حجم الخط:

محتوى الدرس (89)

باب الربا

حكم الربا:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة: 275]، وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: 278]، وقال الله تعالى: ﴿ لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة: 63]. في الآيات تصريح بتحريم الربا والنهي عنه، وإخبار من الله بلعن من أكل السحت وهو الحرام، ومنه الربا.

[الأحاديث]

854- عن جابر رضي الله عنه قال: «لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ»، رواه مسلم.

855- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النّبيّ ﷺ قال: «الرِّبَا ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ بَابًا أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ، وَإِنَّ أَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرَّجُلِ الْـمُسْلِمِ»، رواه ابن ماجه مختصـرًا، والحاكم بتمامه وصحَّحه. [منكر، أنكره البيهقي في الكبير (7/363)، وغيره].

التوضيح:

- آكل الربا: أي آخذه، وإنما خص بالأكل لأنه أعظم أنواع الانتفاع.

- وموكله: هو المديون.

- أربى الربا عرض الرجل المسلم: أي: انتهاك عرضه والوقيعة فيه.

الدلالات الفقهية:

1 - في الحديثين دليل على تحريم التعامل بالربا، والمعاونة فيه بأي وسيلة، وأنه من كبائر الذنوب، وقد أجمع المسلمون على تحريمه[1].

2 - ويدل الحديثان أيضًا على أن المعِيْن على تعاطي الربا -كالكاتب له أو الشاهد فيه- هما في الإثم والذنب كإثم وذنب المباشر لعقد الربا؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: 2]، فلا تجوز الإعانة على الباطل.

3 - تخصيص الأكل بالذكر في قوله «آكل الربا» لأنه الغالب في الانتفاع، وإلا فغيره من الانتفاع مثله.

4 - قال الشيخ ابن باز -رحمه الله-: (لا يجوز بيع أسهم البنوك ولا شراؤها؛ لكونها بيع نقود بنقود بغير اشتراط التساوي والتقابض؛ ولأنها مؤسسات ربوية لا يجوز التعاون معها لا ببيع ولا شراء لقول الله سبحانه: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: 2]. ولِمَا ثبت عن النبي ﷺ: «لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه»، وقال: «هم سواء»)[2].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - النظام الربوي نظام معيب من الوجهة الاقتصادية البحتة، وقد بلغ من سوئه أن تنبه لعيوبه بعض أساتذة الاقتصاد الغربيين أنفسهم، وهم قد نشأوا في ظله وأشربت عقولهم وثقافتهم تلك السموم التي تبثها عصابات المال في كل فروع الثقافة والتصور والأخلاق.

2 - سوَّى النبي ﷺ بين آكل الربا وموكله؛ إذ لا يتوصل إلى أكله إلا بمعاونته ومشاركته إياه، فهما شريكان في الإثم، كما كانا شريكين في الفعل، وإن كان أحدهما مغتبطًا، والآخر منهضمًا، والضرورة لا تلحقه؛ لأنه قد يجد السبيل إلى حاجته بوجه مباح من وجوه المعاملة[3].

3 - قال الطيبي: (إنما كان الربا أشد من الزنا؛ لأن فاعلَّه حاول محاربة الشارع بفعله، قال الله تعالى: ﴿ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: 279]؛ أي بحرب عظيمة، فتحريمه محض تعبُّد، وأما قبح الزنا فظاهر عقلًا وشرعًا، وله روادع وزواجر سوى الشرع، فآكل الربا يهتك حرمة الله، والزاني يخرق جلباب الحياء، فريحه يهب حينًا، ثم يسكن، ولواؤه يخفق برهة ثم يقر)[4].

طريقة الاستدلال:

اللعن لا يكون إلا على كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأن معناه الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وهذا وعيد شديد. وقد ضبط بعض العلماء الكبائر بأنها: كل ذنب قُرن به وعيد، أو حد، أو لعن[5].

أموال ومعاملات يجري فيها الربا:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٢٧٨ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ [البقرة:278-279].

قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: (وإنما حرمت المخابرة...والمزابنة...والمحاقلة...إنما حرمت هذه الأشياء وما شاكلها، حسمًا لمادة الربا؛ لأنه لا يُعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف. ولهذا قال الفقهاء: الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة).

[الأحاديث]

856- عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ»، متّفق عليه.

857- وعن عبادة بن الصّامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْـمِلْحُ بِالْـمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»، رواه مسلم.

858- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِبًا»، رواه مسلم.

859- وعن معمر بن عبد الله رضي الله عنه قال: إِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ الله يَقُولُ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ. رواه مسلم.

860- وعن أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ الله اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرٍ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟» فَقَالَ: لَا وَالله يَا رَسُولَ الله، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، والصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ الله : «لَا تَفْعَلْ، بِعِ الـجمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا»، وقال في الميزان مثل ذلك. متّفق عليه، ولمسلم: «وكذلك الميزان».

التوضيح:

- وَلَا تُشِفُّوا: أي: لا تفضلوا وتزيدوا في مقدار أحدهما عن الآخر.

- وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِز: المراد بالناجز الحاضر، وبالغائب المؤجّل.

- الذهب بالذهب: أي: يباع الذهب بالذهب مثلًا...إلخ.

- مثلًا بمثل: أي: حال كونهما متساويين في القدر.

- يدًا بيد: أي: نقدًا غير نسيئة.

- فمن زاد: على مقدار المبيع الآخر من جنسه.

- أو استزاد: أي: طلب الزيادة وأخذها.

- الجمع: هو التمر الرديء، أو الخليط من التمر.

- الجنيب: هو التمر الجيد.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث أبي سعيد دليل على وقوع الربا في الذهب والفضة، وقد أجمع الفقهاء على أنه يحرم ربا النَساء، وربا الفضل في الذهب، والفضة[6].

2 - وفي حديث عبادة دليل على تحريم ربا الفضل، وقد أجمع الفقهاء على أنه يحرم ربا النَساء، وربا الفضل في الأصناف الستة، وهي: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح؛ إذا كانت من نوع واحد، ويحرم النَساء ويباح الفضل فيها إذا اختلفت هذه الأنواع واشتركت في العلة، كالذهب بالفضة، والبر بالشعير[7]. وقد قرر الفقهاء أن التماثل يكون بمعيار الشـرع، فما كان موزونًا فبالوزن، وما كان مكيلًا فبالكيل، وما كان معدودًا أو مذروعًا فكذلك.

3 - وفي الحديث دليل على أنه إذا اختلف جنس المبيع، جاز أن تباع بأي زيادة، ويشترط أن يكون ذلك يدًا بيد إذا اتحدت علة التحريم، كبيع البر بالشعير، فإذا اختلفت العلة جاز كل شيء، كذهب بشعير، فلا يجب أن يكون يدًا بيد، قال النووي: (أجمع العلماء على جواز بيع ربوي بربوي لا يشاركه في العلة متفاضلًا، ومؤجلًا؛ وذلك كبيع الذهب بالحنطة، وبيع الفضة بالشعير، وغيره من المكيل. وأجمعوا كذلك على أنه يجوز التفاضل عند اختلاف الجنس إذا كان يدًا بيد، كصاع حنطة بصاعي شعير، ولا خلاف بين العلماء في شيء من هذا)[8].

4 - الجمهور على أن حكم الربا غير مقصور على الأصناف الستة خلافًا للظاهرية، بل يتعدَّى إلى غيرها مما تحققت فيه علة الربا، وهذا هو الصواب.

5 - وفي حديث أبي هريرة دليل على أن الذهب لا يجوز بيعه بمثله إلا بالوزن، فما يوزن لا يصح بيعه بمثله إلا بالوزن، فلو باعه بالكيل، أو بالتخمين؛ لم يجز.

6 - وفي حديث معمر دليل لمن ذهب إلى أن العلة في تحريم الربا في الأجناس الأربعة -وهي: البر والشعير والتمر والملح - أنها مطعومة، وهو مذهب الشافعي الجديد، ورواية عن أحمد. والراجح هو أن العلة في الربا في الأصناف الأربعة هي كونه من المطعومات المكيلة أو الموزونة، وهو رواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام[9]؛ وذلك لأن الشارع اعتبر الطعم في بعض النصوص، والوزن والكيل في نصوص أخرى، فكان اللازم الجمع بين جميع هذه الأوصاف ليكون الحكم مطَّردًا.

7 - ودل الحديث الأخير على أنه لا فرق بين الجيد والرديء في الربويات، وأنه يجب فيها التماثل عند البيع، ويحرم التفاضل، ولا يؤثر الاختلاف بينهما في الثمن.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - العلة التي من أجلها حُرِّم الربا في الذهب والفضة هي مطلق الثمنية، فما صار ثمنًا للأشياء -كنقود اليوم- جرى فيها أحكام الربا، قال شيخ الإسلام: (والمقصود هنا الكلام في علة تحريم الربا في الدنانير والدراهم، والأظهر أن العلة في ذلك هي الثمنية لا الوزن، كما قاله جمهور العلماء، ولا يحرم التفاضل في سائر الموزونات كالرصاص، والحديد، والحرير، والقطن. والتعليل بالثمنية تعليل بوصف مناسب؛ فإن المقصود من الأثمان أن تكون معيارًا للأموال يتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال، ولا يقصد الانتفاع بعينها، فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمنية)[10].

2 - يقول ابن القيم: (الأحكام الشرعية كلها مشتملة على التسوية بين المتماثلين، وإلحاق النظير بنظيره، واعتبار الشيء بمثله، والتفريق بين المختلفين وعدم تسوية أحدهما بالآخر، وشريعته سبحانه منزهة أن تنهى عن شيء لمفسدة فيه، ثم تبيح ما هو مشتمل على تلك المفسدة أو مثلها أو أزيد منها، فمن جوز ذلك في الشريعة فما عرفها حق معرفتها ولا قدرها حق قدرها، وكيف يظن بالشريعة أنها تبيح شيئًا لحاجة المكلف إليه ومصلحته ثم تحرم ما هو أحوج إليه والمصلحة من إباحته أظهر!)[11].

طريقة الاستدلال:

1 - ضابط: (الجهل بالتماثل، كالعلم بالتفاضل)، أو: (الجهل بالتماثل كحقيقة التفاضل). والمعنى: كما أن التفاضل يفسد العقد، فكذلك عدم العلم بالتماثل يفسده، فهما سيَّان في إفساده[12].

2 - ذكر الطعام في بعض الأحاديث الواردة في هذا الباب إنما هو مثل ذكر الوزن، أو الكيل، أو العدد، وليس مجرد ذكرها دليلا على أنها مناط الحكم، وليس أحدهما أولى بالتعليل من غيره[13]، فتعدد الأصناف الأربعة الواردة يدل ذكرها على أن كل صنف منها فيه تنبيه على العلة، وأن نصه على كل واحد منها أفاد ما لا يفيده الاقتصار على أحدها، وليس هذا مستفادًا مع التعليل بمجرد الطعم وحده، أو الكيل وحده.

من صور الربا:

[الأحاديث]

861- وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ لا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا بِالْكَيْلِ الْـمُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ»، رواه مسلم.

862- وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَلْتُهَا فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفْصَلَ»، رواه مسلم.

التوضيح:

- الصبرة: هي الجزاف والكومة من الطعام بلا كيل ولا وزن.

- بالْكَيْلِ المُسَمَّى مِنَ التَّمْر: أي بالقدر المعلوم من التمر.

- فَفَصَلْتُهَا: أي: جعلت الذهب وحده والخرز وحده.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث جابر دليل على منع بيع ما يجهل تماثله من التمر بتمر معلوم المقدار، ويقاس غير التمر من الربويات عليه، فلا يصح بيع الربوي بمثله جزافًا، أي بدون معرفة القدر في هذه الصـرة أو الكيس، ونحوهما، وهو ما جاء في الأحاديث الأخرى من قوله: «مثلًا بمثل»؛ حيث إن البيع جزافًا لا تتحقق فيه معرفة المثلية، والجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل.

2 - يدخل في ذلك كل صورة لم يعرف فيها تمام التساوي، فمن ذلك بيع الحب بالطحين، وبيع النيء بالمطبوخ، ففي بيع الحب بالطحين كيلًا لا تُعلم فيه المثلية، والتساوي متعذر، فأجزاء الحب تنتشر بالطحن، والنار قد أخذت من المطبوخ وقللت سوائله، فهناك زيادة ونقصان.

3 - وفي حديث فضالة دليل على أنه لا يجوز بيع ذهب مع غيره بذهب حتى يفصل، ويباع الذهب بوزنه ذهبًا، ويباع الآخر بما زاد، ومثله غيره من الربويات؛ فإنه ﷺ قال: «لا تباع حتى تفصل»، فصرح ببطلان العقد، وأنه يجب التدارك له[14].

4 - اختلف الفقهاء في حكم بيع ربوي بجنسه، ومعهما أو مع أحدهما صنف آخر من غير جنسه، مثل بيع درهمين بدرهم وثوب، ومذهب الحنفية واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية[15]: جواز بيع الربوي بجنسه ومعه أو معهما من غير جنسه بشـرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره، أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه، وكذا يجوز بيع السيف المحلى بذهب.

5 - محل الخلاف بين العلماء في حكمها إذا كان لم يقصد بيع الربوي بجنسه، أما إن قصد بيع الربوي بجنسه فلا يجوز، قال ابن تيمية: (فمتى كان المقصود بيع الربوي بجنسه متفاضلًا حرمت مسألة «مد عجوة» بلا خلاف عند مالك وأحمد وغيرهما).

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

الربا إنما حرم لما فيه من ظلم يضر المعطي، وقد يكون في هذه المعاوضة مصلحة للعاقدين هما محتاجان إليها، كما في الدراهم الخالصة بالمغشوشة، والمنع من ذلك مضرة عليهما، والشارع لا ينهى عن المصالح الراجحة، ويوجب المضرة المرجوحة، كما قد عرف ذلك من أصول الشرع.

طريقة الاستدلال:

سبق معنا قاعدة: (الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل، أو كحقيقة التفاضل). وقد دل حديث جابر كذلك عليها؛ ففيه أن الجهل بالتساوي في الربويات كالعلم بالتفاضل، ففيه تحريم بيع تمر بتمر حتى تعلم المماثلة.

بيع الحيوان بالحيوان نسيئة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ [الأنعام: 119]، ولما لم نجد نصًا صحيحًا صريحًا خال من المعارض على تحريم بيع الحيوان بالحيوان نسيئة فهمنا الجواز، والأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة.

[الأحاديث]

863- عن سمرة بن جندب رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْـحَيَوَانِ بِالْـحَيَوَانِ نَسِيئَةً»، رواه الخمسة، وصحَّحه التّرمذيّ وابن الجارود. [ضعيف فيه انقطاع، ضعَّفه الشافعي في الأم (9/192)].

864- وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا فَنَفِدَتْ الإِبِلُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ. قَالَ: فَكُنْتُ آخُذُ البَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ»، رواه الحاكم والبيهقي ورجاله ثقات. [قال الخطابي في معالم السنن (3/ 75): في إسناده مقال، وضعَّفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (4/ 222)، وغيره].

التوضيح:

- قلَائِص: القلوص؛ بفتح القاف: الناقة الشابة.

- إلى إبل الصدقة: أي مؤجلا إلى أن تأتي قلائص الصدقة.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث سمرة دليل على عدم صحة بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، إلا أنه قد عارضه رواية أبي رافع أنه ﷺ «استسلف بعيرًا بكرًا وقضى رباعيًا»، فاختلف العلماء في الجمع بينه وبين حديث سمرة-على القول بصحته- فقيل: المراد بحديث سمرة أن يكون نسيئة من الطرفين معًا، فيكون من بيع الكالىء بالكالىء، وبهذا فسره الشافعي؛ جمعًا بينه وبين حديث أبي رافع[16].

2 - ذهبت الحنفية والحنابلة إلى أن حديث سمرة ناسخ لحديث أبي رافع، وأجيب عنه: بأن النسخ لا يثبت إلا بدليل والجمع أولى منه، وقد أمكن بما قاله الشافعي، ويؤيده آثار عن الصحابة أخرجها البخاري قال: «اشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه، يوفيها صاحبها بالربذة. واشترى رافع بن خديج بعيرًا ببعيرين، أعطاه أحدهما، وقال: آتيك بالآخر غدًا إن شاء الله. وقال ابن عباس: قد يكون البعير خيرًا من البعيرين».

3 - يفهم من الحديث أن بيع الحيوان بالحيوان حالًا يدًا بيد جائز، وهو كذلك؛ فلا خلاف بين العلماء في جواز بيع الحيوان بالحيوان متفاضلًا إذا كان يدًا بيد، وإنما الخلاف في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة[17].

4 - دلَّ حديث عبد الله بن عمرو على أنّه لا ربا في الحيوانات، وأورد المصنف هذا الحديث هنا لبيان ذلك، وإلا فبابه القرض.

5 - وفي الحديث دليل على جواز اقتراض الحيوان، وفيه أقوال، والراجح جواز ذلك، وهو قول الشافعي ومالك وجماهير العلماء من السلف والخلف؛ عملا بهذا الحديث، وبأن الأصل جواز ذلك [18].

6 - واستدل جمهور العلماء بهذا الحديث على جواز بيع التقسيط؛ حيث إن في الحديث الزيادة في قيمة السلعة مقابل الأجل، قال الشيخ ابن باز: (وهو كالإجماع منهم على جوازها، وقد شذ بعض أهل العلم فمنع الزيادة لأجْل الأجَل، وظن ذلك من الربا، وهو قول لا وجه له، وليس من الربا في شيء)[19].

طريقة الاستدلال:

النسخ لا يثبت إلا بدليل، والجمع أولى منه، ومقدم عليه، وقد أمكن الجمع بين الحديثين بما قاله الشافعي -رحمه الله- فوجب المصير إليه، خاصة وقد أيدته آثار الصحابة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة