي حديث زيد دليل على استحباب تأخير السحور؛ ليكون أعون على الصوم، فيستحب تأخيره إلى قبيل الفجر كما كان النبي ﷺ يؤخره حتى ما يبقى على الفجر إلا قدر خمسين آية متوسطة، لا طويلة ولا قصيرة ولا سريعة ولا بطيئة، قال ابن أبي جمرة: كان ينظر ما هو الأرفق بأمته، لأنه لو لم يتسحر لاتبعوه فيشق على بعضهم، ولو تسحر في جوف الليل لشق على بعضهم ممن يغلب عليه النوم، فقد يفضي إلى ترك الصبح، أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر[10].

5 - ينبغي للمسلم ألا يقوم بأموره العادية مجردة عن النية الصالحة، بل يمرن نفسه على أن تكون أعماله العادية عبادات لله تعالى، وذلك باستحضار إرادة هذه المعاني السامية؛ لتصبح كل تصرفاته عبادة لله تعالى، ومادة خير وبركة تعود عليه بالثواب والأجر[11].

6 - قوله ﷺ: «إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ»: وهذا من كمال شفقته ﷺ على أمته ونصحه؛ قال ابن القيم عن التمر: (وهو مقو للكبد، ملين للطبع، يزيد في الباه، ولا سيما مع حب الصنوبر، ويبرىء من خشونة الحلق... وهو من أكثر الثمار تغذية للبدن بما فيه من الجوهر الحار الرطب، وأكله على الريق يقتل الدود،... وهو فاكهة وغذاء، ودواء وشراب وحلوى)[12]. وقال الدكتور صبري القباني: (التمر غني بعدد من أنواع السكر، فهو يتحلل رأسًا إلى الدم فالعضلات؛ ليهبها قوة).

وقد أثبت الطب الحديث صحة سنة الرسول ﷺ الأعظم في الصيام والإفطار؛ فالصائم يستنفد السكر المكتنز في خلايا جسمه، وتهبط نسبة السكر في الدم عن حدها المعتاد، وهو الذي يسبب ما يشعر به الصائم من ضعف وكسل وزوغان في البصر؛ لذا كان من الضروري أن نمد أجسامنا بمقدار وافر من السكر ساعة الإفطار؛ لتعود إليه قواه سريعًا[13].

7 - بالنسبة لجواز الوصال إلى السحر، قال ابن القيم عن هذا القول: (إنه أعدل الأقوال وأسهله على الصائم، وهو في الحقيقة بمنزلة عشائه إلا أنه تأخر، فالصائم له في اليوم والليلة أكلة، فإذا أكلها في السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره، والله أعلم)[14].

8 - الحكمة -والله أعلم- في النهي عن الوصال: هو ما يحصل به من الضعف والسآمة، والعجز عن المواظبة على كثير من وظائف الطاعات، والقيام بحقوقها. مع ما فيه من الضرر الحاصل أو المتوقع، وإنهاك البدن، والتعرُّض للتقصير في بعض وظائف الدين، ووظائف الدنيا[15].

9 - وفي الأحاديث النهي عن الغلو في الدين؛ فإن الشريعة المحمدية هي الشريعة السمحة المقسطة، والتكاليف الشرعية شرعت بقدر طاقة الإنسان، فهي مقدرة من الرب الحكيم العليم[16].

طريقة الاستدلال:

1 - قاعدة: (التكاليف الاعتقادية والعملية تكون مما يسع الأمي تعقلها، ليسعه الدخول تحت حكمها):

- أما الاعتقادية؛ فبأن تكون من القرب للفهم، والسهولة على العقل، بحيث يشترك فيها الجمهور، من كان منهم ثاقب الفهم أو بليدًا؛ فإنها لو كانت مما لا يدركه إلا الخواص لم تكن الشريعة عامة، ولم تكن أمية، وقد ثبت كونها كذلك، فلا بد أن تكون المعاني المطلوب علمها واعتقادها سهلة المأخذ.

- وأما العمليات، فمن مراعاة الأمية فيها: أن وقع تكليفهم بالجلائل في الأعمال والتقريبات في الأمور، بحيث يدركها الجمهور كما عرَّف أوقات الصلوات بالأمور المشاهدة لهم، كتعريفها بالظلال، وطلوع الفجر والشمس، وغروبها وغروب الشفق. وفي الحديث: «إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم»، وقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين». ولم يطالبنا بحساب مسير الشمس مع القمر في المنازل، لأن ذلك لم يكن من معهود العرب ولا من علومها، ولدقة الأمر فيه، وصعوبة الطريق إليه[17].

2 - ظاهر النهي يدل على تحريم الوصال، ومواصلة النبي ﷺ بأصحابه قَصَدَ بها التنكيل وليس التقرير، لقوله: «كالمنكل لهم»، وما كان طريقه العقوبة لا يكون من الشريعة.

3 - وحديث عمر يدل عليه كذلك من جهة: أن الشرع لم يجعل الليل محلًا لسوى الفطر وانتهاء وقت الصيام، فالوصال فيه مخالفة لوضعه؛ كيوم الفطر.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة