حجم الخط:

محتوى الدرس (3)

2- في خارج الجزيرة العربية:

أ - جوانب من الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية في ظل اليهودية:

أولًا: جوانب من الحياة الدينية:

لقد تعرضت الديانتان السماويتان اليهودية والنصرانية إلى تحريف وتبديل، ومن ثم فقدتا الروح، ولم تَعُودا تمثلان دورهما الأساس في إصلاح الناس الذين جاءتا من أجلهم.

فاليهودية، بالإضافة إلى التحريف الذي حدث في أصولها، كانت ديانة أراد الله أن تكون لبني إسرائيل خاصة. غير أنها أصيبت في عقيدة التوحيد التي فضل الله بها بني إسرائيل على أهل زمانهم، إذ اقتبس اليهود كثيرًا من العقائد والتقاليد الوثنية الجاهلية للأمم التي جاوروها أو سيطروا عليها أو عاشوا وسطها. وقد اعترف بهذه الحقيقة مؤرخو اليهود المنصفون. ومثال ذلك ما جاء في دائرة المعارف اليهودية ما معناه:

(إن سخط الأنبياء وغضبهم على عبادة الأوثان تدل على أن عبادة الأوثان والآلهة كانت قد تسربت إلى نفوس الإسرائيليين، ولم تستأصل شأفتها إلى أيام رجوعهم من الجلاء والنفي في بابل، وقد قبلوا معتقدات خرافية ومشركة، وإن التلمود أيضًا يشهد بأن الوثنية كانت فيها جاذبية خاصة اليهود...).

هذا بالإضافة إلى أن توراتهم وتلمودهم قد طفحا بأوصاف ونعوت لا تليق بذات الله ووحيه وأنبيائه ورسالاتهم.

فتراهم في توراتهم المحرفة وعهدهم القديم - مثلًا - يذكرون أن الله قد تعب في اليوم السادس وهو يخلق الكون، واستراح في اليوم السابع، وبارك اليوم السابع وقدسه لأنه استراح فيه من جميع أعماله. ولذلك كان تحريم اليهود للعمل يوم السبت.

وجاء في عهدهم القديم في قصة آدم وزوجه حواء عليهما السلام: (وسمعا صوت الرب الإله ماشيًا في الجنة، عند هبوب رياح النهار، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة، فنادى الرب الإله آدم وقال له: أين أنت؟ فقال: سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت. فقال: من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها؟..).

وهكذا يصورون الله وكأنه بشر لا يعرف ما يحدث في حديقة منزله.

وقد أعقب هذا قولهم: إن آدم عندما أكل من شجرة المعرفة ارتفع بهذا العصيان إلى مراتب الآلهة، وأدرك الخير والشر، على الرغم من أن الرب عندما خلقه كان حريصًا على بقائه جاهلًا بهما. وعندما خشي الرب على ازدياد تمرد آدم واستفحال أمره، أخرجه وزوجه من الجنة حتى لا تمتد أيديهما إلى شجرة الحياة فيكتب لهما الخلود. ولم ترضه أيضًا سيرة آدم وأبنائه في الأرض، لأنه فوجئ بهم يملؤونها بالشـرور والآثام، فحزن وتأسف على خلقهم.

والله في كتابهم المقدس يندم على إغراق الأرض بالطوفان. ويقبل ضيافة نبيه إبراهيم عليه السلام ويأتي إلى منزله بصحبة اثنين من ملائكته ويأكلون من مائدة إبراهيم عليه السلام الدسمة.

والله في توراتهم المحرفة يدخل في عراك ومصارعة مع عبده ونبيه يعقوب، دامت ليلة كاملة. وعندما أوشك يعقوب أن ينتصر عليه، لجأ إلى خدعة مكّنته من كسب الجولة والغلبة، وهي أنه ضرب حُقّ (النقرة التي فيهارأس الفخذ) فخذ يعقوب حتى انخلع. وعلى الرغم من ذلك لم يتركه يعقوب إلا بعد أن باركه ونال منه لقب إسرائيل.

