حجم الخط:

محتوى الدرس (165)

آداب المجالس:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة: 11].

[الأحاديث]

1449- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا، وَتَوَسَّعُوا»، متفق عليه.

الدلالات الفقهية:

1 - إن قعد واحد من الناس في موضع من المسجد أو غيره لم يجز لغيره أن يقيمه حتى يقعد مكانه، فإن قام الرجل وأجلس الآخر مكانه باختياره جاز له أن يجلس.

2 - وفي الحديث: أن المتعين على الحضور أن يتفسحوا للقادم حتى يوجدوا له مكانًا بينهم؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ [المجادلة: 11]، قال القرطبي: الصحيح أن الآية عامة في كل مجلس اجتمع المسلمون فيه للخير؛ سواء أكان مجلس حرب، أو ذكر، أو مجلس يوم الجمعة، فإن كل واحد أحق بمكانه الذي سبق له؛ قال ﷺ: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه، فهو أحق به»[1].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - الحكمة في هذا النهي منع استنقاص حق المسلم المقتضي للضغائن، والحث على التواضع المقتضي للمواددة، وأيضًا فالناس في المباح كلهم سواء، فمن سبق إلى شيء استحقه، ومن استحق شيئًا فأخذ منه بغير حق فهو غصب، والغصب حرام، فعلى هذا قد يكون بعض ذلك على سبيل الكراهة، وبعضه على سبيل التحريم.

2 - التأدب بهذه الآداب هو من تمام الدين وحسن الخلق، وينبغي في مسألة التفسح استشعار قوله تعالى: ﴿ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ [المجادلة: 11]، فمن فسح لغيره جعل الله له من كل ضيق سعة ومن كل عسر يُسرًا.

طريقة الاستدلال:

قاعدة: (لا إيثار بالقُرَب): الإيثار بالقرب على نوعين:

النوع الأول: القرب الواجبة: فهذه لا يجوز الإيثار بها، ومثاله رجل معه ماء يكفي لوضوء رجل واحد فقط، فلا يجوز أن يؤثر صاحبه بهذا الماء؛ لأنه يكون قد ترك واجبًا عليه، وهو الطهارة بالماء، فالإيثار في الواجب حرام.

النوع الثاني: الإيثار بالمستحب: الأصل فيه أنه لا ينبغي، بل صرح بعض العلماء بالكراهة، وقالوا: إن إيثاره بالقُرَب يفيد أنه في رغبة عن هذه القُرَب.

لكن الصحيح أن الأولى عدم الإيثار، وإذا اقتضت المصلحة أن يؤثر فلا بأس، مثل أن يكون أبوه في الصف الثاني وهو في الصف الأول، ويعرف أن أباه من الرجال الذين يكون في نفوسهم شيء إذا لم يقدمهم الولد، فهنا نقول: الأفضل أن تقدم والدك، أما إذا كان من الآباء الذين لا تهمهم مثل هذه الأمور، فالأفضل أن يبقى في مكانه؛ ولو كان والده في الصف الثاني، وكذلك بالنسبة للعالم[2].

من آداب الطعام والشراب:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ١٦٨ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: 168، 169]، والشيطان يصد عن ذكر الله، ويخالف أمر الله فيأكل بشماله، ويعبث بنعمة الله عن طريق النفخ في الإناء وطيشان اليد في الصحفة فترتفع البركة، ويَحمل على الكِبر المناقض للتواضع والشكر في هيئة الشرب والأكل ولعق الأصابع، ويأمر بعيب الطعام وكل سوء وقبح.

[الأحاديث]

1450- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ، حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا»، متفق عليه.

1451- وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ»، أخرجه مسلم.

1452- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا»، أخرجه مسلم.

الدلالات الفقهية:

1 - دلَّ حديث ابن عباس على استحباب لعق الأصابع قبل مسح اليد بالمنديل أو غسلها، وذلك عقب انتهاء الطعام - وليس أثناءه - وكراهة مسح اليد قبل لعقها؛ لاحتمال كون بركة الطعام في ذلك الممسوح.

2 - وفي حديث ابن عمر دليل على أن في الأكل بالشمال تشبه بالشيطان، والأولى حمل الخبر على ظاهره، وأن الشيطان يأكل حقيقة؛ لأن العقل لا يحيل ذلك، وقد ثبت الخبر به، فلا يحتاج إلى تأويله[3].

3 - وفي الحديث دليل على مشروعية الأكل باليمين، وجمهور العلماء على أن الأكل والشـرب باليمين مستحب [4]. والراجح أن الأكل والشرب باليمين واجب، وهو قول ابن حزم، ورجَّحه ابن القيم، وابن حجر، وجماعة من المحققين[5].

4 - وفي حديث أبي هريرة دليل على تحريم الشـرب قائمًا؛ لأنه الأصل في النهي، وإليه ذهب ابن حزم، وذهب الجمهور إلى أنه خلاف الأولى، وآخرون إلى أنه مكروه، وصرفوه عن التحريم؛ لما في صحيح مسلم من حديث ابن عباس قال: «سقيت رسول الله ﷺ من زمزم، فشـرب وهو قائم»، وفي صحيح البخاري: «أن عليًّا رضي الله عنه شرب قائمًا، وقال: رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت»، فيكون فعله ﷺ بيانًا لكون النهي ليس للتحريم[6].

5 - قال النووي: (ليس في هذه الأحاديث بحمد الله تعالى إشكال، ولا فيها ضعف، بل كلها صحيحة، والصواب فيها أن النهي فيها محمول على كراهة التنزيه، وأما شربه ﷺ قائمًا فبيان للجواز، فلا إشكال ولا تعارض، وهذا الذي ذكرناه يتعين المصير إليه)[7].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1- الشيطان عدو ابن آدم، والساعي إلى إهلاكه وإصابته بالعنت والمشقة، وفي الانتباه لهذه الآداب مجانبة لسبيل العدو، وتضييق لمجاريه، وتحرز من شره، وسدّ لمداخله على ابن آدم.

2- لا يأمر الشارع إلا بما ينفع ولا ينهى إلا عما يضر، وقد أثبت الطب فوائد الشرب جالسًا، وأن إدمان الشرب قائمًا لا يخلو من أضرار، ولله الحكمة البالغة.

طريقة الاستدلال:

1 - دل على وجوب الأكل باليمين: مجيء الأمر بالأكل باليمين، والنهي عن الأكل بالشمال، والأمر يفيد الوجوب، ونهى عن الأكل بالشمال في حديث آخر، والنهي يدل على التحريم، ولا صارف للأمر، ولا للنهي عن ظاهرهما.

2 - الحقيقة مقدمة على المجاز: فتأويل حديث أكل الشيطان بالشمال بأن المراد أنكم إن فعلتم ذلك كنتم من أولياء الشيطان: خلاف الظاهر، وعدول عنه بغير مقتضٍ، والحقيقة مقدمة على المجاز، ولا يصح التأويل إلا بدليل.

3- إذا تعارض قول النبي ﷺ مع فعله؛ صرفنا الأمر عن ظاهر الوجوب إلى الاستحباب، والنهي عن ظاهر التحريم إلى الكراهة. فإن قيل: كيف يفعل النبي ﷺ المكروه؟ قال النووي: (فالجواب: أن فعله ﷺ إذا كان بيانًا للجواز: لا يكون مكروهًا، بل البيان واجب عليه ﷺ، فكيف يكون مكروها؟! وقد ثبت عنه أنه ﷺ توضأ مرة مرة، وطاف على بعير، مع أن الإجماع على أن الوضوء ثلاثًا والطواف ماشيًا أكمل، ونظائر هذا غير منحصرة، فكان ﷺ ينبه على جواز الشيء مرة أو مرات، ويواظب على الأفضل منه، وهكذا كان أكثر وضوئه ﷺ ثلاثًا ثلاثًا، وأكثر طوافه ماشيًا، وأكثر شربه جالسًا، وهذا واضح لا يتشكك فيه من له أدنى نسبة إلى علم)[8].

آداب السلام:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا [النساء: 86].

وقال الله تعالى: ﴿ فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً [النور: 61]. قوله: عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ يدل على أن هذه التحية خاصة بالمسلمين.

[الأحاديث]

1453- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لِيُسَلِّمْ الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِيرِ، وَالمَارُّ عَلَى القَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ»، رواه البخاري بلفظ الخبر، وأحمد هكذا بلفظ الأمر، وفي رواية في الصحيحين: «يُسَلِّمْ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي».

1454- وعن عليٍّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يُجْزِئُ عَنْ الجمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنْ الجمَاعَةِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ»، رواه [أبو داود] والبيهقي. [عزاه ابن حجر لأحمد وليس فيه، وضعَّفه الدارقطني في العلل (2/11)، والمنذري في مختصر سنن أبي داود (5210)، وغيرهما].

1455- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَبْدَؤُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقَيْتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ»، أخرجه مسلم.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث أبي هريرة دليل على أنه يسنّ أن يسلّم الصغير على الكبير، والقليل على الكثير، والماشي على الجالس، والراكب على الماشي. فإن عكس؛ بأن سلم الكبير على الصغير، والكثير على القليل، والقاعد على الماشي، والماشي على الراكب: حصلت السنة؛ للاشتراك في الأمر بإفشاء السلام، والأول أكمل في السنة؛ لامتيازه بخصوص الأمر السابق في الحديث[9].

2 - قال النووي: (اعلم أن ابتداء السّلام سنَّة ليس بواجب، وهو سنة على الكفاية، فإن كان المسلِّم جماعة: كفى عنهم تسليمُ واحد منهم، ولو سلَّموا كلُّهم كان أفضل. وأما ردّ السلام: فإن كان المسلَّم عليه واحدًا: تعيَّنَ عليه الردّ، وإن كانوا جماعةً كان ردّ السلام فرض كفاية عليهم، فإن ردّ واحد منهم سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلُّهم أثموا كلُّهم، وإن ردّوا كلُّهم؛ فهو النهاية في الكمال والفضيلة)[10].

