حجم الخط:

محتوى الدرس (118)

Adobe Systemsباب الطلاق

حكم الطلاق:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة: 102].

قال شيخ الإسلام: (فإن الله يبغض الطلاق؛ وإنما يأمر به الشياطين والسحرة كما قال الله تعالى في السحر: ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ... ، ولولا أن الحاجة داعية إلى الطلاق لكان الدليل يقتضي تحريمه كما دلت عليه الآثار والأصول؛ ولكن الله تعالى أباحه رحمة منه بعباده لحاجتهم إليه أحيانًا)[1].

[الأحاديث]

1087- عن ابن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله ﷺ: «أَبْغَضُ الْـحَلَالِ إِلَى الله الطَّلاقُ»، رواه أبو داود وابن ماجه، وصحَّحه الحاكم، ورجّح أبو حاتم إرساله. [وكذلك الدارقطني في العلل (7/ 225)].

الدلالات الفقهية:

1 - الطلاق مما أطبق العلماء على مشروعيته، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة [2].

2 - الأصل في الطلاق المنع، ولكنَّ الله تعالى أباحه رحمةً منه بعباده؛ لحاجتهم إليه أحيانًا[3]. قال ابن هبيرة: (أجمعوا على أن الطلاق في حال استقامة الحياة الزوجية مكروه، إلا أبا حنيفة قال: هو حرام مع استقامة الحال)[4].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - الحكمة من مشروعية الطلاق أنه ربما فسدت الحال بين الزوجين، فيصير بقاء النكاح مفسدة وضررًا محضًا بإلزام الزوج النفقة والسكنى وحبس المرأة؛ مع سوء العشرة والخصومة الدائمة من غير فائدة، فاقتضى ذلك شرع ما يزيل النكاح لتزول المفسدة الحاصلة منه[5].

2 - السبب في بغض الطلاق -إن لم تكن له حاجة- ما يفضي إليه من تفريق بين الزوجين وتشتيت للأسر، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الشيطان ينصب عرشه على البحر ويبعث جنوده، فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة، فيأتي أحدهم فيقول: ما زلت به حتى شرب الخمر، فيقول: الساعة يتوب، ويأتي الآخر فيقول: ما زلت به حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيقبله بين عينيه ويقول: أنت أنت» [6].

الطلاق البدعي وأنواعه:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ [الطلاق: 1].

قَالَ ابن عباس وغيره: «أي لَا يُطَلِّقْهَا وَهِيَ حَائِضٌ وَلَا فِي طُهْرٍ قَدْ جَامَعَهَا فِيهِ».

وقال الله تعالى: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ثم ختمت الآية بقوله تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: 229].

قال ابن كثير: (وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ جَمْعَ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ حَرَامٌ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ المَالِكِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَإِنَّمَا السُّنَّةُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُطَلِّقَ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، لِقَوْلِهِ: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ثُمَّ قَالَ: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ).

[الأحاديث]

1088- عن ابن عمر رضي الله عنهما أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ -وَهِيَ حَائِضٌ- فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فَسَأل عُمَرُ رَسُولَ الله ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قبل أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ التِي أَمَرَ الله أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ»، متّفق عليه.

وفي رواية لمسلم: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا».

وفي رواية أخرى للبخاريّ: «وَحُسِبَتْ عَلَيْهِ تَطْلِيقَةً».

وفي رواية لمسلم: كان ابن عمر إذا سئل عن ذلك قال: «أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَمَرَنِي أَنْ أُرَاجِعَهَا، ثُمَّ أُمْهِلَهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، وَأَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا، فَقَدْ عَصَيْتَ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ وبَانْت مِنْكَ»، وفي رواية أخرى: قال عبد الله بن عمر: «فَرَدَّهَا عَلَيَّ، وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا»، وَقَالَ: «إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ».

1089- وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: «كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الـخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَـهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ»، رواه مسلم.

1090- وعن محمود بن لبيد قال: أُخْبِرَ رَسُولُ الله ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانَ ثُمَّ قَالَ: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ الله تَعَالَى، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟!». حَتَّى قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، ألا أَقْتُلُهُ؟ رواه النّسائيّ ورواته موثّقون. [فيه انقطاع، وأعلَّه النسائي في الكبرى (5775)، وحديث عويمر العجلاني في هذا الباب أصح].

