من أحكام الجزية:
قال الله تعالى: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ [التوبة: 29].
قال ابن عاشور: (وَالَّذِي أَرَاهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَهَمَّ مِنْهَا قِتَالُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ النَّصَارَى كَمَا عَلِمْتَ، وَلَكِنَّهَا أَدْمَجَتْ مَعَهُمُ الْمُشْرِكِينَ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ أَحَدٌ أَنَّ الْأَمْرَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ يَقْتَضِي التَّفَرُّغَ لِقِتَالِهِمْ وَمُتَارَكَةِ قِتَالِ المُشْـرِكِينَ). اهـ، وعليه فهي عامة تشمل جميع أهل الكفر حتى في الجزية.
وقال الله تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [النحل: 91].
وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 139] يقابل حال أهل الكفر من الصغار، والله أعلم.
1319- عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَهَا -يَعْنِي الـجزْيَةُ- مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ»، رواه البخاري، وله طريق في الموطأ فيها انقطاع.
1320- وعن أنس وعثمان بن أبي سليمان رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ الجندل، فَأَخَذُوهُ فأتوا به، فَحَقَنَ دَمَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى الـجزْيَةِ»، رواه أبو داود. [فيه ابن إسحق وهو مدلس].
1321- وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: «بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى اليَمَنِ، وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ معافريًا»، أخرجه الثلاثة، وصحَّحه ابن حبان والحاكم. [أعلَّه غير واحد، وقد تقدم برقم: 607].
1322- وعن عائذ بن عمرو المزني رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «الإِسْلَامُ يَعْلُو، وَلَا يُعْلَى»، أخرجه الدارقطني. [إسناده ضعيف؛ فيه مجهولان].
1323- وعن أبـي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تَبْدَؤُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ»، رواه مسلم.
عائذ بن عمرو بن هلال المزني البصري، أبو هبيرة، كان ممّن بايع تحت الشجرة، وكان من صالحي الصحابة، سكن البصرة، ومات في إمارة ابن زياد، كان لا يخرج من بيته ماء في طريق المسلمين تعظيمًا لحقهم، مات سنة (61).
- مَجُوسِ هَجَرَ: المجوس: أهل دين اتخذوا النور والظلمة إلهين، فالنور إله الخير، والظلمة إله الشر عندهم، وعبدوا النار وأنكروا البعث، ولهم شبهة كتاب.
- أكيدر: هو أكيدر بن عبد الملك الكندي، اسم ملك دومة -منطقة في الشام- كان نصرانيًا ولم يسلم.
- من كل حالم: أي محتلم، بالغ.
- معافريًا: أي ثوبًا معافريًا؛ منسوبًا إلى بلد في اليمن يقال له: مَعافِر.
1 - في حديث عبد الرحمن بن عوف دليل على جواز أخذ الجزية من المجوس، وهو قول جمهور أهل العلم، ونقل الإجماع عليه[1].
2 - ودل حديث أنس على أن الجزية تؤخذ من العرب الذين هم من أهل الكتاب، وأنهم في ذلك كالعجم[2]، وقد نقل ابن حزم الإجماع على ذلك[3].
3- وفي حديث معاذ بن جبل دليل على أن الجزية لا تؤخذ من الأنثى؛ لقوله: «حالم»، وكذلك الصبي والمجنون بالإجماع [4].
4 - وفي حديث أبي هريرة أنه لا يجوز للمسلم أن يبدأ غير المسلم بالسلام، أما إذا سلّموا علينا فإننا نرد عليهم مثل ما سلّموا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ [النساء: 86][5].
5 - قال ابن القيم رحمه الله: (وقالت طائفة: يجوز الابتداء لمصلحة راجحة من حاجة تكون إليه، أو خوف من أذاه، أو لقرابة بينهما، أو لسبب يقتضي ذلك)[6].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- في حديث عائذ بن عمرو دليل على علو أهل الإسلام على أهل الأديان في كل أمر؛ لإطلاق الحديث، فالحق لأهل الإيمان إذا عارضهم غيرهم من أهل الملل، ولا يزال دين الحق يعلو ويزداد علوًا، والداخلون فيه أكثر في كل عصر من الأعصار[7].
2 - الإسلام دين سلام، ورحمة ووئام، ولذا فإنه يعالج الوصول إلى آذان الناس وإلى قلوبهم بأسهل الطرق وأفضلها، ولا يعتبر الحرب إلا ضرورة يلجأ إليها عند التعذر في إبلاغ دعوته إلى عامة الناس، حينما يقف في سبيله خاصتهم، وذوو النفوذ فيهم[8].
1 - حديث عبد الرحمن بن عوف في جواز أخذ الجزية من المجوس حجة على من منع ذلك، وقد تكرر معنا مرارًا التنبيه على أن أي قول مخالف لما صح عن النبي ﷺ فهو مردود.
2 - الصحيح أن الجزية لا تجب على عاجز عنها، فإن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وإنما فرضها عمر رضي الله عنه على الفقير المعتمل؛ لأنه يتمكن من أدائها بالكسب، وقواعد الشـريعة كلها تقتضي ألا تجب على عاجز كالزكاة، والدية، والكفارة، والقاعدة أنه: (لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة)، ولا جزية على شيخ فانٍ ولا أعمى ولا مريض لا يرجى برؤه قد آيس من صحته وإن كانوا موسرين، وهذا مذهب أحمد وأصحابه وأبي حنيفة ومالك والشافعي في أحد أقواله؛ لأن هؤلاء لا يقتلون ولا يقاتلون فلا تجب عليهم الجزية كالنساء والذرية[9].
3 - قاعدة: قال ابن عبد الهادي: (القاعدة الثلاثون: الإسلام يعلو ولا يعلى عليه)[10].
والتطبيقات الظاهرة لهذا الأصل كثيرة، وقد اهتم بها علماء الفقه والأصول، فذكروا منها:
- منع أن يتولى الكافر على المسلم، أو يتزوج كافر مسلمة.
- منع استرقاق الكافر المسلم.
- منع مهادنة الكافرين على ما شاءوا، لما فيها تحكمهم في المسلمين، وفي ذلك علو لهم.
- منع أهل الذمة من مساواة المسلمين في البناء أو العلو عليهم، ومنعهم من صدور المجالس.
- منع الكفار من الدعوة إلى دينهم في بلاد المسلمين.
- منع المساواة بين الإسلام واليهودية والنصرانية بدعوى: وحدة الأديان، زمالة الأديان.
- إذا اختلف دين الأبوين، تبع الولد المسلم منهما.
- لا يقتل مسلم بكافر.
- الإسلام شرط في القاضي، ولا يصح قضاء غير المسلم.
- لا تجوز مشاركة القاضي القانوني للقاضي الشرعي في الحكم.
- إبطال التحاكم إلى القوانين الوضعية وتقديمها على الشريعة.
كل ذلك وغيره مما هو مثله، لأجل أن: الإسلام يعلو ولا يعلى عليه[11].
قال الله تعالى: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾ ، ثم قال بعدها: ﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [الأنفال:58، 61].
قال ابن كثير: (يَقُولُ تَعَالَى: إِذَا خِفْتَ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ عَلَى سَوَاءٍ، فَإِنِ اسْتَمَرُّوا عَلَى حَرْبِكَ وَمُنَابِذَتِكَ فَقَاتِلْهُمْ، ﴿ وَإِنْ جَنَحُوا ﴾ أَيْ: مَالُوا ﴿ لِلسَّلْمِ ﴾ أَيْ: المُسَالَمَةِ وَالْمُصَالَحَةِ وَالْمُهَادَنَةِ، ﴿ فَاجْنَحْ لَهَا ﴾ أَيْ: فَمِلْ إِلَيْهَا، وَاقْبَلْ مِنْهُمْ ذَلِكَ). اهـ
وقال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ [الإسراء: 33]، وهو يشمل كل نفس، ويدخل في التحريم نفس المعاهد، بل جعل الله في قتلها خطأ الدية والكفارة في الدنيا كما قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 92] وما كان هذا شأنه فعقوبة متعمِّده في الآخرة كبيرة.
1324- عن المسور بن مخرمة ومروان رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَامَ الـحُدَيْبِيَةِ -فَذَكَرَ الـحَدِيثَ بِطُولِهِ - وَفِيهِ: «هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله سُهَيْلَ بْنَ عَمْرِوٍ: عَلَى وَضْعِ الـحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ، يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ، وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضِ»، أخرجه أبو داود، وأصله في البخاري.
1325- وأخرج مسلم بعضه من حديث أنس رضي الله عنه، وفيه: «أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا. فَقَالُوا: أَنَكْتُبُ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّهُ مِنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ الله، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ، فَسَيَجْعَلُ الله لَهُ فَرَجًا وَمُخْرِجًا».
1326- وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهِدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الـجنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لِيُوجَدَ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًّا»، أخرجه البخاري.
- الهدنة: عقد إمام أو نائبه على ترك القتال مع الكفار مدة معلومة.
- المعاهد: من له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية، أو بأمان من مسلم، أو عقد هدنة من سلطان.
- لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ: أي: لم يجد ريحها.
1 - في الأحاديث دليل على جواز عقد الهدنة، وهي إنما تجوز لضعف المسلمين عن القتال، أو للطمع في إسلام الكافرين بهدنتهم، أو في أدائهم الجزية، أو غير ذلك من المصالح، وتجوز على غير مال؛ لأن النبي ﷺ صالح يوم الحديبية على غير مال، وتجوز على مال يأخذه منهم، فإنها إذا جازت على غير مال، فعلى مال أولى[12].
2 - لا تجوز الهدنة إلا على وجه النظر للمسلمين وتحصيل المصلحة لهم؛ لقول الله تعالى: ﴿ فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ [محمد: 35]، ولأن هدنتهم من غير حاجة ترك للجهاد الواجب لغير فائدة[13].
3 - وفي حديث المسور دليل على أنه لا يجوز عقد الهدنة إلا على مدة معلومة؛ لأن مهادنتهم مطلقًا تفضي إلى تعطيل الجهاد بالكلية؛ لكونها تقتضي التأبيد، فلم يجز ذلك، وتجوز على المدة القصيرة والطويلة على حسب ما يراه الإمام من المصلحة[14].
4 - وفي حديث أنس دليل على جواز الصلح على ردِّ من وصل إلينا من العدو، كما فعله ﷺ، وعلى أن لا يردُّوا من وصل منا إليهم[15].
5 - وفي حديث عبد الله بن عمرو دليل على تحريم قتل كل من له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية أو هدنة من سلطان، أو أمان من مسلم[16].
6 - الجمهور على عدم الاقتصاص من قاتل المعاهد خلافًا للحنفية، وقال المهلب: (هذا فيه دليل على أن المسلم إذا قتل المعاهد أو الذمي أنه لا يقتص منه؛ لأنه اقتصر فيه على ذكر الوعيد الأخروي دون الدنيوي)[17].
7 - والفرق بين المعاهد والمستأمن والذمي: أن المعاهد: هو من أخذ عليه العهد من الكفار، وأهل العهد هم الذين صالحهم إمام المسلمين على إنهاء الحرب مدة معلومة لمصلحة يراها، أما المستأمن: فهو من دخل دارنا منهم بأمان، والذمي: هو من استوطن دار الإسلام بتسليم الجزية ونفوذ أحكام الإسلام فيهم[18].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
هذه القصة العظيمة في الحديبية، وذلك الصلح الهام، وتلك الوثيقة المحكمة، أجراها الله تعالى العليم الخبير، ظاهرها الغبطة للمشـركين، ولكن باطنها الحكمة، والفائدة والعز، والتمكين للمسلمين. قال ابن القيم -رحمه الله-: (هي أكبر وأجل من أن يحيط بها إلا الله الذي أحكم أسبابها، فوقعت الغاية على الوجه الذي اقتضت حكمته)[19].
1 - قوله: «منْ قَتْل مُعَاهِدًا»: «معاهدًا» نكرة جاءت في سياق الشـرط، فتعمّ، ولكن هذا العموم مخصوص بكونه بغير حق، قال الصنعاني: (وفي لفظ للحديث تقييد ذلك «بغير جرم»، وفي لفظ: «بغير حق»، وعند أبي داود والنسائي: «بغير حلها»، والتقييد معلوم من قواعد الشرع) [20].
2 - قتل المعاهد، أو المستأمن كبيرة من كبائر الذنوب؛ لما جاء فيه من الوعيد الأخروي.