نفي الولد:
قال الله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ﴾ [الممتحنة: 12] كلمة (بهتان) نكرة في سياق النهي تفيد العموم فيدخل فيه أن تنسب المرأة إلى القوم من ليس منهم، وتسميته بهتانًا يوجب نفيه، كما أن نفي الولد يدخل تحت آيات اللعان أيضًا.
وقال الله تعالى في تحريم جحد المرأة للولد: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ [البقرة: 228]؛ أي لا يكتمن الحيض أو الحمل.
1118- عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ -حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ الْـمُتَلَاعِنَيْنِ-: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَلَيْسَتْ مِنْ الله فِي شَيْءٍ، وَلَنْ يُدْخِلَهَا الله جَنَّتَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ احْتَجَبَ الله عَنْهُ، وَفَضَحَهُ الله عَلَى رُءُوسِ الأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ»، أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وصحَّحه ابن حبّان. [ضعَّفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (4/ 472)].
1119- وعن عمر رضي الله عنه قال: «مَنْ أَقَرَّ بِوَلَدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ»، أخرجه البيهقيّ، وهو حسن موقوف. [إسناده ضعيف].
1120- وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ليس من رجل ادَّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادَّعى قومًا ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار»، متفق عليه، واللفظ للبخاري.
1121- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ؟ قَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَمَا ألوَانُهَا؟» قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: «هَلْ فِيهَا مَنْ أَوْرَقَ؟»، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَنَّى ذَلِكَ؟»، قَالَ: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ. قَالَ: «فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ»، متّفق عليه. وفي رواية لمسلم: وَهُوَ يُعَرِّضُ بِأَنْ يَنْفِيَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الانْتِفَاءِ مِنْهُ.
- أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ: بأن تنسب لزوجها ولدها من غيره.
- فَلَيْسَتْ مِنْ اللهِ فِي شَيْءٍ: أي: من الرحمة والعفو.
- وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ: أي وهو يرى ويعتقد أنه منه.
- ادَّعى: انتسب.
- كفر: كفر بالنعمة التي كانت لأبيه عليه، وفعل ما يشبه أفعال أهل الكفر، وإن استحل ذلك خرج عن الإسلام.
- ادعى قومًا: انتسب إليهم.
- نسب: قرابة.
- فليتبوأ مقعده: فليتخذ منزلة فيها.
- هَلْ فِيهَا مَنْ أَوْرَقَ: الأورق هو الذي فيه سواد مخلوط بغيره.
- نَزَعَهُ عِرْقٌ: أي: اجتذبه إليه بعض أصوله في النسب، فأظهر لونه عليه؛ شبَّهَه بعرق شجرة.
1 - في حديث أبي هريرة وعمر دليل على أنه لا يصح النفي للولد بعد الإقرار به، وهو مجمع عليه[1].
2 - يشترط في صحة اللعان ألا يكون الزوج أقر بالولد صراحة؛ كأن يقول: هذا ولدي، أو دلالة؛ كأن يقبل التهنئة بالمولود أو يسكت عند التهنئة، ولا يرد على المهنئ؛ لأن العاقل لا يسكت عادة عند التهنئة بولد ليس منه، فإذا سكت كان سكوته اعترافًا بالنسب دلالة[2].
3 - دلَّ حديث أبي ذر على تحريم الانتفاء من النسب المعروف، والانتساب إلى نسبٍ غيره، ولا شك أن ذلك كبيرة.
4 - وفي الحديث الأخير دليل على أن الولد يلحق الزوج، وإن خالف لونه لونه، حتى لو كان الأب أبيض والولد أسود أو عكسه لحقه، ولا يحل له نفيه بمجرد المخالفة في اللون، لاحتمال أنه نزعه عرق من أسلافه.
وفيه: أن التعريض بنفي الولد ليس نفيًا، وأن التعريض بالقذف ليس قذفًا، وهو مذهب الشافعي وموافقيه، وفيه إثبات القياس وبيان أن المتشابهين حكمهما من حيث اشتبها واحد، وفيه الاحتياط للأنساب وإلحاقها بمجرد الإمكان[3].
5 - وقد أجمع العلماء على أن المرأة إذا كانت فراشًا لزوج أو سيد؛ ولو كانت زانية، وجاءت بولد، ولم ينفه صاحب الفراش، فإنه لا يلحق بالزاني ولو استلحقه، ولا ينسب إليه، إنما ينسب لصاحب الفراش، لا ينتفي عنه أبدًا بدعوى غيره، ولا بوجه من الوجوه إلا باللعان[4].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - يلحق الغضب والعذاب من علم أن الولد ولده، ولكنه نفاه وتبرأ منه، فقطع نسب هذا الولد، فأصبح مشردًا بلا نسب ولا أهل، وصار بين الناس مكروهًا مشوهًا مفتضحًا خجلًا. وكما فعل ذلك، فإن الله تعالى يجازيه من جنس عمله، فيفضحه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق من الأولين والآخرين، وينادى عليه بجريمته، ويفضحه بسبب كذبه وبهتانه، وتخلّيه عن الواجبات التي عليه نحو هذا الولد المشرد[5].
2 - حرَّم الشرع الادعاء إلى غير الآباء لما يتعلق به من المفاسد العظيمة، وشرط الرسول ﷺ العلم - وذلك قوله: «وهو يعلمه»- لأن الأنساب قد تتراخى فيها مدد الآباء والأجداد، ويتعذر العلم بحقيقتها، وقد يقع اختلال في النسب في الباطن من جهة النساء ولا يشعر به، فشرط العلم لذلك[6].
3- في الحديث الاحتياط للأنساب، وأن مجرد الاحتمال والظن لا ينفي الولد من أبيه؛ فإن الولد للفراش، والشارع حريص على إلحاق الأنساب، ووصلها.
4 - فيه حسن تعليم النبي ﷺ، وكيف يخاطب الناس بما يعرفون ويفهمون، فهذا أعرابي يعرف الإبل وضرابها وأنسابها، أزال عنه هذه الخواطر بهذا المثل الذي يدركه فهمه وعقله، فراح قانعًا مطمئنًا[7].
1 - قوله: «إِلَّا كَفَرَ»: هو متروك الظاهر عند الجمهور، فيحتاجون إلى تأويله، وقد يؤول بكفر النعمة، أو بأنه أطلق عليه: «كفر»؛ لأنه قارب الكفر؛ لعظم الذنب فيه، تسمية للشيء باسم ما قاربه، أو يقال: بتأويله على فاعل ذلك مستحلًّا له[8].
2 - حديث أبي هريرة الأخير من أدلة مشروعية القياس، حيث فيه إلحاق شيء بشـيء آخر، واعتبار الشيء بنظيره[9].