1091- وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: طَلَّقَ أَبُو رُكَانَةَ أُمَّ رُكَانَةَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ: «رَاجِعِ امْرَأَتَكَ»، فَقَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا. قَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ، رَاجِعْهَا»، رواه أبو داود. [ضعَّفه أبو داود في السنن (2185)، وغيره]. وفي لفظ لأحمد: طَلَّقَ أَبُو رُكَانَةَ امْرَأَتَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ثَلَاثًا، فَحَزِنَ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله : «فَإِنَّهَا وَاحِدَةٌ» وفي سندهما ابن إسحاق، وفيه مقال. [ضعَّفه أحمد فيما نقله أبو داود في المسائل (1129)، والبيهقي في الكبير (15/ 259)، وغيرهما].

1092- وقد روى أبو داود من وجه آخر أحسن منه: «أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ البَتَّةَ، فَقَالَ: وَالله مَا أَرَدْتُ بِهَا إِلَّا وَاحِدَةً، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ النَّبِيُّ ». [ضعَّفه البخاري فيما نقله الترمذي في السنن (1177)، وغيره].

ترجمة الراوي:

محمود بن لبيد بن عقبة الأشهلي الأنصاري، واختلف في صحبته، وقد ذكر أحمد والبخاري أن له صحبة، ورجَّحه ابن عبد البر، وكان أحد العلماء، توفي سنة (96) بالمدينة.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث ابن عمر دليل على أن الطلاق في الحيض، أو في طهر جامعها فيه محرم، ويسميه العلماء: الطلاق البدعي، وليس المراد بالبدعة هنا الشيء المحدث من الدين الذي يقابل السنة كما تطلق عليه البدعة غالبًا، بل المراد هنا أنه مخالف لسنة الطلاق، فهو حرام، وهذا أليق في اصطلاح الفقهاء[7].

2 - إذا أراد أحد أن يطلق فيجب أن نسأله فنقول: هل امرأتك حامل؟ فإن قال: نعم، قلنا: طلق ولا حرج، فإن قال: إنها غير حامل، سألناه: هل هي حائض أو طاهر؟ فإن قال: حائض، نقول: لا تطلق وانتظر حتى تطهر، ولا تأتها، ثم طلق، وإن قال: طاهر، نسأله هل جامعها أو لم يجامعها؟ فإن قال: إنه جامعها، قلنا: لا تطلق وانتظر حتى يتبين حملها، أو تحيض، وبعد الحيض طلق، وإن قال: إنه لم يجامعها، قلنا: لا بأس أن تطلق، فيجب التفصيل فيه[8].

3 - في الحديث الأمر بمراجعة المطلقة في الحيض، واختلف أهل العلم في ذلك، فذهب الحنفية في الأصح، والمالكية إلى وجوب مراجعتها، وذهب الشافعية، والحنابلة إلى الاستحباب[9].

4 - في الرواية الأولى أن الزوج إذا طلق زوجته في الحيض فإنه يؤمر بالرجعة، ثم إذا أراد أن يطلق فعليه تأخير الطلاق إلى الطهر بعد الطهر الذي يلي حيضة الطلاق، ثم إيقاع الطلاق في الطهر الثاني، وهذا هو قول الأئمة الأربعة؛ لظاهر هذه الرواية[10].

5 - وفي روايتي مسلم دليل على أنه يجوز له أن يطلق في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق، وهو رواية عن أحمد[11].

6 - في الروايات الأخيرة بيان حكم الطلاق في الحيض من حيث الوقوع وعدمه، وهي روايات متعارضة، كما أنها قابلة للتأويل، والجمهور على أنه يقع، وحكي إجماعًا [12].

واستدلوا بأدلة، منها قوله في الحديث: «وَحُسِبَتْ عَلَيَّ تَطْلِيقَةً»، وقوله: «وَأَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا، فَقَدْ عَصَيْتَ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ».

7 - ذهب الظاهرية وشيخ الإسلام إلى أنّ الطلاق لا يقع؛ لقوله في رواية: «وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا»، ولكن هذه الرواية معلولة[13]، فالراجح هو قول الجمهور، وإلى قول الجمهور رجع ابن باز بعد أن كان يفتي بقول الظاهرية وابن تيمية[14].