3 - ودلَّ حديث أبي هريرة الثاني على أنه لا يجوز للمسلم أن يبدأ غير المسلم بالسلام؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، أما إذا سلّموا علينا فإننا نرد عليهم مثل ما سلَّموا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء: 86][11].

4- وإذا كانت هناك حاجة داعية إلى بدء الكافر بالتحية، فلا حرج فيها حينئذٍ، ولتكن بغير السلام، كما لو قال له: أهلًا وسهلًا، أو كيف حالك، ونحو ذلك؛ لأن التحية حينئذ لأجل الحاجة، لا لتعظيمه[12]، قال ابن القيم -رحمه الله-: (وقالت طائفة: يجوز الابتداء لمصلحة راجحة من حاجة تكون إليه، أو خوف من أذاه، أو لقرابة بينهما، أو لسبب يقتضي ذلك)[13].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - قال ابن القيم: (فشرع الله الملك القدوس السلام لأهل الإسلام تحية بينهم، وكانت أولى من جميع تحيات الأمم التي فيها ما هو محال وكذب، نحو قولهم: تعيش ألف سنة، وما هو قاصر المعنى مثل: أنعم صباحًا، ومنها ما لا ينبغي مثل: السجود. فكانت التحية بالسلام أولى من ذلك كله؛ لتضمنها السلامة التي لا حياة ولا فلاح إلا بها، فهي الأصل المقدم على كل مقصود، ومقصود العبد من الحياة يحصل بشيئين: بسلامته من الشر، وحصول الخير عليه، والسلامة من الشر مقدمة على حصول الخير)[14].

2 - لا يجوز تعظيم الكافر، ولا النظر إليه نظرة اعزاز وإكبار، فقد صغَّر الله شأنهم، وحقَّر أمرهم، فلا يصح أن نرفع أحدًا منهم، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ [الأنفال: 22].

طريقة الاستدلال:

1 - ظاهر الأمر في قوله: «لِيُسَلِّمْ» الوجوب، ولكن صرفه عنه إلى الاستحباب: الاتفاق على عدم وجوب البداءة بالسلام[15].

2 - قاعدة: (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه): ومن تطبيقات هذه القاعدة ما جاء في حديث أبي هريرة من عدم بداءة الكافر بالسلام، وعدم إفساح الطريق له.

صيغ الحمد والتشميت والرد:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون: 28]. في الآية تشريع لحمد الله عند كل نجاة.

قال ابن المرزبان: (وكذلك العطاس الذي يصيب الإنسان، إنما هو تخلُّص من بخار مستكن في الرأس والخياشيم، وانفساح من ضيق وغم)[16].

وقد انتظم أدب العطاس ما في سورة الفاتحة من الحمد والدعاء بالرحمة والهداية.

[الأحاديث]

1456- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ: يَرْحَمُكَ الله، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ الله، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ الله، وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ»، أخرجه البخاري.

الدلالات الفقهية:

1 - اتفق العلماء على أنه يستحب للعاطس أن يقول عقب عطاسه: «الحمد لله»، فإن قال لفظًا آخر غير(التحميد): لم يستحق التشميت[17].

2 - التشميت سنة على الكفاية، لو قال بعض الحاضرين أجزأ عنهم، ولكن الأفضل أن يقول له كل واحد، لظاهر قوله ﷺ في حديث أبي هريرة أخرجه البخاري قال: «إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم وحمد الله، كان حقًّا على كل مسلم سمعه أن يقول: يرحمك الله تعالى».

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - قال الحليمي: (الحكمة في مشروعية الحمد للعاطسين: أن العطاس يدفع الأذى من الدماغ الذي فيه قوة الفكر، ومنه منشأ الأعصاب التي هي معدن الحس، وبسلامته تسلم الأعضاء، فيظهر بهذا أنها نعمة جليلة، فناسب أن تقابل بالحمد لله؛ لما فيه من الإفراد لله بالخلق والقدرة، وإضافة الخلق إليه لا إلى الطبائع)[18].

2- قال الإمام ابن القيم:(حمد الإنسان لله بعد العطاس يسوء الشيطان من وجوه، منها: نفس العطاس الذي يحبه الله، وحمد الله عليه، ودعاء المسلمين له بالرحمة، ودعاؤه لهم بالهداية وإصلاح البال، وذلك كله غائظ للشيطان محزن له، فتشميت المؤمن بغيظ عدوه وحزنه وكآبته، فسمي الدعاء له بالرحمة تشميتًا له؛ لما في ضمنه من شماتته بعدوه، وهذا معنى لطيف إذا تنبه له العاطس والمشمت انتفعا به، وعظمت عندهما منفعة نعمة العطاس في البدن والقلب، وتبين السر في محبة الله له، فلله الحمد الذي هو أهله،كما ينبغي لكريم وجهه وعز جلاله)[19].

طريقة الاستدلال:

قوله ﷺ: «فليقل: الحمد لله»: ظاهر الحديث يقتضي وجوبه؛ لثبوت الأمر الصريح به، ولكن نقل النووي الاتفاق على استحبابه[20]، والإجماع ينقله عن ظاهر الوجوب إلى الاستحباب.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة