كتاب الحج
باب فض
ل الحج وبيان من فُرِض عليه
قال الله تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ۚ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197] وشرعت الآيات بعدها في تفصيل بعض من أحكام الحج، وختمت ذلك بقول الله تعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [البقرة:202]، وهذا يدل على فضل الحج وعظيم ثوابه.
وقال الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 97]. دلَّت الآية على وجوب الحج؛ فإن (على) تستعمل في الحق اللازم، ثم ذكر الله تعالى أن ترك المستطيع للحج بلا عذر كفر، وهذا يبيِّن شرط الاستطاعة ويؤكد عظم هذا الفرض.
وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ﴾ [المائدة: 2] في الآية إخبار من الله أن الحج طريق إلى فضله ورضوانه الذي لا يكون إلا لأهل الجنة.
717- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْـحَجُّ الـمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الـجَنَّةَ»، متفق عليه.
718- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خَطَبَنَا رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ الله كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْـحَجَّ» فَقَامَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَفِي كَلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ، الْـحَجُّ مَرَّةٌ، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ»، رواه الخمسة غير الترمذي، وأصله في مسلم من حديث أبي هريرة. [صحَّحه الحاكم في المستدرك (1749)، وابن الملقن في البدر المنير (6/8)].
719- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْـحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ» رواه ابن ماجه، وأصله في البخاري. [صحَّحه ابن خزيمة في الصحيح (3074)، ولفظة (العمرة) شاذة، وانظر: نصب الراية (3/ 148)].
720- وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَخْبِرْنِي عَنْ العُمْرَةِ، أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: «لَا. وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ»، رواه أحمد والترمذي والراجح وقفه. [ضعَّفه أحمد في المسائل (رواية ابن هانئ 2216) وغيره، وقال النووي في المجموع (6/7): اتفق الحفاظ على تضعيفه].
721- وأخرجه ابن عديٍّ من وجهٍ آخر ضعيف عن جابر رضي الله عنه مرفوعًا: «الْـحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ». [ضعَّفه الحافظ في التلخيص الحبير (4/ 1518)].
- العمرة إلى العمرة: أي: العمرة المنضمة مع عمرة أخرى، أو المنتهية إلى العمرة.
- الحج المبرور: أي: الذي ليس فيه إلا البر، وهو الذي لا يخلطه شيء من الإثم، فلا رياء فيه ولا سمعة، ولا رفث، ولا فسوق، ويكون بمال حلال».
1 - دلَّ حديث ابن عباس على وجوب الحج، وهو من أركان الإسلام، ومن أكبر فرائض الدين، وفرضيته ثابتة بالقرآن، والسنة القطعية، والإجماع[1].
2 - وفيه دليل على أنه لا يجب الحج في العمر إلا مرة واحدة، وأن ما زاد كان تطوعًا، وهو مجمع عليه [2].
3 - استدل الشافعية والحنابلة بحديث عائشة وحديث جابر برواية ابن عدي على أن العمرة واجبة مرة واحدة في العمر[3]، ولكن لفظة (العمرة) في الحديث ضعيفة، واستدلوا بأدلة أخـرى منها أن الله تعــالى جعلها قرينة الحـج في أكثر من آية، ومن ذلك قوله تعــالى: ﴿ ﭐ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 196]، بينما دل حديث جابر بروايته الأولى على أن العمرة ليست بواجبة، وهو قول الحنفية، والمالكية، ورجَّحه شيخ الإسلام[4]، والأدلة لا تنهض عند التحقيق على الإيجاب الذي الأصل عدمه[5].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - في حديث أبي هريرة بيان فضل العمرة، وأن من قام بعمرتين غُفر له ما بينهما، وفضل الحج المبرور، وأنه ينبغي تنزيه الطاعات عما يشوبها أو يبطل ثوابها.
2 - يُسر الشريعة وسماحتها؛ إذ لو وجب الحج كل عام لشَقَّ ذلك على الناس ولما استطاعوه.
3 - رفق الإسلام بالمرأة ومراعاته لخصوصياتها.
4- التحذير من التكلُّف في الأسئلة.
1 - يقتضي قوله: «ليس له جزاء إلا الجنة» أن جميع ذنوبه مغفورة، أو أن يدخلها مع السابقين، أو بغير عذاب سابق، وإلا فكل مؤمن يدخلها وإن لم يحج[6].
2 - قوله: «العمرة إلى العمرة»: الظاهر أنه يشترط لتحقق المغفرة القيام بعمرتين، فما بينهما يُغفر؛ وذلك أن الحكم المعلق بغاية لا يتحقق إلا بتحقق تلك الغاية.
3 - «كتب عليكم الحج»: لفظة (كتب) من الصيغ الدالة على الوجوب، وبيان أن الأمر حتم، لا خيار فيه.
4 - الأصل في الأمر أنه لا يدل على التكرار إلا بقرينة، وقد دل على ذلك حديث ابن عباس الذي بين أن الأمر لا يقتضي التكرار.
قال الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ [آل عمران: 97].
وقال تعالى: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [الحج: 29].
في آية آل عمران أن الاستطاعة شرط في وجوب الحج على المسلم المكلف، فإن (مَن) شرطية، والاستطاعة تشمل الزاد والراحلة وأمن الطريق والمحرم للمرأة.
وفي آية سورة الحج الأمر بالوفاء بالنذر لمن نذر بحج، وقد دل عليه فعل الأمر المؤكد بلام الأمر في كلمتي: ﴿ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ .
722- عن أنس رضي الله عنه قال: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ»، رواه الدارقطني وصحَّحه الحاكم، والراجح إرساله. [كما قال الدارقطني في العلل (9/164) وغيره].
723- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَخْطُبُ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِاِمْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرُ الـمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «انْطَلِقْ، فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ»، متفق عليه.
724- وعنه قال: كَانَ الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ الله ﷺ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ منْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ فَرِيضَةَ الله عَلَى عِبَادِهِ فِي الْـحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. متفق عليه.
725- وعنه: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللهَ، فَالله أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ»، رواه البخاري.
726- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ الحِنْثَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى»، رواه ابن أبي شيبة والبيهقي ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف. [ضعَّف المرفوع ابن خزيمة في الصحيح (3050)، والبيهقي في الكبير (9/202)، وابن عبد الهادي في المحرر (671)، وغيرهم].
727- وعنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: «مَنِ القَوْمُ؟» قَالُوا: الْـمُسْلِمُونَ. فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «رَسُولُ الله ﷺ» فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا. فَقَالَتْ: ألهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ: وَلَكِ أَجْرٌ»، رواه مسلم.
728- وعنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: «مَنْ شُبْرُمَةُ؟» قَالَ: أَخٌ لِي، أَوْ قَرِيبٌ لِي، قَالَ: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ»، رواه أبو داود وابن ماجه، وصحَّحه ابن حبان، والراجح عند أحمد وقفه. [وكذا عند الدارقطني في السنن (2664)، وابن معين فيما نقله الدارقطني في السنن (3/ 319)، وغيرهما، وينظر في ترجيح الوقف: نصب الراية (3/155)].
- لَقِيَ رَكْبًا: الركب أصحاب الإبل خاصة، ويستعمل في عشرة فما دونها.
- بِالرَّوْحَاءِ: الروحاء مكان قرب مكة على مسافة ما بين ثلاثين إلى أربعين ميلًا.
- فَقَالَوا: مَن أنت؟ قال: «رسول الله»: يحتمل أن هذا اللقاء كان ليلًا، فلم يعرفوه ﷺ، ويحتمل كونه نهارًا، لكنهم لم يروه ﷺ قبل ذلك؛ لعدم هجرتهم، فأسلموا في بلدانهم، ولم يهاجروا قبلها.
1 - تنقسم شروط وجوب الحج بحسب الأحاديث السابقة إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: شروط وجوب وصحة، وهما شرطان: الإسلام، والعقل، فلا يجب أداء الحج على كافر -مع أنه مخاطب به ومحاسب عليه- ولا على مجنون، ولا يصح منهما.
القسم الثاني: شروط وجوب وإجزاء، وهما شرطان أيضا: البلوغ، والحرية، وليسا شرطين للصحة، فلو حج الصبي والعبد صَحَّ حجهما، ولكن لم يجزئهما عن حجة الإسلام.
القسم الثالث: شرط وجوب فقط، يعني ليس شرطًا في الصحة، ولا شرطًا في الإجزاء، ويندرج تحته:
أ - الزوج أو المحرم للمرأة: يشترط أن يصحب المرأة في سفر الحج زوجها أو محرم منها، إذا كانت المسافة بينها وبين مكة ثلاثة أيام، وهي مسيرة القصر في السفر، وإلى هذا ذهب الحنفية والحنابلة، وتوسع الشافعية والمالكية فسوغوا الاستبدال بالمحرم، إن وجدت المرأة نسوة ثقات، أو رفقة مأمونة، واختار شيخ الإسلام جواز سفر المرأة لحج الفريضة دون محرم -إن عُدم- إذا أمنت على نفسها، وقال: وهذا متوجه في سفر كل طاعة [7].
ب - الاستطاعة وهي أربع خصال: القدرة على الزاد وآلة الركوب، وصحة البدن، وأمن الطريق، وإمكان السير فغير المستطيع لا يجب عليه الحج، وإذا تكلف الحج، فإنه يصح منه، ويجزئ عنه.
2 - في حديث أنس اشتراط الاستطاعة في وجوب الحج، وأن من لم يقدر على الحج فلا حج عليه، قال شيخ الإسلام: (الحج إنما يجب على من استطاع إليه سبيلًا، بنصِّ القرآن والسنة المستفيضة، وإجماع المسلمين)[8].
3 - وفيه بيان المراد من السبيل بأنه الزاد والراحلة، وهذا هو قول الجمهور، فمناط الوجوب وجود المال، فمن وجد المال وجب عليه الحج بنفسه أو بنائبه، ومن لم يجد المال لم يجب عليه الحج وإن كان قادرًا ببدنه[9].
4 - ودلَّ حديث ابن عباس الأول على اشتراط وجود المحرم للمرأة، فلا يجب عليها الحج إن لم تجد لها محرمًا يصاحبها، والاشتراط هنا للوجوب، لا للإجزاء، فلو حجت المرأة بغير محرم أجزأتها الحجة عن حجة الفرض مع الإثم عند الحنفية والحنابلة كما تقدم؛ لمخالفتها النهي عن السفر من غير محرم.
5 - محرم المرأة هو: زوجها، ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب، أو سبب مباح.
ومن تحرم عليه بنسب هم: آباؤها، وأبناؤها، وإخوانها، وبنو إخوتها وبنو أخواتها، وأعمامها، وأخوالها.
ومن تحرم عليه بسبب: إما بسبب كونه صهرًا؛ كزوج أمها، وزوج ابنتها، وأبو زوجها، وابن زوجها، وإما بسبب رضاع؛ فإنه يحرم منه ما يحرم من النسب[10].
6 - ليس في الحديث تحديد لمسافة السفر التي توجب المحرم على المرأة، فالرواية جاءت مطلقة، وقد جاءت أحاديث يحدد بعضها السفر بثلاثة أيام، وبعضها بيومين، وبعضها بيوم، وبعضها ببريد، والصحيح القول بموجب رواية ابن عباس المطلقة، وهو أنّ كل ما يُسمَّى سفرًا عرفًا تُنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم.
7 - قام الإجماع على تحريم خلوة الأجنبي بالأجنبية من غير ثالث معهما، ومع وجوده إذا كان ممن لا يستحى منه لصغره كابن سنتين وثلاث ونحو ذلك، وكذا على اجتماع رجال بأجنبية، بخلاف اجتماع رجل بنسوة أجانب فإن الصحيح جوازه لضعف التهمة هنا بخلاف الأول[11].
8 - وفي حديث ابن عباس الثاني دليل على جواز الحج عن العاجز ببدنه، فمن لا يستطيع الحج ببدنه، ولا يرجو البرء، كمن لا يستطيع الركوب، أو لا يثبت على المركوب، يلزمه أن يُنيب من يحجَّ عنه.
9 - ومن فوائد هذا الحديث وجوب إزالة المنكر باليد مع القدرة، فإنه ﷺ صرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، لـمَّا نظر إلى المرأة.
10- وفي حديث ابن عباس الثالث دليل على جواز قضاء الحجة المنذورة عن الميت، وتجوز النيابة عن الميت في هذه الحالة، ويدل على أن النذر يبقى في الذمة، ولا يسقط بالموت؛ كالدَّين، وإذا كان قضاء دين الآدمي يجزئ عنه بعد الموت، فدين الله أحق أن يجزئ؛ لأن الله أكرم بقبول القضاء.
11- تجوز النيابة في الحج أيضًا في حالة المتوفى الذي كان قد وجب عليه الحج، فمن أخَّر الحج حتى مات جاز أن يُخرج عنه من ماله ما يُحج به عنه، سواء أوصى بذلك أم لم يوصِ، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، ومذهب الحنفية والمالكية أنه يسقط عنه بموته، إلا أن يوصي بأدائه عنه، فإن أوصى به حج عنه من ثلث ماله[12].
12- وفي حديث ابن عباس الرابع دليل على أنه يشترط في إجزاء الحج: الحرية، فلا يجب الحج على العبد، ويصح منه حجه لو فعل، ولا يجزئه عن حجة الإسلام.
13- وفيه، وفي حديثه الخامس دليل على أنه لا يجب الحج على الصبي، ولكنه يصح منه، ولا يجزئه عن حجة الإسلام، ولا خلاف بين العلماء في جواز الحج بالصبيان[13].
14- وفي حديث ابن عباس الأخير دليل على أنه لا يجوز أن يحج النائب عن غيره إلا بعد أن يحج عن نفسه، والأدلة على جواز النيابة في الحج كثيرة، ولهذا ذهب الجمهور -خلافًا للمالكية- إلى أن النيابة في الحج مشروعة[14].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - من مقاصد الشريعة: سد الذرائع التي تُفضي إلى المحذور، وقطع الأسباب الموصلة إلى المنكر؛ كالخلوة والسفر مع غير المحرم، ومن عرف واقع الناس رأى عواقب الاستهتار بذلك!
2 - من مقاصد الشريعة أيضًا: ترتيب الأولويات، كما في قوله: «انطلق فحج مع امرأتك»، وكذا في قوله: «حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة».
3 - الحكمة العظيمة والتواضع الجمُّ في تصرف النبي ﷺ؛ حيث أردف الفضل بن عباس وهو من أصغر آل البيت؛ تواضعًا منه وخفضًا لجناحه للمؤمنين، فلذلك امتلأت القلوب بمحبته ﷺ .
4 - فضل الله تعالى على عباده؛ حيث لم يوجب على الصبي ولا على العبد حجًّا، لكن كتب لهما أجر ذلك، وكذلك يؤجر أولياؤهما؛ لتيسير الحج لهما وإعانتهما عليه.
1 - اختلفت الأحاديث في تقدير مسافة سفر المرأة بلا محرم؛ لاختلاف السائلين، واختلاف المواطن، قال البيهقي: كأنه ﷺ سُئل عن المرأة تسافر ثلاثًا بغير محرم؟ فقال: لا، وسُئل عن سفرها يومين بغير محرم؟ فقال: لا، وسئل عن سفرها يومًا؟ فقال: لا، وكذلك البريد، فأدَّى كل منهم ما سمعه، وما جاء منها مختلفًا عن رواية واحدٍ فسمعه في مواطن فروى تارةً هذا، وتارةً هذا، وكله صحيح، وليس في هذا كلِّه تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يرد عنه ﷺ تحديد أقل ما يسمَّى سفرًا، فالحاصل أن كل ما يُسمَّى سفرًا تُنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم، سواء كان ثلاثة أيام، أو يومين، أو يومًا، أو بريدًا، أو غير ذلك؛ لرواية ابن عباس المطلقة التي تتناول جميع ما يسمَّى سفرًا[15].
2 - قوله: «وَلَا تُسَافِرُ الـمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» عام في كل امرأة، فيشمل الشابة والعجوز، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: «أن تسافر» هو مطلق في كل سفر طويلاً كان أو قصيرًا، وهل هو عام في كل سفر طاعة أو مخصص؟ أما سفر الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام فاتفق العلماء على وجوبه وإن لم يكن معها أحد من محارمها، واختلفوا في سفر الحج كما تقدم.
3 - أمر النبي ﷺ الولي أن يحج عن الميت الذي نذر الحج، والأمر يقتضي الوجوب، لا سيما وقد شبهه بالدين الذي يجب قضاؤه من تركته، فإن كان من مال الميت فنعم، وإن كان ليس من ماله فالأمر للاستحباب، ويصرفه عن الوجوب قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾ [الأنعام: 164، الإسراء: 15، فاطر: 18].
4 - من أنواع الإيماء إلى العلة: ذكر الوصف الذي من أجله شرع الحكم أثناء الجواب، ومن ذلك قوله: «اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء»[16]، فقد بيَّن النبي ﷺ أن الحج دين في الذمة، وكل من عليه دين وجب أن يُقضى عنه من تركته.