8 - وفي حديث ابن عباس دليل على أن من الطلاق المخالف للسنة: أن يجمع الرجل الطلقات الثلاث في كلمة واحدة في طهر واحد[15].

9 - طلاق السنة هو أن يطلقها طلقة واحدة في طهر لم يمسها فيه، ثم يتركها حتى تنقضـي عدتها، وطلاق الثلاث كان واحدة في عهد النبي ﷺ، وفي عهد أبي بكر، وفي سنتين من خلافة عمر، ثم تساهل الناس في إيقاع الثلاث، فجعلها عمر ثلاثًا تعزيرًا.

10 - وفي حديث محمود بن لبيد دليل على بدعية الطلاق الثلاث مجموعة، مع اتفاق العلماء أنها تقع إما واحدة وإما ثلاث، قال شيخ الإسلام: (من يقول: إذا أوقع الثلاث جملة لم يقع به شيء أصلا؛ هذا قول مبتدع لا يعرف لقائله سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما الكلام هل يلزمه واحدة، أو يقع ثلاثًا)[16].

11 - وفي حديث ابن عباس دليل على أن الطلقات الثلاث المجموعة تقع طلقة واحدة، وهو قول جمع من السلف، وداود، واختاره ابن تيمية، وابن القيم، وابن عثيمين[17]، بينما يرى الجمهور وقوعها ثلاث طلقات، وتبين المرأة بذلك، بل نقل إجماعًا[18]، واستدلوا بأدلة منها الحديث الأخير في طلاق ركانة امرأته، والراجح التفصيل وهو أن الطلاق الثلاث المجموعة بلفظ واحد يقع طلقة، أما إذا كانت مفرقة فتقع ثلاثًا، فإن قال لزوجته: أنت طالق ثلاثًا أو البتة أو طلقتين وقعت طلقة واحدة، وأما إن قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، أو قال: طالق طالق طالق، فهي ثلاث طلقات، إلا إذ أراد بالثانية والثالثة تأكيد الأولى فيرجع إلى نيته وتحسب طلقة واحدة، وهذا التفصيل هو ظاهر الجمع بين الأدلة، وبه يفتي العلامة ابن باز رحمه الله[19].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - الحكمة في تحريم الطلاق في الحيض أمران:

الأول: أنه جرت العادة أن الإنسان إذا حاضت امرأته ومنع منها، فإنه لا يكون في قلبه المحبة والميل لها، لا سيما إن كانت من النساء التي تكره المباشرة في حال الحيض؛ لأن بعض النساء يأتيها ضيق إذا حاضت فتكره الزوج وتكره قربانه، فإذا طلق في هذه الحال يكون قد طلق عن كراهة، وربما لو كانت طاهرًا يستمتع بها لأحبها ولم يطلقها، فلهذا كان من المناسب أن يتركها حتى تطهر.

الثاني: إذا طلقها في هذه الحيضة فإنها لا تحسب، فلا بد من ثلاث حيض كاملة غير الحيضة التي طلَّق فيها، وحينئذ يضرها بتطويل العدة عليها[20].

2- حكمة ذلك التأخير: أنه لو طلقها عقب تلك الحيضة، كان قد راجعها ليطلقها، وهذا عكس مقصود الرجعة، فإن الله سبحانه إنما شرع الرجعة لإمساك المرأة وإيوائها، ولمِّ شعث النكاح، وقطع سبب الفرقة.

وكذلك: لأنها ربما كانت حاملًا وهو لا يشعر، فإن الحامل قد ترى الدم بلا ريب، فأراد الشارع أن يستبرئها بعد تلك الحيضة بطهر تام ثم بحيض تام، فحينئذ تعلم هل هي حامل أم حائل، فإنه ربما يمسكها إذا علم أنها حامل فيه، وربما تكف هي عن الرغبة في الطلاق إذا علمت أنها حامل[21].

3 - الأصل في الطلاق أن يكون متفرقًا مرة بعد مرة، كما قال الله تعالى: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة: 229]، والحكمة في تفريق الطلقات أن تكون للزوج فرصة يراجع فيها نفسه في أمر هذه العلاقة التي يحرص الشرع على استمرارها وبقائها ما أمكن.

فالطلاق ثلاثًا دفعةً واحدة فيه قطع لطريق الصلح، وسدّ لباب الرجعة، ومنع لاستدراك الخطأ، فإن كثيرًا من الأزواج يندمون بعد الطلاق ويحنون إلى سالف العشرة، فكان من الحكمة أن يطلق واحدة لا ثلاثًا.

4 - أمضى عمر الطلاق بالثلاث طلاقًا بائنًا من باب التعزير والعقوبة، حيث إن الناس استهانوا فتتابعوا في التطليق بالثلاث، وفي هذا تعدٍّ لحدود الله وتلاعب بكتابه، فألزمهم بما التزموه، حيث ضيقوا على أنفسهم واستعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناة.

ولو كان الأمر على ما كان عليه في عهد النبوة وخلافة أبي بكر، حيث كان يقع ذلك نادرًا من أفراد قليلين حين اشتداد الغضب جدًا واقتراب الإنسان من غياب الوعي؛ لما أمضاه عليهم، لكنه لما رأى كثيرًا منهم تتابعوا على ذلك وشاع فيهم، أمضاه عليهم ليردهم إلى ما شرعه الله من تفريق الطلقات، ولذا وافقه الصحابة وعلماء السلف من التابعين وغيرهم.

طريقة الاستدلال:

1 - الطلاق يحرم مع الحيض، أو الطهر الذي جامعها فيه؛ للأمر الذي جاء في قوله تعـالى: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1]، وكذلك دل عليه الحديث، ووجه التحريم منه: أن الرسول ﷺ تغيَّظ، وأمر عمر رضي الله عنه أن يأمر ابنه بمراجعتها[22].

2 - وفي ترجيح الرواية التي تدل أن عليه تأخير الطلاق إلى الطهر بعد الطهر الذي يلي حيضة الطلاق، ثم إيقاع الطلاق في الطهر الثاني، يقول ابن القيم: (ففي تعدد الحيض والطهر ثلاثة ألفاظ محفوظة متفق عليها من رواية ابنه سالم ومولاه نافع وعبد الله بن دينار وغيرهم، والذين زادوا قد حفظوا ما لم يحفظه هؤلاء، ولو قدر التعارض؛ فالزائدون أكثر وأثبت في ابن عمر، وأخص به، فرواياتهم أولى؛ لأن نافعًا مولاه أعلم الناس بحديثه، وسالم ابنه كذلك، وابن دينار من أثبت الناس فيه وأرواهم عنه، فكيف يقدم اختصار أبي الزبير ويونس بن جبير على هؤلاء؟!)[23].

3 - دل على أن الثلاث واحدة -بجانب روايتي ابن عباس- عموم حديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» رواه مسلم، قال ابن تيمية: (ليس في الكتاب والسنة ما يوجب الإلزام بالثلاث بمن أوقعها جملة بكلمة أو كلمات بدون رجعة أو عقدة؛ بل إنما في الكتاب والسنة الإلزام بذلك من طلق الطلاق الذي أباحه الله ورسوله) [24].

4 - الإجماع المنقول على وقوع الثلاث ثلاثًا غير متحقق، بل هو مسبوق بإجماع يقول عنه ابن القيم: (وهذا كان إجماعًا قديمًا؛ لم يختلف فيه على عهد الصديق اثنان، ولكن لا ينقرض عصر المجمعين حتى حدث الاختلاف، فلم يستقر الإجماع الأول حتى صار الصحابة على قولين)[25].

5- اختلف العلماء في وجوب المراجعة، فمن ذهب إلى القول بالاستحباب استدل بأن ابتداء النكاح لا يجب، فاستدامته كذلك، فكان القياس قرينة على أن الأمر في قوله «مره فليراجعها» للندب.

واستدل من قال بالوجوب، بورود الأمر، في قوله : «مره فليراجعها» وهذا أمر، وهو على الوجوب، ولأن الطلاق لما كان محرَّما في الحيض كانت استدامة النكاح فيه واجبة، ولقوله : «لا ضرر ولا ضرار»، وطلاقها حال الحيض إضرارٌ بها لأنه يطوِّل عليها العدة فيجب إزالته، ولا طريق إلى ذلك إلا بالارتجاع.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة