التواضع:
قال الله تعالى: ﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 215].
وقال تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ [الفرقان: 63].
1530- عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الله تَعَالَى أَوْحَى إليَّ أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ»، أخرجه مسلم.
1531- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ الله عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لله إِلَّا رَفَعَهُ»، أخرجه مسلم.
- «أن تواضعوا»: أي لا تتَكَبَّرُوا بأن تعدوا لأنفسكم مَزِيَّة على الغير في استحقاق التعظيم.
- «ما نقصت صدقة من مال»: يحتمل أن يراد بعدم النقصان أنَّه يبارك فيه ويدفع عنه المفسدات، فيجبر نقص الصورة بالبركة الخفية -وهذا مدرك بالحس والعادة- ويحتمل أن يراد أنَّه يحصل بالثواب المرتب على فعل الصدقة جبر نقصان عينها، وكأن الصدقة لم تنقص المال، لما يكتب الله من مضاعفة الحسنة إلى عشرة أمثالها، والله يضاعف لمن يشاء.
- «وما زاد الله عبدًا بعفوه إلا عزًّا»: يحتمل الحمل على ظاهره، وأن من عرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب وزاده عزة وكرامة، فيكون حقيقة، ويحتمل أن المراد الأجر في الآخرة والعز هناك.
- «وما تواضع أحد لله إلَّا رفعه الله»: قال القاضي عياض: (فيه وجهان: أحدهما: أنَّ الله تعالى يمنحه ذلك في الدُّنيا جزاءً على تواضعه له، وأنَّ تواضعه يُثبت له في القلوب محبَّةً ومكانةً وعزَّةً. والثَّاني: أن يكون ذلك ثوابه في الآخرة على تواضعه) [1].
- قال أهل العلم: وهذه الاحتمالات في الألفاظ الثلاثة موجودة في العادة معروفة، وقد يكون المراد الاحتمالين معًا في جميعها في الدُّنيا والآخرة، والله أعلم.
1 - في حديث عياض دلالة على وجوب التواضع، وتحريم البغي والفخر، وهو مجمع على ذلك، والله أعلم.
2 - ثمرة التواضع وغايته -كما في حديث عياض- أن: «لا يبغي أحد على أحد»، أي لا يظلمه، فإن البغي هو الظلم، و«لا يفخر أحد على أحد»، يعني لا يتكبر أحد على أحد.
3 - في حديث أبي هريرة الحث على الصدقة، والعفو عن المسيء، وعدم مجازاته على إساءته، وإن كانت جائزة، لكن العفو عند المقدرة له مقام كبير عند الله وعند خلقه.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - التواضع من أهم الأخلاق المأمور بها في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾ [الفرقان: 63]، أي: بسكينة ووقار، متواضعين غير أشرين ولا مَرِحين ولا متكبِّرين.
2 - وحديث عياض بن حمار يعني: أن يتواضع كلُّ واحد للآخر، ولا يترفَّع عليه، بل يجعله مثله أو يكرمه أكثر، وكان من عادة السَّلف رحمهم الله: أنَّ الإنسان منهم يجعل من هو أصغر منه مثل ابنه، ومن هو أكبر مثل أبيه، ومن هو مثله مثل أخيه، فينظر إلى من هو أكبر منه نظرة إكرام وإجلال، وإلى من هو دونه نظرة إشفاق ورحمة، وإلى من هو مثله نظرة مساواة، فلا يبغي أحدٌ على أحد، وهذا من الأمور التي يجب على الإنسان أن يتَّصف بها، أي بالتَّواضع لله عزَّ وجلَّ ولإخوانه من المسلمين[2].
3 - قال ابن القيِّم: (الفرق بين التَّواضع والمهانة: أنَّ التَّواضع يتولَّد من بين العلم بالله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله، وتعظيمه ومحبَّته وإجلاله، ومِن معرفته بنفسه وتفاصيلها وعيوب عملها وآفاتها، فيتولَّد من بين ذلك كلِّه خُلُقٌ هو التَّواضع، وهو انكسار القلب لله، وخفض جناح الذُّل والرَّحمة بعباده، فلا يرى له على أحدٍ فضلًا، ولا يرى له عند أحدٍ حقًّا، بل يرى الفضل للنَّاس عليه، والحقوق لهم قِبَلَه، وهذا خُلُقٌ إنَّما يعطيه الله عزَّ وجلَّ مَن يحبُّه ويكرمه ويقرِّبه. وأمَّا المهانة: فهي الدَّناءة والخسَّة، وبذل النَّفس وابتذالها في نيل حظوظها وشهواتها، كتواضع السِّفل في نيل شهواتهم، وتواضع المفعول به للفاعل، وتواضع طالب كلِّ حظٍّ لمن يرجو نيل حظِّه منه، فهذا كلُّه ضِعَةٌ لا تواضع، والله سبحانه يحبُّ التَّواضع، ويبغض الضِّعة والمهانة)[3].
قال الله تعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴾ [المؤمنون: 96].
وقال الله تعالى: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن: 60].
1532- عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْغَيْبِ، رَدَّ الله عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ القِيَامَةِ»، أخرجه الترمذي وحسنه. [ضعَّفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (3/601)]. ولأحمد من حديث أسماء بنت يزيد نحوه. [إسناده ضعيف].
- مَنْ رَدَّ: أي: دفع عنه وحفظه.
- عِرْض أخيه: بكسر العين، وسكون الراء، هو النفس والحسب، وما يمدح به الإنسان ويذم.
1- في الحديث دليل على فضيلة الرد على من اغتاب أخاه عنده، وهو واجب؛ لأنه من باب الإنكار للمنكر، ولذا ورد الوعيد على تركه، أخرج أبو داود وابن أبي الدنيا «ما من مسلم يخذل امرأً مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته».
2- من حضر مجلس الغيبة، وجب في حقه واحد من أمور: الرد عن عِرْض أخيه المسلم، أو القيام من مجلس الغِيبة، أو الخوض في كلام آخر، أو الإنكار بالقلب، والكراهة للقول، إن لم يستطع الرد، أو القيام، وإلا كان أحد المغتابين لسكوته وترك إنكار المنكر.
قال الله تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ ١ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ٢ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 1-3].
1533- عن تميم الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «لله وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْـمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»، أخرجه مسلم.
تميم بن أوس الداري، أبو رقية الصحابي، كان صاحب ليل وتلاوة، وأول من أسرج السراج في المسجد، أسلم سنة (9)، انتقل إلى الشام ونزل بيت المقدس، وتوفي سنة (40).
- قال الخطابي: (معنى النَّصيحة لله سبحانه: صحة الاعتقاد في وحدانيته، وإخلاص النية في عبادته».
والنَّصيحة لكتاب الله: الإيمان به والعمل بما فيه.
والنَّصيحة لرسوله: التصديق بنبوته، وبذل الطاعة له فيما أمر به ونهى عنه.
والنَّصيحة لأئمة المؤمنين: أن يطيعهم في الحقِّ، وألا يرى الخروج عليهم بالسيف إذا جاروا.
والنَّصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم)[4].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - قال النووي: (هذا حديث عظيم الشأن، وعليه مدار الإسلام، وأما ما قاله جماعات من العلماء، أنه أحد أرباع الإسلام أي: أحد الأحاديث الأربعة التي تجمع أمور الإسلام فليس كما قالوه، بل المدار على هذا وحده)[5].
2 - النصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير والبر إرادةً وفعلًا، فهي بمثابة القلب الطاهر السليم للمنصوح له، وهي نافعة للناصح والمنصوح: فأما الناصح: فلما يحصله من الأجر والثواب، ولما يسره ويفرحه من أثر نصحه وأعماله الطيبة. وأما المنصوح له، فلما يحصل له من خيري الدنيا والآخرة بسبب توجيه الناصحين، وإرشاد المحبين، والدلالة على وجوه الخير، والصلاح، والفلاح[6].
قوله: «الدين النصيحة»: أي: هي عماد الدين وقوامه، كقوله ﷺ: «الحج عرفة»، فهو من الحصر المجازي لا الحقيقي؛ أي أنه أريد المبالغة في مدح النصيحة حتى جعلت كل الدين؛ وإن كان الدين مشتملا على خصال كثيرة غيرها[7].
قال الله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ١٩ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ٢٠ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ٢١ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ٢٢ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ٢٣ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد: 19 - 24].
1534- عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يَا أيُّها النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَام، وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الـجنَّةَ بِسَلَامٍ»، أخرجه الترمذي وصحَّحه. [صحَّحه الحاكم في المستدرك (4335)، والنووي في الأذكار (603)].
1535- وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ شَيْءٍ فِي الـمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ»، أخرجه أبو داود، والترمذي وصحَّحه.
1536- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ الـجنَّةَ: تَقْوى الله وَحُسْنُ الخُلُقِ»، أخرجه الترمذي، وصحَّحه الحاكم. [صحَّحه أيضًا الترمذي في السنن (2004)].
1537- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ لِيَسَعْهُمْ مِنْكُم بَسْطُ الوَجْهِ، وَحُسْنُ الخُلُقِ»، أخرجه أبو يعلى، وصحَّحه الحاكم. [ضعَّفه ابن عدي في الكامل (6/455)، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار (1818)].
1538- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الْـمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْـمُؤْمِنِ»، أخرجه أبوداود بإسناد حسن.
1539- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «الْـمُؤْمِنُ الذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنْ الذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ»، أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن، وهو عند الترمذي إلا أنه لم يسم الصحابي. [حسَّنه الحافظ أيضًا في فتح الباري (10/512)].
1540- وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي، فَحَسِّنْ خُلُقِي»، رواه أحمد، وصحَّحه ابن حبان.
- أفشوا السلام: أي: أظهروه وعُمُّوا به الناس، ولا تخصوا المعارف.
- لا تسعون: أي: لا تطيقون أن تَعُمُّوهم بما يريدون.
- ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق: يعني: لا تتسع أموالكم لعطائهم، فحسنوا أخلاقكم لصحبتهم، فإن ذلك في إمكانكم، فلا عذر لكم في تركه.
- الخُلُق: حال في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير أو شر من غير حاجةٍ إلى فكر ورويّة[8].
- مرآة المؤمن: أي: بمنزلة المرآة يرى فيها ما به من شعث ونحوه؛ فيصلحه.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - إفشاء السلام يعني نشره على من يعرفه وعلى من لا يعرفه، وفي ذلك جلب للمحبة والألفة؛ فقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم».
2 - وتقدم الكلام على صلة الأرحام مستوفى، وأما قوله ﷺ «وأطعموا الطعام»، فظاهره عموم الإطعام لمن يجب ويلزم إطعامه؛ ولو عرفًا أو عادة، وكالصدقة على السائل للطعام وغيره، فالأمر محمول على فعل ما هو أولى من تركه؛ ليشمل الواجب والمندوب.
3 - والأمر بصلاة الليل في قوله: «صلوا بالليل»، ورد تفسيره بصلاة العشاء، فيكون المراد بـ(الناس): اليهود والنصارى. ويحتمل: أنه أريد ذلك، وما يشمل أيضًا نافلة الليل.
4 - وقوله: «تدخلوا الجنة بسلام»: إخبار بأن هذه الأفعال من أسباب دخول الجنة؛ وكأنه بسببها يحصل لفاعلها التوفيق، وتجنب ما يوبقها من الأعمال، وحصول الخاتمة الصالحة[9].
5 - قال ابن القيم: (حسن الخلق يقوم على أربعة أركان، لا يتصوّر قيام ساقِه إلا عليها: الصبر، والعفّة، والشجاعة، والعدل، ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة)[10].
6 - وفي حديث أبي هريرة الأول دليل على عظمة تقوى الله، وحسن الخلق، وتقواه تعالى هي: الإتيان بالطاعات واجتناب المقبحات، فمن أتى بها، وانتهى عن المنهيات فهي من أعظم أسباب دخول الجنة[11].
7 - قال ابن حجر: (الصحيح أن الأعمال هي التي توزن، وفيه رد على الطيبي حيث قال: إنما توزن صحفها؛ لأن الأعمال أعراض، فلا توصف بثقل ولا خفة، والحق عند أهل السنة: أن الأعمال تُجسَّد، أو تجعل في أجسام، فتصير أعمال الطائعين في صورة حسنة، وأعمال المسيئين في صورة قبيحة، ثم توزن)[12].
8 - بينما في حديث أبي هريرة الثاني: بين النبي ﷺ أنه لا يتم شمول الناس بإعطاء المال؛ لكثرة الناس وقلة المال، فهو غير داخل في مقدور البشر، ولكن عليكم أن تسعوهم ببسط الوجه، والطلاقة، ولين الجانب، وخفض الجناح، ونحو ذلك مما يوجب التحاب بينكم، فإنه مراد الله، وذلك فيما عدا الكافر، ومن أُمر بالإغلاظ عليه[13].
9 - قوله: «الْـمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْـمُؤْمِنِ»: أي: يبصِّره من نفسه بما لا يراه بدونه، أو المؤمن في إراءة عيب أخيه؛ كالمرآة المجلوة التي تحكي ما ارتسم فيها من الصور؛ ولو أدنى شيء[14].
10 - وللتعبير بالمرآة دلالات عميقة، وإيحاءات لطيفة، منها:
أ - أن الأصل في المرآة أن تعكس الصورة الظاهرية للآخرين، دون النفاذ إلى البواطن؛ وهكذا المؤمن تجاه إخوانه يراهم كما هم، يقبل ظواهرهم، والسرائر ليست إليه؛ بل هي إلى بارئها عز وجل هو وحده يتولاها؛ وهذا هو المسلك الشرعي في الحكم على الأشخاص.
ب - حينما تكون المرآة صافية، فإنها تنقل الصورة كما هي دون تغيير أو تشويه، أما حينما يعلوها الغبار أو تتلطخ بالأقذار؛ فإنها تعكس ما بها من كدر على الأشياء الجميلة، فتبدو سيئة، لا في الحقيقة، ولكن بسبب كدر المرآة، وهكذا النفس البشرية، فهي حينما تصفو من الأدران المعنوية والأمراض القلبية كالبغض والحسد وحب الظهور، فإنها تنصف الآخرين، وتراهم بما فيهم من غير تشويه أو تغيير، ولكن حينما تتلطخ النفوس بالأدران، وتمرض القلوب بالأدواء، فلن تصفو صورة الآخرين لديها، كما هو حال تلك المرآة الملطخة، فلا بد من صقل القلوب كما تُصقل المرآة؛ لئلا نظلم الآخرين، ونظلم قبل ذلك أنفسنا.
جـ - ومن لطائف هذا التعبير: أن المرآة لا تكتم القبائح والعيوب؛ بل تجلّيها وتُظهرها، ولكن ليس لكل أحد؛ بل حينما يُطل عليها صاحبها؛ وهكذا المؤمن ينصح أخاه ويُبَصّره بعيوبه، ويستر عليه دون تشهير أمام الآخرين؛ وفق الضوابط الشرعية المعروفة.
د - ومن اللطائف أيضًا: أن المرآة تتعامل مع الناس على حد سواء؛ فلا تفرق بين صديق وغيره، بل تنصف الجميع، فلا تزداد بهاءً وصفاءً مع صديق أو قريب؛ كما لا تتعامى عن عيوبه مهما بلغ قربه منها، وهكذا يجب على المؤمن أن يكون؛ فلا يتعامى عن عيوب من يحبه أو يوافقه، ويضخم نقائص من يكرهه أو يخالفه في الرأي؛ فالعدل مطلب شرعي على كل الأحوال[15].
11- وفي حديث ابن عمر دليل على أفضلية من يخالط الناس مخالطة يأمرهم فيها بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحسن معاملتهم، فإنه أفضل من الذي يعتزلهم، ولا يصبر على المخالطة، والأحوال تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان، ولكل حال مقال، ومن رجح العزلة؛ فله على فضلها أدلة، وقد استوفاها الغزالي في الإحياء وغيرها[16].
12- قوله: «اللهم كما حسنت خَلْقي»: أي: أوصافي الظاهرة «فحسن خُلُقي» أي: أوصافي الباطنة التي هي مناط الكمال؛ لأقوى على تحمل أثقال الخلق، وأتخلق بتحقق العبودية، والرضا بالقضاء ومشاهدة الربوبية[17].
13 - طرق اكتساب الخلق الحسن: الأسباب والوسائل لذلك كثيرة، ومنها ما يلي:
أ - التدريب العملي، والممارسة التطبيقية للأخلاق الحسنة؛ ولو مع التكلّف في أول الأمر، وقَسْر النفس على غير ما تهوى؛ فالعلم بالتعلم والحلم بالتحلّم، والصبر بالتصبّر، والاستعفاف بالتعفّف، قال ﷺ: «ومن يستعفف يعفّه الله ومن يستغن يُغنه الله، ومن يتصبّر يُصبِّره الله» متفق عليه.
ب - الانغماس في البيئة الصالحة؛ لأن من طبيعة الإنسان أن يكتسب من البيئة التي ينغمس فيها ويعيش مع أهلها، فيكتسب ما لديهم من أخلاق، وعادات، وتقاليد، وأنواع سلوك عن طريق المحاكاة والتقليد، وبذلك تتم العدوى النافعة، ولهذا قيل: إن الطبع للطبع يسرق، وأعظم من ذلك: توجيه النبي ﷺ، وبيانه: أن الجليس الصالح كحامل المسك، إما أن تبتاع منه، أو تجد منه ريحًا طيبة. ولا شك أن الرجل على دين خليله، فلينظر كل مسلم من يخالل؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ»[18].
مفهوم حديث عبد الله بن سلام: أن من لم يفشِ السلام، ويصل الأرحام، ويطعم الطعام، ويقوم بالليل: أنه لا يدخل الجنة بسلام. وهذا المفهوم محمول على القدر الواجب من ذلك، إلا أنه متخلف في إفشاء السلام؛ إذ هو في كل الأحوال سنة ابتداء.