والله عز وجل في توراتهم إله خاص بهم: لا يحب غيرهم، لأنهم شعبه المختار. وأمّا الأمم الأخرى فهي كالأغنام لا يأبه بها الإله. ويبنون كراهيتهم للأجناس الأخرى، وعلى رأسهم العرب، على أساس من دينهم المحرف. فتراهم يذكرون في توراتهم قصة يزعمون فيها أن نوحًا - نبي الله تعالى - سكر حتى استلقى وانكشفت سوأته، ولما رآه ابنه حام - أبو كنعان - ضحك منه وفضحه عند أخويه سام ويافث، اللذين ستراه دون النظر إلى عورته. وعندما أفاق نوح من سكرته، وعلم بما حدث من ابنه الأصغر حام، استنزل عليه لعنة الله قائلًا: (ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته. مبارك الرب إله سام، وليكن كنعان عبدًا لهم، ليفتح الله ليافث، فيسكن في مساكن سام، وليكن كنعان عبدًا لهم..). وظاهر في هذه القصة إرادة اليهود استعباد الكنعانيين أبناء حام - وهم لا ذنب لهم - وتزكية الإسرائيليين أبناء سام.

وكما صور اليهود نوحًا سكيرًا ليصلوا إلى أهداف معينة، تراهم أيضًا يصورون لوطًا عليه السلام سكيرًا وعاهرًا يزني بابنتيه في حالة سكر، وتحبلان منه وتلدان. وزعموا أن ابن البنت البكر عرف بـ(مؤاب)، أبو المؤابيين إلى اليوم، ليصلوا بذلك إلى هدف واضح أيضًا وهو تجريح أعدائهم المؤابيين، وكل ذلك باسم الوحي.

وصدق الله العظيم الذي قال في القرآن الكريم:

﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿ ٧٨ [آل عمران:78]. ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴿ ٧٩ [البقرة:79].

وتدّعي توراتهم أن كل النساء غير اليهوديات مومسات. ويستحق القتل كل الجوييم - غير اليهود - أو العبيد أو الحمير حتى ذوو الفضل منهم. وأن من يقتل غير اليهودي يقدم قربانًا للرب [د. عويس: ثقافة المسلم...].

هل يمكن أن يكون هذا كتابًا إلهيًا مقدسًا لتعريف البشر بالله عز وجل وهدايتهم إلى طريقه؟!

إن هذا الاعتقاد الباطل هو الذي جعلهم لا يبالون بكل القيم في سبيل الوصول إلى أهدافهم كما هو واضح من بروتكولات حكماء صهيون. ولا يبالون في وصف أنبياء الله سبحانه وتعالى بأوصاف لا تليق بهم كما قلنا. فها هم مثلًا - يصورون إبراهيم عليه السلام ديوثًا في سبيل حرصه على الحياة والمنافع الدنيوية.

فيذكرون في توراتهم أنه أغرى زوجته سارة بالذهاب إلى بيت فرعون بصفتها أخت إبراهيم من أجل الحصول على حظيرة من الغنم والحمير، قال لها: «قولي إنك أختي ليكون لي خير بسببك وتحيا نفسي من أجلك..» [نفسه].

ويصورون يعقوب عليه السلام بأنه محتال، سرق النبوة من أخيه البكر بأسلوب قذر.

ويصورون ابنة يعقوب عليه السلام المسماة (دينة) بأنها زانية، زنا بها ابن رئيس المدينة المجاورة.

ويقولون في تلمودهم بأن عيسى بن مريم عليه السلام ابن غير شرعي، حملته أمه سفاحًا وهي حائض، من العسكري (باندارا)، وإنه كذاب ومجنون ومضلل وساحر ومشعوذ ووثني. ووصف تلمودهم المسيحيين بأنهم ليسوا أكثر من خرق حيض المرأة التي تُرمَى في القاذورات، وأنهم وثنيون وقتلة وفسقة وحيوانات قذرة وحمير وخنازير وكلاب.

ويصورون نبيهم داود عليه السلام يزني بامرأة أحد ضباطه، وتحبل منه، وذلك عندما رآها على السطوح فأعجبه جمالها، وأرسل زوجها الضابط إلى ميادين القتال ليهلك، ثم يتزوجها.

أي بشاعة هذه؟ إن هذا الكلام لا يمكن أو يعقل أن يكون من عند الله سبحانه وتعالى، وبالتالي لا يمكن أن يكون صالحًا لهداية البشرية.

لقد حكى القرآن الكريم عن جوانب كثيرة من تفكير اليهود الديني وموقفهم من كتابهم ورسلهم. ومن ذلك ما حكاه عن:

ميلهم إلى الوثنية على الرغم من وجود نبيهم موسى عليه السلام بينهم، فقد قالوا له: ﴿ اجْعَلْ لَنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ [الأعراف:138].

وعندما عاد إليهم موسى بعد ملاقاة ربه، وجدهم عاكفين على عبادة عجل، قائلين: ﴿ لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ ﴿ ٩١ [طه:91].

وعدم تخليهم عن شغفهم بالوثنية بعد موسى عليه السلام كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ﴿ ٩٢ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ [البقرة:92-93].

وذكر القرآن نوعًا من تعنتهم مع موسى عليه السلام ويتمثل ذلك في قولهم له: ﴿ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء:153]. وذكر نوعًا من سوء أدبهم مع الله، فقال: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة:64].

ونسبهم بنوة البشر لله تعالى، قال تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة:30].

وألَّهو أحبارهم، كما قال تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31].

وعدم تورعهم في تحريف كلام الله عز وجل كما حكى عنهم القرآن الكريم في الآية: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة:79]، وفي الآية: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:75].

ومما حكاه القرآن الكريم عن موقفهم من رسلهم قوله تعالى: ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴿ ٨٧ [البقرة:87]، وقوله تعالى: ﴿ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ [البقرة:61]، وقوله: ﴿ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿ ٩١ [البقرة:91].

ويتضح لك مما سقناه من أدلة من كتب اليهود ومن كتاب الله تعالى إلى أي درك وصلت هذه الديانة على أيدي هؤلاء البشر.

ثانيًا: جوانب من الحياة السياسية والاجتماعية في المجتمعات اليهودية:

إن الله تعالى لا يرضى لدينه أن يكون عنصريًا بعيدًا عن الإنسانية، ولكن اليهود بدلوا دين الله عز وجل وجعلوه عنصريًا لا يحمل للإنسانية رحمة، وافتروا على أنبياء الله تعالى ووصفوهم بكل النقائص والرذائل البشرية كما رأينا. ولهذا فلا غرابة أن يعيشوا في صراع وفتن مع الشعوب غير اليهودية إلى يومنا هذا.

ففي القرن السابع الميلادي بالذات، أوقعوا بين النصارى في أنطاكية والقائد الفارسي فوكاس، مما ترتب عليه وقوع مذابح فظيعة في نصارى أنطاكية. وساعدوا جيوش الفرس في محاربة نصارى الشام، وقتلوا بأنفسهم النصارى في الشام مثلما حدث في صور. وكان جزاؤهم أن عاقبهم هرقل ملك الروم عقوبة قاسية عندما علم بما ارتكبوه من مآسٍ في حق النصارى بالشام [خطط المقريزي].

لقد وصفهم القرآن الكريم وصفًا دقيقًا، يصور ما كانوا عليه في القرنين السادس والسابع الميلاديين من تدهور خلقي وانحطاط نفسي وفساد اجتماعي، جعلهم غير أهل لإمامة الأمم وقيادتها. ومن ذلك قول الله تعالى فيهم: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿ ٧٥ [آل عمران:75].

وقد ذاق العرب في يثرب (طيبة، المدينة، طابة) الويلات نتيجة لحرص اليهود على إثارة الفرقة والحروب بين الأوس والخزرج، واحتكارهم التجارة، وتسخير العرب في مصالحهم الاقتصادية. وعادوا الرسول وكادوا له كيدًا عظيمًا، ومكروا به كثيرًا، ولكن الله عز وجل مكر بهم، وكانت مشيئة الله أن أجلاهم الرسول عن المدينة، وأجلاهم عمر رضي الله عنه عن الجزيرة العربية تنظيفًا للمجتمع الإسلامي من شرورهم وآثامهم.

ب - جوانب من الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية في ظل المسيحية:

أولاً: الحياة الدينية:

وكذلك المسيحية؛ فبالإضافة إلى ما لحق بها من تحريف، فقد شابتها ألوان شتى من الوثنية والخرافات اليونانية والرومانية، اضمحلت في جانبها تعاليم المسيح الميسـرة، وأصبحت على تعاقب العصور ديانة وثنية تحول بين الإنسان والعلم والفكر والمنطق.

ومن الأدلة الواضحة على ذلك ما ذكره باكستر الأوروبي Rev.James Houstom Baxter: History of Chrisianity in the Light of Modern Knowledge Glasgo، 1926، p.407 [نقلًا عن د. الفرت في بحثه المشار إليه سابقا]، والذي ترجمته:

(لقد انتهت الوثنية، ولكنها لم تلق إبادة كاملة، بل إنها تغلغلت في النفوس واستمر كل شيء فيها باسم المسيحية وفي ستارها، فالذين تجردوا عن آلهتهم وأبطالهم وتخلوا عنهم أخذوا شهيدًا من شهدائهم ولقبوه بأوصاف الآلهة، ثم صنعوا له تمثالًا. وهكذا انتقل الشرك وعبادة الأوثان إلى هؤلاء الشهداء المحليين، ولم ينته هذا القرن حتى عمت فيه عبادة الشهداء والأولياء، وتكونت عقيدة جديدة وهي أن الأولياء يحملون صفات الألوهية، وصار هؤلاء الأولياء والقديسون خلقًا وسطًا بين الله والإنسان، ويحمل صفة الألوهية على أساس عقائد الأريسيين (يأتي شرحها في كتابه إلى قيصر) وأصبحوا رمزًا لقداسة القرون الوسطى ووعيها وطهرها. وغيرت أسماء الأعياد الوثنية بأسماء جديدة، حتى تحول في عام 400 ميلادي عيد الشمس القديم إلى عيد ميلاد المسيح).

وما ذكره الدكتور أبو الغيط في كلامه عن الوثنية في المسيحية ختمه بقوله:

(.. وهكذا كانت عبادة الأوثان في عصور الاضطهاد هذه يرتفع سوقها وينخفض تبعًا لتأييد النصارى للحكام الرومانيين وإقبالهم على تلبية رغباتهم في الولاء لتمثال القيصر، ومن يتباطأ عن ذلك كان مصيره الحرق والهدم والتدمير كما يقول بذلك التاريخ المسيحي كله، حتى طأطأت المسيحية رأسها أخيرًا للوثنية وغطرستها بعد طول التجاذب والصراع بينهما، فحيثما دخلت المسيحية بلدًا ووجدت أهلها مقيمين على الوثنية أقروهم على عبادتهم بالإضافة إلى المعتقدات المسيحية).

وابتدع النصارى الرهبانية، وأدخلوا في أناجيلهم ما لا تستسيغه الأفهام. فابن حزم [الفصل] - أحد رواد علم مقارنة الأديان - انتهى إلى نتائج خطيرة عندما درس المصادر الأصلية للمسيحية. ومن مناقشاته للنصارى في عقيدتهم قوله:

(.. وقالت (اليعقوبية): إن المسيح هو الله تعالى نفسه، وإن الله - تعالى عن كفرهم - مات وصلب وقتل، وإن العالم بقي ثلاثة أيام بلا مدبر، والفلك بلا مدبر، ثم قام ورجع كما كان. وإن الله تعالى عاد محدثًا، وإن المحدث عاد قديمًا،وإنه سبحانه تعالى هو كان في بطن مريم محمولًا به..).

(ولولا أن الله تعالى وصف قولهم في كتابه العزيز إذ يقول: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۚ [المائدة:72] وإذ يقول تعالى حاكيًا عنهم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ [المائدة:73]،وإذ يقول تعالى: ﴿ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ [المائدة:116].

لولا ذلك لما انطلق لسان مؤمن بحكاية هذا القول العظيم الشنيع السمج السخيف. وتالله لولا أننا شاهدنا النصارى ما صدقنا أن في العالم عقلًا يسع هذا الجنون. ونعوذ بالله من الخذلان...).

ويقول في دحض هذا القول:

(.. ويلزم هؤلاء القوم أن يعرفونا من دبر السماوات والأرض، وأدار الفلك هذه الثلاثة الأيام التي كان فيها ميتًا... ثم يقال للقائلين بأن البارئ تعالى ثلاثة أشياء أب وابن وروح القدس. أخبرونا إذ هذه الأشياء لم تزل كلها وأنها مع ذلك شيء واحد إن كان ذلك كما ذكرتم فبأي معنى استحق أن يكون أحدهما يسمى أبًا والثاني ابنًا وأنتم تقولون إن الثلاثة واحد، وإن كان منها هو الآخر فالأب هو الابن والابن هو الأب وهذا هو عين التخليط. وإنجيلهم يبطل هذا بقولهم فيه: (سأقعد عن يمين أبي)، وبقولهم: إن القيامة لا يعلمها إلا الأب وحده،وإن الابن لا يعلمها، فهذا يوجب أن الابن ليس هو الأب... وإن كانت الثلاثة متغايرة - وهم لا يقولون بهذا - فيلزمهم أن يكون في الابن معنى من الضعف أو من الحدوث أو من النقص، به وجب أن ينحط عن درجة الأب. والنقص ليس من صفة الذي لم يزل...).

وخلاصة قول ابن حزم في عقيدتهم التي جاءت في أناجيلهم: (فهذه سبعون فصلًا من أناجيلهم من كذب بحت ومناقضة لا حيلة فيها، ومنها فصول يجمع الفصل من ثلاث كذبات فأقل على قلة مقدار أناجيلهم.

وجملة أمرهم في المسيح عليه السلام أنه مرة بنص أناجيلهم ابن الله ومرة هو ابن يوسف وابن داود وابن الإنسان، ومرة هو إله يخلق ويرزق، ومرة هو خروف الله، ومرة هو في الله والله فيه، ومرة هو في تلاميذه وتلاميذه فيه، ومرة هو علم الله وقدرته، ومرة لا يحتكم على أحد ولا ينفذ إرادته، ومرة هو نبي وغلام الله، ومرة أسلمه الله إلى أعدائه، ومرة قد انعزل الله له عن الملك وتولاه هو وصار يولي أصحابه خطة التحريم والتحليل في السموات والأرض، ومرة يجوع ويطلب ما يأكل ويعطش ويشـرب ويعرق من الخوف ويلعن الشجرة إذا لم يجد فيها تينًا يأكله، ويفشل فيركب حماره ويأخذ ويلطم وجهه ويضرب رأسه بالقصبة، ويبزق في وجهه ويضرب ظهره بالسياط ويميته الشرط، ويتهكمون به ويسقى الخل في الحنظل ويصلب بين سارقين ويسمر يداه ومات الساعة ودفن ثم يحيا بعد الموت ولم يكن له هم إذا حيي بعد الموت واجتمع بأصحابه إلا طلب ما يأكل فأطعموه الخبز والحوت المشوي، وسقوه العسل، ثم انطلق إلى شغله..).

ثم أخذ ابن حزم في بيان الكذب والكفر والهوس الذي جاء في كتبهم غير الأناجيل.

إن هذا المآل الذي آلت إليه المسيحية واليهودية، اقتضـى أن يـرسل الله سبحانه وتعالى رسولًا آخر، هو محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، لإنقاذ البشـرية من هذا الضلال، ويكون الدين الخاتم لكل البشرية بعد أن أعدت لتلقيه.

ثانيًا: الحياة السياسية والاجتماعية في المجتمعات النصرانية:

حل القرن السادس الميلادي والحرب قائمة بين نصارى الشام والدولة الرومانية وبين نصارى مصر، أو بين الملكانية - التي يمثلها حزب الدولة - والمنوفيسية - التي يمثلها حزب القبط - بعبارة أخرى، وذلك لاختلافهم حول حقيقة وطبيعة المسيح ، إذ يعتقد الملكانية في ازدواج طبيعة المسيح بينما يعتقد المنوفيسيون أن للسيد المسيح طبيعة واحدة. وأصبح العالم المسيحي في شغل بنفسه عن محاربة الفساد والإصلاح ودعوة الأمم إلى الخير. وابتلي القبط بمصر لاعتقادهم المخالف لاعتقاد الدولة.

وفي الدولة الرومانية الشـرقية - بالذات - ساءت أحوال الناس حتى فضلوا الحكومات الأجنبية على حكوماتهم. وقامت فتن وثورات.

وقد هلك في عام 532م - مثلًا - في اضطراب واحد ثلاثون ألف شخص في القسطنطينية. وأمعنوا في أساليب التسلية التي وصلت إلى حد الوحشية.

وفي مصر البيزنطية ساد الاضطهاد الديني والاستبداد السياسي والبؤس والفقر، إذ كانت شاتهم الحلوب التي يحسنون حلبها ويسيئون علفها. ولم ينقذ المصريين من هذا الحال إلا المسلمون، كما يعترف بذلك من ينتسبون إلى النصـرانية، أمثال غوستاف لوبون [في حضارة العرب].

وفي سورية البيزنطية سادت المظالم إلى الحد الذي اضطر كثيرًا من السوريين لبيع أبنائهم ليوفوا ديونهم [خطط الشام].

أما الأمم الأوروبية في الغرب والشمال فكانت تعيش حروبًا دامية وجهلًا مطبقًا وغلوًا في الدين. وكانوا يبحثون في قضايا مثل: هل المرأة حيوان أم إنسان، وهل لها روح خالدة أم لا؟ وهل لها حق الملكية والبيع والشراء؟.. إلخ.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة